في خطوة تعكس تصاعد أزمة الطاقة في مصر، بدأت حكومة الانقلاب ،تطبيق قرار الغلق المبكر للمحال التجارية والمراكز الصناعية عند التاسعة مساءً، ضمن إجراءات وصفت بأنها "ترشيدية"، لكنها في الواقع تكشف عن مسار متكرر لتحميل الاقتصاد المحلي كلفة اختلالات أعمق في إدارة ملف الطاقة.
قرار يزيد الركود ويهدد فرص العمل
القرار، الذي جاء تحت ضغط ارتفاع كلفة المحروقات واضطرابات الإمدادات، لم يراعِ طبيعة السوق المصرية التي تعتمد بشكل رئيسي على النشاط المسائي، حيث تمثل الفترة من السابعة مساءً حتى منتصف الليل ذروة حركة البيع.
وبحسب تقديرات سوقية، فإن تقليص ساعات العمل قد يؤدي إلى خسارة تتراوح بين 30% و50% من الإيرادات اليومية، ما يضع آلاف المشروعات الصغيرة والمتوسطة أمام خيارين أحلاهما مرّ: تقليص العمالة أو الإغلاق الجزئي، وهو ما يعني عمليًا دفع مزيد من الشباب نحو البطالة في وقت يعاني فيه الاقتصاد من ضغوط متراكمة.
أصحاب المحال يؤكدون أن القرار لا يستهدف سوى الحلقة الأضعف، إذ يتم التضييق على الأنشطة الإنتاجية والتجارية، بينما تظل بدائل ترشيد الاستهلاك الكبرى غائبة، مثل مراجعة إنفاق المشروعات كثيفة الطاقة أو تحسين كفاءة الإدارة الحكومية للموارد.
سياسات تقليدية تعكس غياب البدائل
اللافت أن الحكومة لجأت مجددًا إلى ما يمكن وصفه بـ"الترشيد القسري"، وهو نفس النهج الذي طُبق خلال أزمات سابقة، دون طرح حلول هيكلية مستدامة، مثل التوسع في الطاقة البديلة، أو تحسين كفاءة شبكات التوزيع، أو إعادة هيكلة أولويات الاستهلاك.
ويرى اقتصاديون أن هذه السياسات تعكس غياب رؤية متكاملة لإدارة الأزمة، حيث يتم اللجوء إلى حلول سريعة على حساب النشاط الاقتصادي، بدلًا من البحث عن أدوات تقلل الفاقد وتعزز الإنتاج.
كما أن استمرار رفع أسعار المحروقات والكهرباء، بالتوازي مع فرض قيود على التشغيل، يخلق بيئة طاردة للاستثمار، ويزيد من تكلفة الإنتاج، ما ينعكس سلبًا على تنافسية الاقتصاد المصري إقليميًا.
استثناء السياحة لا يخفف التداعيات
ورغم استثناء المنشآت السياحية من قرار الإغلاق، فإن التأثيرات غير المباشرة تبقى قائمة، في ظل تغيّر نمط الحياة اليومية وإغلاق الخدمات المساندة مبكرًا، ما قد يؤثر على تجربة السائح ويضعف جاذبية الوجهة المصرية، خاصة مع تراجع أعداد الزائرين وارتفاع تكلفة السفر.
أزمة إدارة لا أزمة طاقة فقط
في المحصلة، يكشف قرار الغلق المبكر عن أزمة أعمق من مجرد نقص في الطاقة، إذ يعكس استمرار الاعتماد على أدوات تقليدية تُحمّل المواطن والقطاع الخاص كلفة الأزمات، دون معالجة جذورها.
ومع غياب حلول بديلة حقيقية، يبدو أن السوق المصرية مقبلة على موجة جديدة من الركود، قد تتسع معها دائرة البطالة، في ظل سياسات تُدار برد الفعل لا بالتخطيط، وتُعيد إنتاج نفس الأزمات مع كل صدمة اقتصادية جديدة.