تقرير دولي يؤكد.. عاصمة السيسي ديون يتحملها المواطن ومكاسب يجنيها الجيش

- ‎فيتقارير

نشرت صحيفة " إيكونيميست" تقريرا موسعا حول مشروع العاصمة الإدارية الجديد واستعرضت الصحيفة التحولات السياسية والجغرافية والاجتماعية تحت قيادة رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي.

 ووصفت الصحيفة المشروع بانه ذو ابعاد فرعونية يهدف الي إعادة صياغة الهوية المصرية، ونقل مراكز الثروة والقوة الي الصحراء، حيث تضم معالم ضخمة مثل مبني"الأوكتاجون" العسكري الذي يفوق حجم " البنتاجون" بعشر مرات والبرج الأيقوني الذي يعد أطول مبنى في افريقيا.

وقال التقرير ان هذا الطموح العمراني يواجه تحديات اقتصادية خانقة، ضاعفت الديون الخارجية على مصر بمقدار أربعة اضعاف، وأصبحت الدولة مطالبة بسداد أكثر من 60% من الموازنة العامة للدولة بسبب الديون الخارجية.

وكشف التقرير عن الدور المحوري للقوات المسلحة في السيطرة على الأراضي والمشاريع عبر كيانات مثل شركة " العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية"، وسط تشكيك في ادعاء الدولة بان المشروع لم يكلف الموازنة العامة "مليما واحدا" وتحذيرات من تحول المشروع الي "فقاعة عقارية" تعتمد بشكل كلي على استمرار تدفق أموال الخليج.

من الخديو الي عبد الناصر ثم الانقلاب علي الرئيس مرسي

وتتبع التقرير مسار تسلسل التاريخ المصري الحديث، من الخديو إسماعيل الذي بنى "وسط البلد القاهرة الخديوية" في نهاية القرن التاسع عشر على غرار باريس، إلى النصب التذكارية القومية لجمال عبد الناصر، الذي أطاح بالملك والمستعمرين البريطانيين في انقلاب عام 1952

وتطرق التقرير الي اعتقال الرئيس الراحل محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، أول رئيس مصري منتخب ديمقراطياً، بعد عام من توليه السلطة، مع استعادة الجيش للسيطرةعلى الحكم. حيث قام جنرال آخر، وهو عبد الفتاح السيسي بالانقلاب عليه، وخلع بزته العسكرية "وارتداء الملابس المدنية ليصبح رئيساً في عام 2014".
 

حركة المواطنين مراقبة بالذكاء الاصطناعي علي مدار الساعة

 وأشار التقرير إلى الجانب التقني للعاصمة التي تُروج لها سلطات الانقلاب، "كمدينة ذكية"، حيث من المقرر أن تدير 6000 كاميرا مراقبة منسقة بواسطة الذكاء الاصطناعي حركة المرور وتراقب حركة المواطنين بشكل دائم.

وحسب مراقبين يُنظر إلى هذا التوجه، كجزء من استراتيجية الدولة لنقل مؤسسات الحكم بعيداً عن مركز القاهرة المزدحم، لضمان حماية الحكومة من أي احتجاجات شعبية مستقبلية قد تهدد السلطة كما حدث في "ميدان التحرير" عام 2011.

رفاهية التخطيط وبؤس الواقع

وألقي التقرير الضوء على الفجوة الصارخة بين الرفاهية المخطط لها والواقع المعيشي؛ فبينما تمتلئ لوحات الإعلانات بصور المجمعات السكنية الفاخرة وملاعب الجولف، في مجتمع لا يتجاوز متوسط الأجر الشهري فيه 200 دولار، وفي ظل أزمة تضخم بلغت ذروتها عند 38 %.

 وسجل التقرير شهادات لعمال بناء يشاركون في تشييد هذه المعالم، لكنهم يؤكدون أنهم يفضلون البقاء في أحيائهم القديمة "المفعمة بالحياة" بدلاً من هذه المدينة التي يرونها مجرد واجهة تهدف لتحسين صورة البلاد عالمياً.

المكاسب للجيش والديون علي عاتق الشعب
 

وتطرق التقرير الي الآلية المالية التي تضمن مكاسب كبرى للمؤسسة العسكرية؛ إذ تتقاضى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة "رسوم إدارة" تصل إلى 35% من قيمة عقود المقاولات، بينما تتدفق أرباح مبيعات الأراضي الصحراوية إلى حسابات شركة العاصمة الإدارية المملوكة في أغلبيتها لوزارة الدفاع، يتيح هذا النموذج للجيش تراكم الأرباح دون تحمل مخاطر مالية حقيقية، حيث تقع أعباء القروض والديون المرتبطة بالمشروع على عاتق وزارة الإسكان والبنك المركزي والبنوك الحكومية.

يرصد التقرير تحديات استدامة الحياة في العاصمة الجديدة، مبيناً أنها تعتمد كلياً على ضخ المياه من نهر النيل الذي يبعد عنها 45 كيلومتراً، وهو ما يتنافى مع المنطق الجغرافي التاريخي لبناء المدن.
 

مدينة أشباح مرهونة ببقاء نظام الانقلاب
 

كما يصف التقرير العاصمة بأنها لا تزال "مدينة شبح"؛ حيث لم يتجاوز عدد العائلات المقيمة فيها حتى صيف 2025 نحو 5000 عائلة، وسط شوارع مقفرة ليلاً ومرافق عامة تفتقر للخدمات الأساسية والخصوصية التي يفضلها الموظفون والدبلوماسيون الذين ما زالوا يترددون في الانتقال إليها.

وعلى صعيد المؤسسات التعليمية والثقافية، يشير التقرير إلى أن العاصمة الجديدة بدأت بالفعل في استقطاب فروع لجامعات دولية، مثل الجامعة الألمانية الدولية، وجامعة هيرتفوردشاير البريطانية، والجامعة الكندية في مصر، حيث يتم نقل آلاف الطلاب يومياً بالحافلات بانتظار اكتمال السكن الجامعي.

كما تضم المدينة حيّاً ثقافياً يشتمل على دار أوبرا ومتحف مخصص لتاريخ العواصم المصرية عبر العصور، إلا أن بعض الدبلوماسيين يشككون في جدوى هذه المنشآت الضخمة؛ حيث تُنقل بانتظام أجهزة بيانو فاخرة لدار الأوبرا التي لم تستضف سوى عدد قليل من الحفلات حتى الآن.

يرصد التقرير ظاهرة "الاستثمار الجزئي" التي بدأت تظهر كحل للمصريين في الخارج والطبقة المتوسطة غير القادرة على شراء عقارات كاملة؛ حيث تتيح منصات رقمية مثل "فريدة" للمستثمرين شراء حصص في عقارات فاخرة بمبالغ تبدأ من 200 دولار فقط، رغم أن هؤلاء المستثمرين قد لا يتمكنون أبداً من العيش في هذه العقارات، إلا أنهم يرونها وسيلة لحماية مدخراتهم من تآكل قيمة العملة المحلية وتضخم الأسعار وانعدام أدوات الاستثمار الأمنة.
 

صدمة وإحباط للموظفين

ورصد التقرير حالة من الإحباط بين الموظفين الذين أُجبروا على الانتقال للعمل في العاصمة الجديدة؛ حيث تضاعفت مدة تنقلهم اليومي، ويشكون من افتقار المكاتب الجديدة ذات التصميم المفتوح للخصوصية، واصفين إياها بأنها "أمريكية أكثر من اللازم."

وبالرغم من فخامة التصميمات الداخلية، يفتقد هؤلاء الموظفون المرافق الأساسية والمقاهي الشعبية التي كانت تميز مقار عملهم القديمة في وسط القاهرة.

وفي النهاية اكد التقرير أن استمرار هذا المشروع يعتمد بشكل حيوي على التدفقات المالية الضخمة من دول الخليج، مثل صفقة "رأس الحكمة" مع الإمارات بقيمة 35 مليار دولار، وصفقة قطرية أخرى بقيمة 29 مليار دولار.

ويرى محللون أن العاصمة الإدارية الجديد أصبحت مشروعاً يرتبط ارتباطا مباشرا باستقرار النظام العسكري القائم حاليا، فالمشروع يحتاج لضخ مستمر للأموال لضمان بقاء العمل مستمرا.