أين حمرة الخجل؟ اليوم، وبعد أن أصبحت علاقات الانقلاب مع تركيا وقطر في أفضل حالاتها منذ عقد كامل، يلتقي السيسي بالرئيس التركي أردوغان وأمير قطر تميم بن حمد بابتسامات، وعلاقات اقتصادية وسياسية، وتبادل سفراء، وترحيب إعلامي، وسيارات كهربائية هدايا، وبيع علم الروم، وفنادق وشركات وشراكات، إلى أن السؤال لا يطالب إلا بالمنطق: إذا تغيّر الواقع السياسي، فمن الطبيعي أن يُعاد النظر في القضايا التي بُنيت على واقع لم يعد موجودًا.
وحتى اللحظة، لا توجد مؤشرات رسمية على مراجعة هذه القضايا، لكن المستمر فعليًا ليس التقارب، بل التقسيم الداخلي الواقع في البلاد منذ التعامل الدموي من عصابة الانقلاب في يوليو وأغسطس 2013.
أحكام الإعدام والمؤبد بتهمة "التخابر مع تركيا"
وفي السنوات الأخيرة، شهدت السياسة الخارجية للانقلاب تحولات جذرية، خصوصًا في علاقتها بكلٍّ من تركيا وقطر. فبعد سنوات من القطيعة، والاتهامات، والحملات الإعلامية، والسب والقذف، والملفات القضائية التي وُصفت بأنها "قضايا تخابر"، عاد المشهد ليتبدل بصورة دراماتيكية: مصافحات رسمية، وقمم مشتركة، وزيارات متبادلة، واستثمارات بمليارات الدولارات. ولكن في المقابل، لا يزال عشرات المعتقلين داخل السجون المصرية يقضون أحكامًا قاسية — بعضها وصل إلى الإعدام — بتهمة "التخابر مع تركيا" أو "التخابر مع قطر"، وهي التهم نفسها التي أصبحت اليوم أساس العلاقات الدبلوماسية الجديدة.
وهذا التناقض الصارخ دفع كثيرين إلى طرح سؤال مباشر لا يحتمل الالتفاف: كيف تتهم مجموعة من المصريين بالتجسس لصالح بلدين، وتحكم عليهم بالإعدام والمؤبد والسجن، وفي الوقت نفسه تتجه أنت — كرئيس — إلى بناء علاقات سياسية واقتصادية مع بلدين تقول محاكمك إنهما كانا يمولان جواسيس داخل بلدك؟
واعتبر مراقبون أن هذا سؤال يمسّ جوهر الاتساق السياسي والقانوني، ويكشف فجوة واسعة بين خطاب الدولة في ساحات القضاء وسلوكها في ساحات السياسة الخارجية.
التخابر مع تركيا.. مع قطر
وتضمنت الهزلية "القضائية" اتهامات بالتواصل مع مسؤولين أتراك، أو العمل في مؤسسات إعلامية مقرّها تركيا، وصدرت فيها أحكام قاسية، بعضها مؤبد، وبعضها مشدد. وبعد أن أصبح السيسي يزور أنقرة ويصافح أردوغان، يتساءل كثيرون: كيف يبقى هؤلاء خلف القضبان بينما الدولة نفسها تطبّع العلاقات مع أنقرة؟
وفي قضية "التخابر مع قطر"، تضمنت اتهامات بتسريب وثائق للدولة، وانتهت بأحكام وصلت إلى الإعدام والسجن المؤبد. لكن بعد استقبال أمير قطر في القاهرة، وتوقيع اتفاقات استثمارية ضخمة، عاد السؤال نفسه: هل ما كان "تخابرًا" بالأمس أصبح "تعاونًا" اليوم؟
العلاقات المصرية–التركية
ومنذ 2013، لم تكن القطيعة والاتهامات فقط، بل إنه بعد أحداث يوليو 2013، دخلت العلاقات المصرية–التركية في أسوأ مراحلها. ورفضت تركيا الاعتراف بشرعية السلطة الجديدة، ومصر اتهمت أنقرة بدعم جماعات معارضة، وبدأت حملة إعلامية وسياسية متبادلة.
في هذه الفترة ظهرت قضية "التخابر مع تركيا"، التي اتُّهم فيها سياسيون وصحفيون ومعارضون، وصدرت بحق بعضهم أحكام مشددة وصلت إلى السجن المؤبد.
كانت الاتهامات الرسمية تقول إن المتهمين تواصلوا مع مسؤولين أتراك، أو عملوا في مؤسسات إعلامية مقرّها تركيا، وإن هذا التواصل يشكل "تخابرًا" يهدد الأمن القومي. وفي (2021–2023)، كانت بداية التهدئة؛ فمع تغيّر موازين الإقليم، بدأت القاهرة وأنقرة خطوات تدريجية لإعادة العلاقات: لقاءات استخباراتية، ومحادثات استكشافية، وتخفيف الحملات الإعلامية، وزيارات رسمية على مستوى نواب الوزراء.
ومن بين 2024 و2025، كانت المصافحة التاريخية، ثم شهدت العلاقات قفزة كبيرة، حيث التقى السيسي والرئيس التركي أردوغان في الدوحة ثم في أنقرة، مع توقيع اتفاقات اقتصادية، وعودة السفراء، وزيارات متبادلة على أعلى مستوى. وبذلك، تحولت تركيا رسميًا من "دولة متآمرة" في الخطاب الرسمي السابق إلى شريك استراتيجي. وفي الوقت نفسه، بقي المعتقلون في قضية "التخابر مع تركيا" خلف القضبان، وكأن السياسة الخارجية تسير في اتجاه، بينما القضاء يسير في اتجاه آخر تمامًا.
وكانت قطر تُتهم بدعم المعارضة المصرية، وبرزت قضية "التخابر مع قطر"، التي حوكم فيها عدد من الشخصيات السياسية والإعلامية، وصدر فيها أحكام وصلت إلى الإعدام والسجن المؤبد. وبين (2017–2021: الأزمة الخليجية)، شاركت مصر في حصار قطر وقطعت العلاقات معها. وفي (2021–2024: المصالحة والعودة)،
بعد قمة العلا، عادت العلاقات تدريجيًا، بزيارات رسمية، واستقبال أمير قطر في القاهرة، واستثمارات قطرية بمليارات الدولارات، وتعاون اقتصادي متزايد. وبذلك، أصبحت قطر — التي اتُّهم مصريون بالتخابر معها — حليفًا اقتصاديًا وسياسيًا.
لكن الأحكام القضائية بقيت كما هي، دون مراجعة أو إعادة تقييم، رغم أن الظروف السياسية التي بُنيت عليها تغيّرت جذريًا.
فوفقًا للأحكام القضائية الصادرة في قضيتي "التخابر مع تركيا" و"التخابر مع قطر"، فإن هاتين الدولتين — بحسب منطوق الاتهام الرسمي — كانتا تموّلان أو تدعمان "جواسيس" داخل مصر!!
وإذا كان التواصل مع مسؤولين أو مؤسسات في هاتين الدولتين قد اعتُبر "تخابرًا" يستحق الإعدام أو السجن المؤبد، فكيف يُفهم أن الدولة نفسها تعود للتواصل معهما على أعلى مستوى، وتفتح صفحة جديدة من العلاقات؟