أحد أهم تجليات تحولات العقيدة القتالية للجيش المصري هو الحرب على الهوية الإسلامية تحت لافتة ما تسمى بالحرب على الإرهاب، وهو توجه يقوده الدكتاتور عبدالفتاح السيسي منذ انقلابه في يوليو 2013م واغتصاب الحكم بقوة الجيش، يبرهن على ذلك  المذابح الجماعية الوحشية التي نفذتها قوات بالجيش ضد المصريين خلال ثورة يناير 2011م فلأول مرة يشهر الجيش سلاحه في صدور مصريين منذ أكثر من 50 سنة، وهو التحول الخطير الذي تجلى بوضوح أكبر في مرحلة انقلاب 03 يوليو 2013م وما تلاه من مذابح مروعة. يبرهن على ذلك أيضا  أن السيسي في أول حوار صحفي له مع الواشنطن بوست، بعد مرور شهر واحد على انقلابه العسكري، أكد للصحفية (ليلي ويموث) أنه ما قدم إلى الحكم إلا لإجهاض المشروع الإسلامي الذي أراده الرئيس محمد مرسي، حيث قال نصا: "لو كان الانقلاب عليه لفشله، كنا صبرنا عليه لانتهاء مدته، ولكنه أراد إحياء المشروع الإسلامي والخلافة".

وفي 2014م، وفي لقاء له مع فضائية "العربية" ذات التوجه العلماني قال نصا: "لن يكون في مصر قيادات دينية ولن أسمح بذلك (يقصد في مؤسسات الدولة العليا)، فأنا المسئول عن الأخلاق والقيم والمبادئ"، ثم أكمل قائلا: "والدين أيضا". وأوضح الهدف من هذه التصريحات خلال الندوة التثقيفية رقم 24 التي نظمتها القوات المسلحة عن خطر الإرهاب  تحت عنوان "مجابهة الإرهاب- إرادة أمة"، وبدأت بفيلم تسجيلي تحت عنوان "حرب وجود"، في فبراير 2017م، عندما شدَّد السيسي أنه لن يسمح لأي شخص متدين بأن يتبوأ أي منصب داخل الجيش أو الشرطة، وأنه يطرد كل من له توجهات دينية من الجيش أو الشرطة. وفي 2017م كان السيسي أكثر وضوحا في التعبير عن عدائه لكل ما هو إسلامي حين  صرَّح لشبكة "فوكس نيوز" الأمريكية (المعروفة بتوجهاتها المتطرفة): أنه لا مكان للدين في الحياة السياسية بعهده.

لكن المثل الأكثر وضوحا على عداء السيسي للإسلام وتوريط المؤسسة العسكرية في هذا العداء عندما أجرى الجيش مناورات تدريبية يوم الأربعاء 20 يوليو 2016م خلال حفل تخرج دفعة جديدة من طلبة الكلية الجوية، وكانت الصدمة المدوية أن  التدريب الأساسي لهؤلاء الطلاب المتخرجين حديثا من القوات الجوية  هو استهداف مجسم لمسجد بكامل تفاصيله! وحين أبدى المسلمون استياءهم من هذه "الإهانة الصادمة" لم يكترث رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي وقادة الجيش الذين كانوا شهودا على الجريمة؛ ولم يقدم نظام الانقلاب ولا المؤسسة العسكرية المصرية اعتذارا عن هذه الإساءة وتلك الجريمة حتى اليوم،  لكن الرسالة كانت قد وصلت في تأكيد على أن الانقلاب قد طال كل شيء في البلاد فهو انقلاب على الإسلام بدعوى الحرب على الإرهاب، بذات القدر الذي مثل فيه انقلابا على المسار السياسي الديمقراطي الذي أنتجته ثورة يناير 2011م.

واتضحت تفاصيل أكثر عن هذه التحولات في العقيدة القتالية للجيش خلال سنة 2020م، عندما شن الجيش بأوامر وتوجيهات مباشرة من السيسي حربا ضد مئات المساجد بدعوى أنها بنيت بالمخالفة للقانون، وشوهدت لوادر الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وهي تدمر عشرات المآذن والقباب رغم أن السيسي سن قبل ذلك بسنوات القانون رقم 80 لسنة 2016م من أجل تقنين الكنائس المخالفة؛ فلماذا لا يتم التعامل مع المساجد المخالفة كما يجري مع الكنائس المخالفة؟ لماذا تهدم المساجد وتقنن الكنائس؟ لماذا هذا الاضطهاد الديني ضد المسلمين في بلد يفترض أنه مسلم وينص دستوره على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع؟!

تحولات العقيدة القتالية للجيش باستبعاد إسرائيل كعدو أصيل واعتبار الحركات الإسلامية والثورية هي التهديد الأكبر للدولة المصرية يتزامن مع انقلاب أكبر يتعلق بتغيير  هوية المجتمع ذاته؛ وفي يوليو 2018 كلف زعيم الانقلاب القوات المسلحة بتنبي ما أسماه بمشروع “الهوية المصرية”  الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بالتحولات الكبرى في عقيدة الجيش القتالية. وهو الانقلاب الذي يجري في هدوء على الهوية المصبوغة بالعروبة والإسلام داخل المجتمع المصري؛ ليكون متصالحا مع مفاهيم التطبيع والقبول بالتعايش مع الاحتلال تحت لافتة "السلام"؛ ولتشكيل أجيال جديدة لا تستمد قيمها من الإسلام ولا مبادئه وأفكاره، وهو ما يمثل مكسبا كبيرا للاحتلال  في إطار تشكيل ما يسمى بالشرق الاوسط الكبير. خطورة الموضوع دفعت «مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي» إلى إصدار دراسة في 28 يناير 2019م، أعدها الباحثان عوفر فنتور وأساف شيلوح، بعنوان «هوية مصر في عهد السيسي: السمات المميزة للإنسان المصري الجديد»، يشيدان فيه بهذه الخطوات غير المسبوقة؛ حيث تناولت الدراسة مظاهر ومآلات الحملة الواسعة التي يشنها نظام السيسي من أجل إعادة صياغة الهوية الوطنية لمصر؛ من خلال السعي أولا  لتقليص مركّبها الإسلامي والعربي، وثانيا احتواء سماتها الثورية، وثالثا العمل على بناء جيل مصري جديد يكون أكثر استعداداً للاصطفاف حول الأجندة التي يفرضها النظام، إلى جانب أنها ترمي رابعا إلى تحسين صورة النظام في الخارج.

من جهة ثالثة، فإن السيسي دمر العقيدة القتالية للجيش الذي يتباهي باستمرار أنه يحمي مصر وأرضها، لكن السيسي ورط الجيش في التفريط في سيادة مصر على جزيرتي "تيران وصنافير" في اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، وانتزع السيسي من المؤسسة العسكرية تأييدا لهذه الخطوة المشينة من خلال صمت قادتها ومجلسها العسكري. لكن الاعتراضات جاءت من قيادات على المعاش. وفور التصديق على الاتفاقية في 14 يونيو 2017م، قال الفريق سامي عنان: "ليس من المهم الآن إثبات مصرية تيران وصنافير فمصريتهما ليس مشكوك فيها.. ولكن المشكوك فيه هو مصرية من يعارضون مصرية الجزيرتين". وحتى الفريق أحمد شفيق رئيس الوزراء والمرشح الرئاسي السابق والقائد السابق للقوات الجوية، فأكد أيضا مصرية تيران وصنافير، وحذر من مغبة التفريط في التراب الوطني بهذه الطريقة. أما الفريق مجدي حتاتة، رئيس أركان القوات المسلحة وقائد الحرس الجمهوري سابقا، أكد أن "جزيرتي تيران وصنافير" مصريتان، وقال: "أبدا لم تكن ولن تكون إلا مصرية، حقيقة عرفتها كمقاتل وتأكدت منها كقائد، تيران وصنافير مصرية.. عاشت مصر حرة مستقلة".

هذه التحولات الضخمة التي بدأت مع اتفاقية كامب ديفيد سنة 1979م، وصلت بعد انقلاب 3 يوليو 2013م إلى حدود غير مسبوقة من التعاون والتنسيق الأمني بل التحالف الإستراتيجي بين القاهرة وتل أبيب؛ وصولا إلى اشتراك القوات الجوية المصرية مع نظيرتها الإسرائيلية في مناورات مشتركة، بالتزامن مع ذكرى انتصارات أكتوبر 2017م. وهو ما دفع  معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في تقدير موقف له في 2018م  أعده رئيس المعهد الميجر جنرال احتياط عاموس يدلين إلى الرئيس الإسرائيلي إلى استبعاد مصر من التهديدات التي تواجه إسرائيل.

Facebook Comments