القرارات التي أصدرها الدكتاتور عبدالفتاح السيسي الخميس 22 سبتمبر 2022، والتي تقضي بإنشاء تسع جامعات أهلية جديدة بالمحافظات المختلفة، إنما تكرس سياسات نظامه الرامية إلى تحويل التعليم إلى سلعة؛ وهو ما يهدد أبناء عشرات الملايين من فقراء مصر بالحرمان من هذه النوعية من التعليم العالي، بما يكرس الطبقية ويعمق الفجوات الاجتماعية داخل المجتمع بما يهدد وحدته وتماسكه.

وكان نظام السيسي قد سن (القانون رقم 152 لسنة 2019)، بما يسمح للجامعات الحكومية بتأسيس جامعات أهلية بالشراكة مع جامعات عالمية، بعد تعديلات أجريت على قانون تنظيم الجامعات الصادر بالقانون رقم 49 لسنة 1972، وتضمنت تعديلات القانون أيضاً إضافة المادة رقم 189 وتنص على أن "تتولى الجامعة التصرف في أموالها وإدارتها بنفسها، ويكون لها إنشاء الجامعات الأهلية والمساهمة في إنشائها ودعمها". ولجذب الطلاب إليها، سجلت نسب القبول في الجامعات الأهلية تراجعاً يزيد على 10% للكليات العملية، و25% للكليات النظرية، مقارنة بالجامعات الحكومية، وذلك لإتاحة الأماكن للطلاب الراغبين في الالتحاق بكليات مثل الطب والصيدلة والهندسة، رغم انخفاض درجاتهم الدراسية، نظير سداد رسوم سنوية ضخمة تصل إلى 105 آلاف جنيه للكليات العلمية، بخلاف مصاريف الإقامة للمغتربين البالغة 6 آلاف جنيه شهرياً، في وقت تدعي الحكومة أن هذه الجامعات غير هادفة للربح. توسع الحكومة في إنشاء الجامعات الأهلية في المدن والمناطق الجديدة يتعارض مع المادة 21 من الدستور التي تنص على أن "تكفل الدولة استقلال الجامعات والمجامع العلمية واللغوية، وتوفر التعليم الجامعي وفقاً لمعايير الجودة العالمية، وتعمل على تطوير التعليم الجامعي، وتكفل مجانيته في جامعات الدولة ومعاهدها. وتعمل الدولة على تشجيع إنشاء الجامعات الأهلية التي لا تستهدف الربح، وتلتزم الدولة بضمان جودة التعليم في الجامعات الخاصة والأهلية".

وتنقسم الجامعات في مصر إلى أربعة أنواع:

أولا، هناك الجامعات العامة (27 جامعة حكومية)، وتعاني من عدة أزمات، أبرزها فساد الإدارة؛ حيث تهيمن أجهزة الأمن على اختيار الكوادر الإدارية من أكثر أساتذة الجامعة تزلفا ونفاقا للنظام، بخلاف قانون الجامعات المتخلف حيث تدار الجامعات حاليا بقانون  1971م، وبات غير قادر على وضع الجامعات المصرية على سلم المنافسة مع الجامعات العربية في الخليج فضلا عن الجامعات الأمريكية والأوروبية والتركية والماليزية. وثالث الأزمات هو محدودية الموازنات الخاصة بالجامعات الحكومية، مما يؤدى إلى مرتبات هزيلة لأعضاء هيئة التدريس ومخصصات ضعيفة للبحث العلمى، مما يترتب عليه عدم القدرة على أداء الأدوار الرئيسية المستهدفة من التعليم الجامعى وهى نقل ونشر وتوالد المعرفة من خلال البحث العلمى.

بالتالي أصبحت الجامعات المصرية عاجزة عن توفير مقتضيات الحياة الكريمة للعاملين فيها، مما أسهم فى هجرتهم منها إلى جامعات أجنبية أو عربية، وعزوف كثير من خريجيها الذين أوفدوا للدراسة فى جامعات مرموقة خارج مصر للعودة إلى جامعاتهم الأم. هناك أيضا أزمة المناهج التي لا تواكب العصر في ظل تدني وسائل التدريس وتخلفها. كما تسلل لتلك الجامعات جرثومة التفاوت الطبقى بإنشاء والتوسع فيما يعرف بالبرامج الخاصة مدفوعة الأجر والتي يصل البرنامج الواحد منها إلى 10 آلاف جنيه. ومن الأزمات المؤلمة غياب الحرية الأكاديمية في الجامعات المصرية وذلك لأسباب تعود إلى هيمنة الأجهزة الأمنية على مجمل النشاط الجامعي وحتى البحث العلمي والعمل الأكاديمي؛ ويكفي أن هناك المئات من أساتذة  الجامعات معتقلون في السجون بلا تهم حقيقية لأسباب سياسية بحتة.

ثانيا: الجامعات الخاصة (37): هى مؤسسات استثمارية يتكالب على إقامتها من لديهم رأسمال بهدف الحصول على أرباح ضخمة متوقعة. فالقبول بتلك الجامعات يتطلب سداد مصاريف باهظة لا تقوى عليها الطبقة المتوسطة وفوق المتوسطة أى أنها تكرس للاستقطاب الطبقى فى العملية التعليمية. وبحثًا عن مزيد من الأرباح لا تقوم تلك المؤسسات بالإنفاق على البحث العلمى أو ابتعاث خريجيها أو إعداد أعضاء هيئة التدريس بها. فهى تعتمد أساسًا على أعضاء هيئة التدريس بالجامعات الحكومية، مما يعد استنزافًا للقوى البشرية بها ويتسبب فى المزيد من إضعافها.

ثالثا، الجامعات الأجنبية (7)، التي تأسست باتفاقات دولية، وهي جامعات أنشأتها حكومة بعض الدول من أجل توفير خدمة تعليمية تتسق مع ثقافة وتوجهات الدول المنشئة لها، ولا تتدخل الحكومة المصرية في مناهج هذه الجامعات، مثل الجامعة الأمريكية والجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا، والجامعة العربية المفتوحة، والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، وجامعة اسلسكا، وجامعة برلين الألمانية بالجونة (TU Berlin)، والجامعة الألمانية الدولية بالعاصمة الإدارية الجديدة.

رابعا، الجامعات الحكومة الأهلية! : وهي جامعات تقيمها الحكومة أو الجامعات الحكومية ذات الموارد الضخمة، ويكون التعليم فيها برسوم باهظة تفوق قدرات غالبية المصريين؛ حيث تصل إلى نحو 100 ألف جنيه سنويا بخلاف مصاريف الأنشطة ورسوم الإقامة. وقد شرع نظام السييسي سنة 2020 في إنشاء نحو 10 جامعات أهلية وبدأت الدراسة في ثلاثة منها بالفعل، وهي  ــ بحسب خبراء ومراقبين ـ  تمثل محطة فاصلة من محطات خصخصة التعليم الجامعي وتحويله إلى خدمة بمقابل وليست حقا مجانيا وفق نصوص الدستور، وفي سبتمبر 2022 أصدر السيسي قرارات جمهورية بإنشاء تسع جامعات أهلية جديدة، بما يعني أن النظام حريص على نشر هذه النوعية من التعليم العالي كخطوة على طريق  إلغاء مجانية التعليم.  

Facebook Comments