تحول العداد الكودى من حل لأزمة توصيل المرافق للمبانى غير المرخصة إلى أزمة جديدة تتعلق باستنزاف المواطنين عبر أساليب الاحتيال والبلطجة من جانب حكومة الانقلاب بزعم إلغاء دعم الكهرباء خضوعا لإملاءات صندوق النقد الدولى .
شكاوى المواطنين واحتجاجاتهم أجبرت حكومة الانقلاب على إعادة النظر فى العدادات الكودية لكنها لم تتخل عن أساليب الاستنزاف عبر فرض رسوم وإجبار أصحاب العدادات على الدخول فى إجراءات التصالح على مخالفات المبانى رغم أن بعض العقارات قديمة وأُنشئت منذ سنوات طويلة إلا أن تعنت هذه الحكومة لا يرحم أحدا ويسير فى طريق واحد هو "الاستنزاف إلى آخر نفس " سواء عن طريق العداد الكودى أو العداد الرسمى أو غيرهما .
استهلاك الكهرباء
فى هذا السياق، قال الخبير القانونى أحمد زكريا إن الأزمة لا ترتبط بسرقة التيار الكهربائى بالمعنى المتعارف عليه، وإنما تنشأ نتيجة تشابك تشريعى وإجرائى بين قوانين البناء والتصالح من جهة، والقواعد المنظمة لتوصيل المرافق العامة من جهة أخرى.
وأوضح زكريا فى تصريحات صحفية، أن فهم هذه الإشكالية يتطلب التفرقة بين أمرين، الأول هو الوضع القانونى للمبنى من حيث الترخيص أو المخالفات البنائية، والثانى هو تنظيم استهلاك الكهرباء وتحصيل قيمتها من المواطنين.
وأضاف أن العداد الكودى تم استحداثه فى الأساس كآلية لتنظيم استهلاك الكهرباء وضمان سداد قيمة الاستهلاك الفعلى، بدلاً من نظام الممارسة الذى كان يعتمد على تقديرات جزافية للاستهلاك، مؤكدا أن تركيب العداد الكودى لا يمثل فى حد ذاته سند ملكية للعقار، ولا يعد شهادة بصحة أو تقنين الوضع العمرانى للمبنى.
وأشار زكريا إلى أن فلسفة تطبيق نظام العدادات الكودية تقوم على ضمان تحصيل مستحقات الكهرباء مقابل خدمة يتم استخدامها بالفعل، بحيث يتم تسجيل الاستهلاك بصورة دقيقة ومنتظمة، وهو ما يختلف قانوناً عن مسألة الترخيص أو تقنين أوضاع المبانى.
وكشف أن الإشكالية تظهر عندما يتم الخلط بين الملفين، إذ قد يعتبر بعض المواطنين أن تركيب العداد الكودى يمثل اعترافاً كاملاً بقانونية العقار، فى حين أن الجهات الإدارية قد تنظر إلى الأمر باعتباره مجرد تنظيم للخدمة دون حسم الوضع القانونى للمبنى نفسه.
وأكد زكريا أن هذا التضارب أدى إلى ظهور حالات واجه فيها المواطنون صعوبات عند نقل ملكية العدادات أو تحويلها إلى عدادات تقليدية أو إنهاء بعض الإجراءات الإدارية، رغم أنهم يسددون فواتير الكهرباء بانتظام منذ سنوات.
العقارات القديمة
وقال إن جزءاً كبيراً من الأزمة يتعلق بالعقارات القديمة المقامة قبل صدور قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008، حيث توجد آلاف المبانى التى شُيدت قبل عقود طويلة وما زالت مأهولة بالسكان وتمارس حياتها الطبيعية.
ولفت زكريا إلى أن أصحاب هذه العقارات قد يواجهون مشكلات عند التعامل مع الجهات الإدارية التى تطلب مستندات أو نماذج مرتبطة بقوانين وإجراءات لاحقة على تاريخ إنشاء المبنى، الأمر الذى يخلق حالة من الجدل حول كيفية إثبات الوضع القانونى للعقار.
وأكد أن كل حالة يجب أن تُدرس بشكل مستقل وفقاً للمستندات المتاحة والظروف الواقعية الخاصة بها، دون افتراض وجود مخالفة لمجرد تركيب عداد كودى.
وحول كيفية إثبات المواطن أن العقار قديم أوضح زكريا أن هناك وسائل متعددة لإثبات وجود العقار وقدمه حتى فى الحالات التى لا تتوافر فيها عقود ملكية مسجلة بالشهر العقارى، لافتا إلى أن من بين أهم المستندات التى يمكن الاستناد إليها، كشوف الضرائب العقارية أو ما يُعرف بكشف العوائد، كما يمكن الاستعانة بالخرائط والصور الجوية والبيانات المساحية التى توضح تاريخ ظهور المبنى.
وأضاف أن هناك مستندات أخرى قد تدعم موقف المواطن، مثل التراخيص القديمة للمحال التجارية الموجودة بالعقار، أو عقود الإيجار التاريخية، أو المستندات الرسمية التى تحمل عنوان العقار منذ سنوات طويلة.
عداد تقليدى
وأشار إلى أن سعى بعض المواطنين إلى تحويل العدادات الكودية إلى عدادات تقليدية بأسمائهم، أمر يرتبط بتوافر المستندات المطلوبة من الجهات المختصة لإثبات صفة طالب الخدمة وعلاقته بالعقار، مشددا على أن تقديم المستندات التى تثبت قِدم المبنى واستقرار وضعه الفعلى قد يكون عنصراً مهماً عند دراسة طلبات تقنين أوضاع المرافق أو تحديث بياناتها، وفى حال وجود خلاف مع جهة إدارية أو شركة مرافق بشأن بعض الإجراءات أو القرارات، فإن القانون كفل للمواطن حق اللجوء إلى الجهات القضائية للطعن على القرارات التى يرى أنها أضرت بحقوقه.
واعترف بأن هناك حالات واجهت صعوبات بسبب هذا التشابك الإجرائى، من بينها ورثة لعقارات قديمة مقامة منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى واجهوا عقبات عند نقل المرافق أو تحديث بياناتها كما توجد حالات لمواطنين اشتروا وحدات سكنية بعقارات قائمة منذ سنوات طويلة ويقومون بسداد استهلاك الكهرباء بصورة منتظمة، ثم اصطدموا بإجراءات إضافية عند محاولة استكمال بعض المعاملات الإدارية.
وسيلة مؤقتة
فى المقابل قال خبير الإدارة المحلية الدكتور حمدى عرفة، إنّ حكومة الانقلاب اضطرت إلى تطوير منظومة العدادات الكودية باعتبارها إحدى الأدوات المهمة لتنظيم استهلاك الكهرباء، والحد من التوصيلات غير القانونية وسرقات التيار الكهربائى، مع الحفاظ على استقرار الشبكة القومية للكهرباء.
وأضاف عرفة فى تصريحات صحفية ، أنّ حكومة الانقلاب توجهت إلى التوسع فى تركيب العدادات الكودية للمبانى والمنشآت التى تحصل على الكهرباء بطرق غير قانونية، باعتبارها وسيلة مؤقتة لقياس الاستهلاك وتحقيق العدالة فى تحصيل قيمة الطاقة المستهلكة، دون أن يعنى تركيبها تقنين أوضاع العقارات المخالفة.
وأشار إلى أن حكومة الانقلاب أصدرت قرارات لتسهيل إجراءات تركيب العدادات الكودية، وتوسيع نطاق تطبيقها بدلاً من الاعتماد على نظام «الممارسة» فى محاسبة المخالفين، بهدف ضبط الاستهلاك وتقليل الفقد فى شبكات الكهرباء. وشملت الجهود الاعتماد على المنصات الإلكترونية لتقديم الطلبات، وتبسيط الإجراءات أمام المواطنين، بما يساهم فى سرعة إنهاء عمليات التركيب.
وكشف عرفة أن حكومة الانقلاب واجهت عدداً من التحديات أثناء تنفيذ منظومة العدادات الكودية، منها زيادة أعداد الطلبات المقدمة من المواطنين والضغط على شركات توزيع الكهرباء، مما تطلب تطوير آليات العمل وتسريع إجراءات الفحص والتركيب لضمان إنهاء الطلبات فى وقت مناسب.
وشدد على أن مشكلة سرقات التيار الكهربائى والتوصيلات غير القانونية، تمثل ازمة كبرى ما يتطلب زيادة الرقابة وتكثيف حملات التفتيش، إلى جانب نشر الوعى بأهمية الالتزام بالطرق الرسمية للحصول على الكهرباء وكذلك الحاجة إلى تطوير شبكات توزيع الكهرباء، خاصة فى المناطق التى تشهد توسعاً عمرانياً كبيراً .