«الانتخابات الرئاسية مسرحية هابطة».. لماذا يتعامل معها البعض بجدية غير مستحقة؟

- ‎فيتقارير

هناك إجماع بين الساسة والمحللين والخبراء وأهل القانون على أن أي انتخابات تحت سلطة دكتاتورية هي مجرد مسرحية هابطة معلومة النتائج مسبقا، وأن أي رهان على تغيير الأوضاع بناء على صناديق الاقتراع في النظم الاستبدادية هو مجرد وهم كبير يحتاج من يتبناه إلى رعاية طبية حتى يفيق من عالمه الافتراضي. والذين يتعاملون بجدية مع إجراء هابط وعبثي قد يقعون في دائرة التهريج والسذاجة وعدم التعلم من دورس الحاضر والماضي؛ إنهم يضفون طابعا جديا على مسرحية عبثية.
وبناء على هذه الحقيقة فإن الرهان على ما تسمى الانتخابات الرئاسية المقررة في ديسمبر المقبل “2023” هو شيء من الهذيان وعدم إدراك الواقع كما هو؛ لأن هذه الانتخابات مصممة من الألف إلى الياء في غرف ودهاليز المخابرات، وقد وضعت الأجهزة سيناريو كل خطوة ومحطة فيها حتى تنتهي في ديسمبر بإعلان تنصيب الجنرال لولاية رئاسية ثالثة حتى منتصف 2030م. وبالتالي فإن المعارضين الجادين حين يشاركون في هذا الإجراء المزيف إنما يوفرون للسيسي غطاء ممتازا لإجراء مزيف وانتخابات مزورة من بدايتها إلى نهايتها؛ فالسيسي هو من يحدد منافسيه، وهو من يحدد القضاة المشرفين عليها، والأجهزة الأمنية التي تتحكم فيها، كما يتحكم في جميع وسائل الإعلام والشارع، وقد أعدت أجهزته سيناريو مرعب لإجبار الموظفين الحكوميين والمستفيدين من برنامج “تكافل وكرامة” والجمعيات الخيرية على عمل توكيلات للجنرال، وتم وضع خطة واضحة لإكراههم جميعا على انتخابات الجنرال وتهديدهم بالفصل إذا كانوا موظفين، وقطع المساعدات عنهم إذا كانوا منتفعين من برامج المساعدات والمنظمات الخيرية.

أين الضمانات؟
يعترف بهذه الحقيقة المرة الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة والمقرر المساعد للمحور السياسي بما يسمى الحوار الوطني، مؤكدا أن الانتخابات يمكن أن يكون لها تأثير إذا ما كانت نزيهة مفتوحة للجميع، مشيرا إلى أنها تستلزم توفر عدد من الضمانات. وراح السيد يناقش هذه الضمانات ومدى توافرها في المسرحية المقبلة، موضحا في مداخلة على برنامج “المسائية” على الجزيرة مباشر مساء الثلاثاء 26 سبتمبر 2023م، أن أول هذه الضمانات هو “حياد أجهزة الدولة”، لكنه يستبعد توافر هذا الشرط مضيفا: «إنه شرط صعب على الدولة المصرية”، أما الضمانة الثانية فهي “تحقق فرص متكافئة لكل المرشحين عبر وسائل الإعلام”، ثم سهولة الوصول إلى مكاتب التوثيق “الشهر العقاري”. ويستعبد أستاذ العلوم السياسية “توفر هذه الشروط في مسرحية الرئاسة المصرية». ويستدل على ذلك بما يظهر عبر تعاطي وسائل الإعلام مع المرشحين”، وأعطى مثالا على ذلك بـ”تجاهل المرشح المحتمل أحمد الطنطاوي بشكل تام”.

استدعاء الجيش!
وكمن يستجير من اللهيب بالنار، ووسط مؤشرات عديدة على سخافة المشهد وعبثية الأوضاع، واليقين بأن الانتخابات ما هي إلا مسرحية هابطة معلومة النتائج مسبقا، استدعى رئيس حزب “الإصلاح” محمد أنور السادات الجيش للمشهد السياسي الداخلي، داعيا إياه الأربعاء (27 سبتمبر 2023)، عبر بيان لافت للإشراف على الانتخابات الرئاسية، معربا عن مخاوفه من أن “تلحق بمصر عدوى الانقسام والانهيار المحيط بها إقليميا”. وأضاف أن “مصر أصبحت قاب قوسين أو أدنى من هذا السيناريو لأسباب عدة، منها انسداد شرايين الحياة السياسية، وتردي الأوضاع الاقتصادية، وانعدام القدرة على تقديم حلول وسياسات بديلة لتلك القائمة حالياً، والتي يلمسها ويعاني من آثارها الكارثية جميع أطياف وفئات الشعب المصري”. وبدأ السادات بيانه بكلمة “نداء إلى القوات المسلحة المصرية”، وطالب الجيش بضمان إجراء الانتخابات بشكل نزيه، مذكرا بدوره بانتخابات الرئاسة عام 2012، التي جاءت بأول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا (الراحل محمد مرسي). وقال: “أهيب بالقوات المسلحة صيانة النظام الديمقراطي طبقا للمادة 200 من الدستور المصري”. وضمن التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان في أبريل عام 2019، تضمنت (المادة 200)، إضافة تقول؛ إنه على الجيش “صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد».
وتؤكد غالبية الأدلة والمؤشرات على أن السيسي قد أمسك كل خيوط القوة في البلد بيد من فولاذ، وإذا كان هناك جناح داخل السلطة رافض لاستمرار السيسي فإنه جناح لا يقدر على الإعلان عن نفسه، وإذا كان له دورــ وهو احتمال قائم لكنه ضعيف ـ فسيكون مفاجئا وخاطفا وحاسما، وليس في صورة انتخابات وخلافه.

“7” كومبارس
تنص شروط «الهيئة الوطنية للانتخابات» وفقًا لقانون مباشرة الحقوق السياسية، على أن يزكي المترشح لرئاسة الجمهورية 20 عضوًا على الأقل من أعضاء مجلس النواب، أو أن يؤيده ما لا يقل عن 25 ألف مواطن ممن لهم حق الانتخاب في 15 محافظة على الأقل، وبحد أدنى 1000 من كل محافظة منها، وفي جميع الأحوال لا يجوز تأييد أكثر من مترشح.
ويسعى المرشحون لتحرير التوكيلات قبل انتهاء المدة المحددة، والتي بدأ العمل بها الثلاثاء الماضي، وتستمر لمدة 10 أيام فقط، على أن تتلقى “الهيئة الوطنية للانتخابات” طلبات الترشح من 5 إلى 14 أكتوبر “2023”م.
وحصل ثلاثة “كومبارس” على تزكية العدد المطلوب من نواب البرلمان، وقد أعلن رئيس حزب الشعب الجمهوري، حازم عمر، على تزكية 44 نائبًا من أعضاء مجلس النواب، فيما حصل كل من رئيس حزب الوفد، عبد السند يمامة، ورئيس الحزب المصري الديمقراطي، فريد زهران، على تزكية 20 نائبًا من أعضاء المجلس، لاستيفاء أولى خطوات إجراءات ترشحهم لمنافسة مرشح الدولة في مسرحية الرئاسة. فيما يعتمد كل من أحمد الطنطاوي رئيس حزب الكرامة السابق والسيدة جميلة إسماعيل رئيس حزب الدستور، على جمع 25 ألف توكيل من 15 محافظة في محاولة للحاق بقطار مسرحية الرئاسة. بخلاف كل من القيادي الوفدي فؤاد بداروي ورئيس جمعية الشبان المسلمين أحمد الفضالي.
وفي مواجهة حالة التعنت التي تتعرض لها الحملة الرئاسية للمرشح أحمد طنطاوي واعتقال نحو 73 من عناصرها، أعلن ـ السبت 30 سبتمبر ـ حزبا الكرامة والتحالف الشعبي الاشتراكي تأييدهما لطنطاوي من أجل ضمان تحقيق النصاب القانوني الخاص بالتوكيلات لترشحه في السباق.

التزوير بدأ بالفعل
وحسب محللين ومراقبين فإن تزوير الانتخابات الرئاسية قد بدأ بالفعل؛ وأن أجهزة السيسي الأمنية أعدت سيناريو المسرحية من الألف إلى الياء؛ وفي سبيل ذلك تم تعيين قاض مشبوه على رأس الهيئة الوطنية للانتخابات حين أصدر السيسي في 20 يونيو 2023م قرارا بتعين نائب رئيس محكمة النقض المستشار وليد حمزة رئيسا للهيئة، من أجل التحكم الصارم في سيناريو مسرحية الانتخابات. فحمزة المحسوب على تيار المستشار أحمد الزند، هو مهندس مسرحية الرئاسة في 2014م، حين كان يتولى الأمانة العامة للجنة القضائية المشرفة على الانتخابات التي حل فيها الناشط حمدين صباحي ثالثا بعد الأصوات الباطلة. وكان حمزة المسيطر على جميع القرارات الخاصة باللجنة، كما كان حلقة الوصل بين اللجنة مع جميع الجهات الأخرى المشاركة في العملية الانتخابية، من الأجهزة المخابراتية والعسكرية والأمنية والقضائية، متولياً مهمة التنسيق معها. كما زاد السيسي مخصصات الهيئة بنسبة 1600% عما كانت عليه في 2018م. حيث ارتفعت من 7 ملايين جنيه إلى “120” مليونا، والتي تصرف كمكافآت لقضاة الهيئة رغم أنهم يتلقون مرتبانهم أصلا من الجهات والهيئات القضائية المنتدبين منها.
وكانت ورقة بحثية أعدها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان نشرها في مايو 2023م، انتهت إلى أن الانتخابات الرئاسية، التي من المقرر أن تشهدها مصر بنهاية عام (2023) «من المستحيل أن تتسم بالحرية والنزاهة». وأرجع المركز موقفه هذا إلى ما أسماه بـ«ترسانة التشريعات القمعية، والبناء المؤسسي الذي يجمع كل موارد الدولة وهيئاتها في قبضة الرئيس، ورفض السلطات الممتد لأكثر من 10 سنوات لجميع أشكال المعارضة والانتقاد». وأضافت: «وحتى الحوار الوطني، الذي ينطلق بعد مرور أكثر من عام على إعلانه، لن ينعكس إيجابًا على الانتخابات المقبلة»، حسبما قال المركز، مضيفًا: «الأطر القانونية والسياسية القائمة تصادر الحريات السياسية، ولا تلبي المعايير الدنيا لضمان الإشراف المحايد على الانتخابات. هذا بالإضافة لما أسفرت عنه التعديلات الدستورية في 2019 من مصادرة تامة للاشتراطات الأساسية لعقد انتخابات رئاسية حرة ونزيهة، بما في ذلك تآكل مبدأ الفصل بين السلطات، ومصادرة استقلال المؤسسات وخاصة القضائية، فضلًا عن تقنين تدخل المؤسسة العسكرية في العملية السياسية».
وحول «توجيهات» السيسي للحكومة وأجهزة الدولة في مارس 2023 بفحص مقترح من أمانة الحوار الوطني حول تمديد أجل الإشراف القضائي على الانتخابات، والذي كان من المقرر أن ينتهي قبل الانتخابات المقبلة». قال المركز في هذا السياق إن الرقابة القضائية على الانتخابات الرئاسية أصبحت لا يعول عليها، فيما يتعلق بضمان نزاهة الانتخابات الرئاسية بعد عشر سنوات من السيطرة والقمع، تمددت فيها هيمنة الرئيس على مؤسسات الدولة وعلى القضاء، مضيفًا: «بينما يعد الإشراف القضائي المستقل على الانتخابات، ومراقبة المجتمع المدني المستقل لمجرياتها، خطوات مرحب بها في الظروف العادية؛ إلا أن الإصلاح الجذري هو وحده القادر على إضفاء الشرعية على الانتخابات الرئاسية المصرية 2023».