أبدى محللون  تخوفهم من تخلي الكثير من الموهوبيين الرياضيين عن جنسيتهم المصرية، واتجاههم للتجنس بجنسيات أخرى واللعب باسم تلك الدول، ونيل ميداليات عالمية ترفع علم الدول الأخرى في المحافل الدولية، وهو ما يثير استغراب الكثيريين، إلا أن الممارسات التي يواجهها الرياضيون في كثير من الأندية المصرية تكشف عن السر وراء هجرة الكفاءات الرياضية وأيضا العلمية والفنية لخارج مصر، سواء بسبب نقص الإمكانات أو الابتزاز المالي من قبل الأندية لتوفير فرصة حقيقية للنوابغ من الناشئين لممارسة الألعاب.

 

 

ابتزاز الأندية

وتكشف الكثير من الشهادات الحية والتقارير الإعلامية عن ممارسة الابتزاز المالي التي باتت معروفة في معظم الأندية المصرية في الفترة الأخيرة، حيث يخضع الناشئون في رياضات جماعية وفردية لعملية ابتزاز مالي تطالبهم بدفع أموال باهظة لنيل فرصة للعب في الفرق الرياضية بالأندية، تحت سيف الاستثمار أو غيره من الرشى المقنعة.

ومن تلك الحالات، مصطفى عبده، 16 عاما، اللاعب السابق بفريق أشبال نادي أسمنت حلوان، وابن قرية شبرامنت في محافظة الجيزة، بدأ مصطفى شغفه وجنونه بكرة القدم في عامه الثامن، بممارسة اللعبة في الشارع شأنه شأن آلاف الفتيان المصريين. رغم نحافته وقِصر قامته، يتفوق مصطفى على جميع أقرانه في حواري شبرامنت.

و يقول محمد أحمد، مدرب في نادي العمرانية «من أول ما رأيته يلعب في الشارع، قلت عليه سوف يكون موهبة كبيرة في الكورة، اعتنيت به وعرضت عليه اللعب في الأندية بشكل احترافي بدل الشارع».

وفي 2017، بدأ مصطفى مشواره الاحترافي مع كرة القدم في فريق الناشئين بنادي أسمنت حلوان بالدرجة الرابعة، تقدم إلى اختبارات الفريق، وسرعان ما اختاره رئيس قطاع الناشئين بالفريق من بين مئات اللاعبين، انتظم في التدريبات التي تبدأ في التاسعة صباحا ثلاثة أيام أسبوعيا.

أسرة مصطفى مكونة من أربعة أفراد، رب الأسرة يعمل حلاقا ويساعده مصطفى في المحل، بجانب عمله كفني تكييفات، وتتراوح يوميته ما بين 30-35 جنيها ينفق منها 25 جنيها يوميا ذهابا إلى النادي وإيابا منه.

ويبدأ مشوار مصطفى باستقلال سيارة من بيته إلى مترو أنفاق محطة المنيب ومنها إلى محطة حلوان، وأخيرا يستقل أتوبيس نقل جماعي إلى نادي أسمنت حلوان.

رغم الظروف المادية الصعبة، يحاول مصطفى الالتزام بنظام غذائي صارم «لازم آكل قبل التدريب بساعتين وأزود من البروتين زي البيض واللبن وممنوع أكل من الشارع».

التحق مصطفى أولا بالثانوي الصناعي لتوفير أكبر وقت لممارسة كرة القدم والهروب من مصروفات الدروس الخصوصية في الثانوية العامة، متبعا نصيحة والده الذي يعتبره مصطفى أول داعمي حلمه بأن يصبح لاعب كرة قدم «والدي لو فيه تمرين وقت الشغل بيخليني أروح وبينصحني وبيشجعني كتير علشان أكمل في الكورة».

يلعب مصطفى في مركز صانع الألعاب أو خط الوسط المهاجم، واختار هذا المركز تحديدا تيمنا بلاعب النادي الأهلي ومنتخب مصر السابق محمد أبو تريكة «حاسس إنه شبهي ونفس ظروفي المادية، وكمان كان من الجيزة بس الفرق أن على أيامه مكنش اللعب في فريق محتاج فلوس غير دلوقتي».

 

ادفع علشان تلعب 

بعد مرور عام على التحاقه بالفريق، أخبره رئيس قطاع الناشئين بأن "هناك مستثمرا اشترى القطاع، وأنه يطلب من كل لاعب 3000 جنيه كدفعة أولى شرط استمراره في الفريق الموسم المقبل «أول ما سمعت كلمة أني محتاج أدفع فلوس علشان أكون في الفريق الموسم اللي جاي اتصدمت، يوميتي بتروح على فلوس المواصلات ومش هعرف أجيب مبلغ كبير زي ده» يقول مصطفى.

اضطر مصطفى لترك الفريق وبعد مرور شهرين، تقدم إلى اختبارات نادي جولدي في الدرجة الثالثة، واُختير من بين العديد من المتقدمين وبعد مرور ثلاثة أشهر على قيده في الفريق، تكرر الأمر نفسه في النادي الجديد.

أبلغه المدرب أن مستثمرا اشترى القطاع، ويطلب من كل لاعب 5000 جنيه كدفعة أولى، يقول مصطفى «رأيت لاعبين لمجرد أن يملكون المبلغ أكملوا في الفريق، ولاعبين دخلوا حديثا مع أنه ليس عندهم موهبة في الكورة».

 

بيع قطاعات الناشئين 

وتكرر الأمر ذاته مرة ثالثة في نادي القادسية بمحافظة مطروح والذي انضم له في 2018 « كنا أحسن فرقة في القطاع وكنا بنلاعب فِرقا في الدرجة الأولى وبنكسبهم» لكن بعد عام، اشترى مستثمر فريق مواليد 2004. ورفض معظم اللاعبون دفع مقابل مادي ما تسبب في تسريح الفريق بأكمله.

يشار إلى أنه في السنوات الأخيرة، توغل مفهوم «الأندية الاستثمارية» في معظم قطاعات الناشئين لفِرق كرة القدم، المستثمر يشتري من رئيس النادي قطاع الناشئين بالكامل، ويشترط على اللاعب دفع مبلغ مالي كل موسم لقيده في الفريق، والغرض الأساسي في معظم قطاعات الناشئين للأندية هو تحقيق مكاسب مالية سريعة فقط، وفي مقابل هذه المكاسب السريعة، تفقد الكرة المصرية فرص اكتشاف مشاريع مواهب كبيرة قد تصبح مصدرا لأموال طائلة على المستوى البعيد".

 

الأندية تنصب على اللاعبين 

ويعتبر مصدر مسؤول في وزارة الشباب والرياضة، فضّل عدم ذكر اسمه، أن «اتحاد الكرة هو الذي سمح بظاهرة بيع قطاعات الناشئين إلى المستثمرين، بل تسمح لوائحه بذلك، لأن تسجيل اللاعب وحذفه وتسجيل قائمة الفريق يكون من خلاله من الأساس، ويجب على اتحاد الكرة سن لوائح تمنع التصديق على بيع فريق أو قطاع الناشئين أو اللاعبين إلا بموافقة منه، وإذا سمح الاتحاد بذلك الأمر يكون هو المسؤول عن إهدار المواهب في الكرة»

وتنصب الأندية الاستثمارية على اللاعبين وعادة يرحل اللاعب بعد دفع المقابل المادي للقيد في الفريق أو حتى في أحسن الأحوال يكون الدفع سنويا مقابل البقاء في الفريق، واتحاد الكرة لم يصدر قوانين تُجرّم حالات النصب على اللاعبين في الأندية أو حتى يقوم بمراقبة الأندية الاستثمارية بحسب محمود فتحي مدرب بقطاع الناشئين بـ «الهلال».

نتيجة ذلك يرحل موهوبون كثيرون في قطاع الناشئين عن أنديتهم أو لا يُقبلوا في اختبارات الفريق نظرا لأنهم من محدودي الدخل.

 

المال قبل الموهبة 

أما تامر عبد الحميد، لاعب الزمالك ومنتخب مصر السابق، يوضح أن «مَن يمتلك المال فقط هو مَن يلعب ويُقيد في الفريق، حتى وإن كان لا يمتلك الموهبة» ويصف قطاعات الناشئين في مصر بأنها أصبحت مجرد بيزنس، خاصة أن معظم مجالس إدارات الأندية غير مهتمة بتحقيق بطولات قطاع الناشئين لأنها غير مجدية اقتصاديا».

وبسبب عدم وجود جدوى اقتصادية لبطولاتها، تعاني قطاعات الناشئين من حالة مزرية فمعظم فرق الناشئين في الأندية تعاني من عدم وجود ملاعب للتدريب عليها.

وتفضل مجالس إدارات الأندية تحقيق ربح سريع بدلا من توجيه الاهتمام والرعاية وتطوير اللاعبين واكتشاف مواهبهم وتنمية مهاراتهم حتى يُصعدوا من الناشئين إلى الفريق الأول، يحدث هذا الربح السريع عبر بيع قطاع الناشئين لمستثمر وتوجيه المقابل المادي لتوفير دعم مادي للفريق الأول للصعود إلى الدوري الممتاز، حسبما أوضح عيلوي أحمد مدير إداري سابق بـجولدي، ومدرب عام بـالإسماعيلي مطروح.

وبسبب إهمال الدولة دعم الأندية وقطاعات الناشئين تلجأ كثير من الأندية للتبرعات لصالح فرق الناشئين أو الكبار،ما يدمر المواهب الرياضية بمصر.

ففي نادي مثل المقاولون العرب، صاحب التاريخ الكبير في الرياضة بمصر، اشترط النادي لقيد أي لاعب في فرق النادي دفع  مبلغ 30 ألف جنيه.

 

فرق الشركات 

تلك الظاهرة، أدت للعديد من التغيرات التي طالت الكرة المصرية وأنديتها بشكل عام خلال العقود الأخيرة، تزايدت فرق الشركات التي أصبحت تشكل النسبة الأكبر بين فرق الدوري الممتاز في مصر، على حساب الأندية الشعبية والتي اختفت مع صعود الشركات مثل الأوليمبي السكندري والترسانة والمنصورة والسويس ودمياط ودمنهور، ولم يعد في إمكان الأندية الشعبية التي تعاني من أزمات مالية شديدة منافسة الأخرى التابعة للشركات التي لديها رأس مال كبير وترصد ميزانية ضخمة لصالح فريق كرة القدم وتستطيع أن تدفع لجلب لاعبين مميزين، في الموسم الكروي الأخير مثلا، استحوذت فرق الشركات على أكثر من 60٪ من الدوري الممتاز، كما أن الفرق الثلاثة التي تأهلت للموسم الجديد فرق شركات (فاركو وكوكاكولا والشرقية للدخان).

ويلوم البعض اتحاد الكرة على هذا، ويظهر هذا واضحا بالنسبة لهم، في الطريقة التي يوزع بها الاتحاد فرق الشركات على مجموعات دوري القسم الثاني أو الدوري المصري الممتاز «ب»، ليصبح طريقهم للتأهل للدوري الممتاز أسهل ويتكون دوري الدرجة الثانية المصري من ثلاث مجموعات، هي القاهرة وبحري والصعيد، وتتكون كل مجموعة من 12 فريقا تتأهل منها ثلاثة فرق، بينما تهبط ثلاثة أخرى من كل مجموعة إلى القسم الثالث.

ويتحايل اتحاد الكرة  على القوانين لزيادة عدد أندية الشركات في الدوري الممتاز عن طريق ما يُسمى نظام الانتساب، بعض من أندية منطقة الجيزة والقاهرة تلعب في مجموعة الصعيد باعتبارها المجموعة الأسهل، أي ناد من أندية الشركات اتحاد الكرة يريده أن يصعد يلعب في مجموعة الصعيد، والبنك الأهلي على سبيل المثال كان يلعب في منطقة الصعيد، ونفس الأمر مع الشرقية للدخان».

ويخل هذا بمبدأ تكافؤ الفرص، خصوصا مع الفقر المالي الشديد في أندية الصعيد والأندية الجماهيرية، والتي يحصل اللاعبون فيها على مقابل مادي لا يُذكر ويضطر معظمهم للعمل في وظائف مختلفة. 

Facebook Comments