الأزمة أعمق من الحرب ..مدبولي يلوّح بسيناريوهات أسوأ ويبدأ تقشفًا جديدًا على حساب المواطنين
ديون متراكمة ودولار شحيح قبل اشتعال المنطقة
الحرب شماعة جديدة أم نتيجة طبيعية لسنوات الفشل؟
في وقت تواصل فيه حكومة المنقلب السيسى، الترويج لتداعيات الحرب على إيران باعتبارها السبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية الحالية، تكشف المؤشرات والوقائع أن ما يحدث ليس سوى فصل جديد من أزمة ممتدة، تعود جذورها إلى سياسات اقتصادية وُصفت على نطاق واسع بأنها قائمة على التوسع في الإنفاق غير المنتج وتجاهل أولويات الاقتصاد الحقيقي.
تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، يموم السبت الماضى، و التي أعلن فيها إبطاء تنفيذ المشروعات الكبرى وترشيد استهلاك الوقود، تعكس بوضوح أن الحكومة تتحرك تحت ضغط أزمة متفاقمة، لكنها في الوقت نفسه تطرح تساؤلات جوهرية: هل الحرب هي السبب الفعلي، أم مجرد مبرر جاهز لتحميلها مسؤولية أزمات سبقتها بسنوات؟
أزمات سابقة على الحرب
قبل اندلاع الحرب في المنطقة، كانت مصر تواجه بالفعل تحديات اقتصادية حادة، أبرزها أزمة نقص الدولار، وارتفاع غير مسبوق في الدين الخارجي، فضلاً عن صعوبات متزايدة في سداد أقساط الديون. هذه المؤشرات لم تكن وليدة اللحظة، بل تراكمت نتيجة سياسات توسعية اعتمدت على الاقتراض المكثف لتمويل مشروعات ضخمة، لم تُترجم إلى عوائد إنتاجية كافية تدعم الاقتصاد أو توفر العملة الصعبة.
ومع اندلاع الحرب، وجدت الحكومة في ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الإمدادات فرصة لإعادة تقديم الأزمة باعتبارها "ظرفًا طارئًا"، رغم أن الأرقام تشير إلى أن الاختلالات المالية كانت قائمة بالفعل.
تقشف جديد بغطاء "الترشيد"
الإجراءات التي أعلنتها الحكومة، مثل خفض استهلاك الوقود، وإبطاء المشروعات، وتطبيق العمل عن بعد، وتشديد مواعيد غلق المحال، تبدو في جوهرها إجراءات تقشفية مباشرة يتحمل تكلفتها المواطن والقطاع الخاص.
كما أن فرض غرامات مرتفعة على المحال التجارية، قد تصل إلى عشرات الآلاف من الجنيهات، يثير مخاوف من موجة جديدة من إغلاق الأنشطة الصغيرة، وهو ما قد يفاقم أزمة البطالة ويضغط على الاقتصاد المحلي، بدلاً من معالجته.
تضاعف فاتورة الطاقة.. لكن لماذا؟
صحيح أن فاتورة استيراد الطاقة تضاعفت تقريبًا خلال شهرين، وهو ما يمثل ضغطًا حقيقيًا، إلا أن السؤال الأهم يظل: لماذا تعتمد مصر بهذا الشكل الكبير على الاستيراد، رغم سنوات من الإنفاق الضخم على مشروعات الطاقة؟
يرى مراقبون أن غياب التخطيط طويل الأجل، وتوجيه الموارد إلى مشروعات لا ترتبط مباشرة بالإنتاج أو التصدير، ساهم في إبقاء الاقتصاد هشًا أمام أي صدمة خارجية، مثل الحرب الحالية.
شماعة الحرب أم نتيجة السياسات؟
الخطاب الحكومي يركز على "عدم وضوح أفق الأزمة" و"صعوبة التنبؤ بالمستقبل"، لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن الاقتصاد القوي هو القادر على امتصاص الصدمات، وليس الانهيار عند أول اختبار.
وبينما تدعو الحكومة المواطنين إلى "التكاتف" وتحمل الأعباء، يتصاعد الجدل حول جدوى السياسات التي أدت إلى هذا الوضع، وما إذا كانت الحرب مجرد شماعة جديدة لتبرير إخفاقات قديمة، أم أنها بالفعل أزمة طارئة كشفت هشاشة بنية اقتصادية لم تُعالج اختلالاتها منذ سنوات.
في المحصلة، تبدو الأزمة الحالية مزيجًا من عاملين: صدمة خارجية زادت من حدة الضغوط، وأزمة داخلية مزمنة ظلت تتفاقم حتى وجدت في الحرب غطاءً مناسبًا لتبرير تداعياتها.