التدوينة التي كتبها عبدالحميد نجل اللواء الشهيد أحمد حمدي، أحد أبطال وشهداء حرب أكتوبر، تثير كثيرا من الحزن والأسى؛ إذا كيف تحول نجل هذا البطل الشهيد إلى مسخ بلا هوية؟! وكيف تناسى دم أبيه ومئات الآلاف من شهداء مصر البواسل الذين قتلهم الاحتلال على مدار 25 سنة في 4 حروب كبرى، بداية من حرب 48 ثم 56 وصولا إلى الهزيمة المرة في 67 والانتصار النسبي في 73؟!

وكان عبدالحميد قد كتب تدوينة على حسابه الخاص بموقع التواصل الاجتماعي "تويتر" قال فيها «الحرب عدد من المعارك، انتصرنا في 73 وحققنا خطتنا كاملة"…لو مش فاهم تاريخ يبقى الأفضل تسكت، لو مش فاهم أن الحرب أساسها تحريك موقف وكسر إسرائيل وإجبارها على مباحثات سلام، وبموجبها حررنا سيناء. والسلام اللي حافظوا عليه اللي الآن، اسكت خالص، والأفضل تسكت وبلاش كلام وأسئلة ودس سم بالعسل».

موقف عبدالحميد هو تطابق مع موقف زعيم عصابة الانقلاب الدكتاتور عبدالفتاح السيسي الذي أثنى على اتفاقية كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني التي وقعها الرئيس الأسبق أنور السادات في مارس 1979م، وادعى أنها تمثل رؤية سباقة ومتقدمة على الأفكار التي سادت وقتها. وكان السيسي قد دعا  حكام العرب في خطابه بمناسبة الذكرى الـ48 لحرب أكتوبر إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، والمضي على خطى السادات الذي كان أول زعيم عربي أقر الصهاينة على احتلال فلسطين واعتبر ذلك احتلالا مشروعا للأراضي التي احتلتها حتى قبل 5 يونية 1967م.

وأمثال السيسي وعبدالحميد يتجاهلون أن منطقة أم الرشراش المصرية لا تزال محتلة حتى اليوم؛ فإذا كان يعلم وكتب ما كتب فتلك خيانة، وإن كان لا يعلم فتلك مصيبة. لكن اللافت والمؤلم حقا أن شركة "ميديترينيان غاز بايب لاين ليمتد" (غاز المتوسط) المملوكة لحسين سالم كواجهة للمخابرات العامة المصرية، والتي كانت تمتلك 53% من رأسمال الشركة التي كانت تصدر الغاز للاحتلال الإسرائيلي، كان يمثلها عبد الحميد أحمد حمدي، والذي يرتبط من ناحية أخرى بجهاز المخابرات إذ أنه متزوج من ابنة رئيس الجهاز السابق اللواء عمر سليمان.

وفي فبراير 2018 عندما وقع ثلاث شركات، مصرية وإسرائيلية وأميركية، اتفاقا لشراء الغاز الطبيعي الإسرائيلي وتوريده إلى مصر في صفقة تبلغ قيمتها 15 مليار دولار. كانت الشركة المصرية في الصفقة هي "دولفينوس القابضة"، المملوكة لرجل الأعمال المصري علاء عرفة، عراب التطبيع الاقتصادي بين مصر وإسرائيل، واتفاقية "الكويز"، والصديق المقرب من الرئيس الراحل حسني مبارك، منذ تزاملهما في الكلية الجوية، وهي شركة أسستها المخابرات العامة أيضاً كواجهة، وتمتلك شركة "غاز المتوسط" التي يديرها عبد الحميد أحمد حمدي، نسبة فيها.

وفي يناير 2020  بدأت إسرائيل في تصدير الغاز الطبيعي إلى مصر في إطار صفقة هي الأهم التي وقعتها دولة الاحتلال مع جيرانها منذ معاهدة السلام في 1979. وبموجب الاتفاق التاريخي، تشتري شركة خاصة في مصر هي "دولفينوس القابضة" 85 مليار متر مكعب من الغاز بقيمة 19.5 مليار دولار من حقلي لوثيان وتمار الإسرائيليين على مدى 15 عاماً.

ولا شك أن الصهاينة نجحوا في تكوين مافيا موالية لهم داخل المؤسسة  العسكرية المصرية وجهاز  المخابرات العامة وجميع مؤسسات الدولة المصرية ورجال الأعمال والإعلام، ويشجع على ذلك أن رئيس الانقلاب حوَّل العلاقات مع إسرائيل من سلام بارد إلى سلام دافئ، ثم إلى تحالف وثيق حتى تحول إلى عرَّاب لترويج الروايات الصهيونية والدعاية للانبطاح والتسليم أمام إسرائيل باعتبارها بوابة الرضا الأمريكي. وسعت إسرائيل إلى ترويج مفهوم السلام الاقتصادي، وتعود جذور الفكرة إلى جناح من قيادة حزب العمل الإسرائيلي الذي وضع رؤية وتصوراً لعملية التسوية وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي تحت شعار عملية السلام والتعاون الاقتصادي في إطار مشروع بناء إقليمي جديد، وقد عبّر عن هذا المشروع وتولى التنظير والترويج له وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريز، ونائبه يوسي بيلين، حيث توقع شمعون بيريز ولادة شرق أوسط جديد تسوده الرفاهية والازدهار وذلك في كتابه الذي صدر بالتزامن مع مؤتمر مدريد في خريف 1993، بعنوان "الشرق الأوسط الجديد".

وقد ولد الشهيد  أحمد حمدي في 20 مايو عام 1929، وكان والده من رجال التعليم بمدينة المنصورة، تخرج في كلية الهندسة جامعة القاهرة قسم الميكانيكا، وفي عام 1951 التحق بالقوات الجوية، ومنها نقل إلى سلاح المهندسين عام 1954م. وحصل الشهيد على دورة القادة والأركان من أكاديمية فرونز العسكرية العليا بالإتحاد السوفيتي بدرجة امتياز.

وعندما حانت لحظة الصفر يوم 6 أكتوبر 1973 طلب اللواء من قيادته التحرك شخصيا إلى الخطوط الأمامية ليشارك أفراده لحظات العمل في تركيب الكباري على القناة, وتحرّك بالفعل إلى القناة واستمر وسط جنوده طوال الليل بلا نوم ولا طعام ولا راحة، ينتقل من معبر إلى آخر حتى اطمأن قلبه إلى بدء تشغيل معظم الكباري والمعابر. وصلى ركعتين شكرا لله على رمال سيناء المحررة.

وفي يوم 14 أكتوبر 1973 كان يشارك وسط جنوده في إعادة إنشاء كوبري لضرورة عبور قوات لها أهمية خاصة وضرورية لتطوير وتدعيم المعركة، وأثناء ذلك ظهرت مجموعة من البراطيم متجهه بفعل تيار الماء إلى الجزء الذي تم إنشاؤه من الكوبري معرضة هذا الجزء إلى الخطر وبسرعة بديهة وفدائية قفز إلى ناقلة برمائية كانت تقف على الشاطئ قرب الكوبري وقادها بنفسه وسحب بها البراطيم بعيدا عن منطقة العمل ثم عاد إلى جنوده لتكملة العمل برغم القصف الجوي المستمر. وقبل الانتهاء من إنشاء الكوبري أصيب بشظية متطايرة وهو بين جنوده. كانت الإصابة الوحيدة وكان هو المصاب الوحيد لكنها كانت قاتلة. ويستشهد وسط جنوده كما كان بينهم دائما.

منح اسمه وسام نجمة سيناء من الطبقة الأولى، واختير يوم استشهاده ليكون يوم المهندس و عيد المهندسين، وأطلق الرئيس محمد أنور السادات اسمه على النفق الذي يعبر تحت قناة السويس ويربط سيناء بباقي أرض مصر (نفق الشهيد أحمد أحمدي الذي بدأ العمل فيه سنة 1975م وافتتح سنة 1981م). وأُطلق اسمه على أحد دفعات الكلية الحربية.

Facebook Comments