الوراق تحت الحصار.. ثماني سنوات من المواجهات بعد فشل السلطة في حل الأزمة

- ‎فيتقارير
This picture taken on August 31, 2022 shows a view of buildings in the Nile island of Warraq, in Giza province opposite the northern shore of Egypt's capital Cairo. Residents of a Nile island in northern Cairo woke up recently to find officials taking measurements of their houses -- a final step before enforcing demolition orders. Since then, people from Warraq -- some of whom have been on the working-class agricultural island for generations -- have been opposing a mega development project that would see their homes razed and the island's character erased. (Photo by Khaled DESOUKI / AFP)

نظام مأزوم يبحث فقط عن أي وسيلة يحصل بها على العملة الصعبة، ومنذ ان قرر المنقلب عبد الفتاح السيسي بيع جزيرة الوراق، أكبر جزيرة في النيل، للإمارات ورفض أهالي الجزيرة ترك موطنهم ومساكنهم، حاصرت الحكومة الفاشية الجزيرة ومنعت دخول مواد البناء مثل ما تفعل دولة الاحتلال مع أهالي غزة، وكل يوم نسمع عن تجدد الاشتباكات بين الأهالي والشرطة في وقائع متكررة منذ 2017 والي الان.

وعادت على مدار الايام الماضية الاشتباكات بين الشرطة والأهالي في جزيرة الوراق في أعقاب واقعة اعتداء أحد الضباط على شاب، قبل تطور الاشتباكات إلى مواجهة مفتوحة أسفرت عن إصابة العديد من الأهالي واعتقال آخرين.

وأصبحت الاشتباكات في الوراق بين الشرطة والأهالي خبرًا متكررًا يحصل من وقت لآخر بسبب حالة الاحتقان الناتجة عن رفض الحكومة تقديم حل عادل للأزمة بالاتفاق مع الأهالي، وتغليب الحل الأمني المتمثل في حصار الجزيرة ومنع دخول مواد البناء إليها، وحرمان الأهالي من الخدمات الأساسية، بهدف تطفيشهم والاستيلاء على بيوتهم وأرضهم.
 

اعتبروهم أطرافًا خارجية

تعود جذور الأزمة في الوراق إلى صيف عام 2017، عندما بدأت الحكومة تنفيذ إجراءات لإزالة عدد من المباني والاستيلاء على عدة أراضٍ داخل الجزيرة، باعتبارها جزءًا من خطة لإعادة تخطيط المنطقة.

وأسفر الهجوم المفاجئ من الحكومة على الجزيرة الآمنة عن اشتعال مواجهة أودت بحياة المواطن سيد الجيزاوي، وإصابة عدد من المواطنين، ومنذ ذلك الوقت تحولت الجزيرة إلى أكبر بؤرة توتر في مصر، بعد ما أصرت الدولة على التعامل بعصا الأمن كبديل من حلول السياسة والتفاوض.

ولنا أن نتخيل أن الدولة المصرية بكل قدراتها عاجزة على مدار الـ 9 سنين الماضية، عن حل أزمة جزيرة صغيرة، عدد سكانها حوالي 100 ألف مواطن، في وقت تتطلع فيه للقيام بالوساطة لإنهاء الحرب الطويلة بين روسيا وأوكرانيا، وهذا التطلع مشروع بالمناسبة ولسنا ضده، فمصر من الدول المُؤسِسة للأمم المتحدة، وذات تاريخ عريق، والعجيب أن السياسة الخارجية المصرية تتميز بنوع من التوازن والحكمة على مستوى الخطاب إلا أن الممارسات تتناقض تناقضاً تاماً مع السياسات الداخلية على مستوى الخطاب أو الممارسة.

الخطاب الذي عبرت به مصر عن استعدادها للقيام بدور في إنهاء الحرب الروسية قائم على مجموعة من الثوابت حددتها الهيئة العامة للاستعلامات بنبذ التهديد، ورفض استخدام القوة في العلاقات الدولية، والجنوح إلى الوسائل السلمية لحل المنازعات، واحترام سيادة الدولة الوطنية.
 

وهذه الثوابت الأربعة هي أمل الشعب المصري أن الدولة تعامله بهم، وفي أزمة جزيرة الوراق بالذات نطالب الدولة بأن تعامل المواطنين المصريين معاملة الروس والأوكران.

نبذ التهديد: فأهالي الوراق يعيشون تحت تهديد لمدة 9 سنين، وحصار خانق وترهيب واعتداءات غير مبررة. رفض استخدام القوة: والنظام لا يعرف إلا وسيلة واحدة للتعامل مع الشعب المصري هي القوة والبطش الأمني. اعتماد الوسائل السلمية في حل المنازعات: هو ما نطالب الدولة بأن تطبقه في الخارج، فنحتاج حلولا سلمية للقضايا المفتوحة، بدلاً من الاستقواء الأمني على الشعب. احترام السيادة الوطنية للدول: والمعادل لها احترام الملكية الخاصة للأفراد، والمحمية بموجب المواثيق الدولية والدستور المصري.

فكرة تبني الحكمة والتوازن والاعتدال مع الخارج، وتبني التخويف والقوة والبطش في الداخل، فكرة مهينة لجموع الشعب المصري، لأنها لا تحدث في موقف عابر، بل هي سياسة ثابتة مبنية على قناعة راسخة لدى السلطة أن الشعب المصري لا يُحكم إلا بالكرباج، وهذا شكل من أشكال محاولة "حيونة" المصريين، وإنزالهم لمرتبة السوائم التي تقاد بعصا الأمن وزجر الرئيس.
 

التطور التاريخي  لأزمة لجزيرة الوراق

أقر مجلس النواب في 2018  تعديلات على قانون نزع الملكية للمنفعة العامة، لتوسيع صلاحيات الدولة في تنفيذ مشروعاتها. وفي السنة نفسها صدر قرار عن مجلس الوزراء بإنشاء مجتمع عمراني جديد على أراضي الجزيرة يتبع هيئة المجتمعات العمرانية، وفي 2019 صدور قرار جمهوري بنقل تبعية الجزيرة لهيئة المجتمعات العمرانية، تمهيدًا لبدء تنفيذ مخطط التطوير بالتعاون مع الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وفي يوليو 2020 أعلن مجلس الوزراء اعتبار جزيرة الوراق منطقة لإعادة التخطيط، باعتبارها إحدى المناطق المستهدفة بإعادة التنظيم العمراني.

وفي 2022، نشرت الهيئة العامة للاستعلامات صورة لمخطط للجزيرة مع تعليق يقول إن هذه ليست جزيرة منهاتن الأمريكية، وإنما مدينة حورس التي  من المفروض أن تُقام على جزيرة الوراق، مع تقديرات حكومية بعوائد من استثمارات الجزيرة تصل إلى 17.5 مليار جنيه "مليار دولار بسعر الصرف وقتها". في 2024 أعلنت وزارة الإسكان أنها استحوذت على نحو 993 فدانًا من أصل 1295 فدانًا مخصصة للتطوير، بما يعادل أكثر من 76% من إجمالي المساحة المستهدفة.
 

الحكومة التي تفشل دائما

ورغم أن الحكومة قطعت شوط كبير في الاستيلاء على الجزيرة، إلا أنها ما زلت حتى الآن عاجزة عن حل المشكلة أو نزع فتيل الاحتقان، ولذلك الاشتباكات تتجدد باستمرار، كذلك الاحتجاجات تتجدد أكتر اعتراضًا على الإزالات والقيود المفروضة على دخول مواد البناء والمؤن إلى الجزيرة عبر المعديات، التي تمثل وسيلة العبور الأساسية للسكان.
حتى الآن لا توجد أي دراسة اجتماعية لظروف عشرات الآلاف من السكان وأشغالهم، والنظر في إيجاد حلول فعالة وعملية ومنصفة ليهم، خصوصاً أن الآلاف من سكان الجزيرة يعتمدون على الزراعة والصيد والأعمال المرتبطة بهما، ففكرة تعويضهم بسكن بديل والاستيلاء على أرضهم وبيوتهم يعني تدمير مقومات حياتهم ببساطة، وهذا شيء يجب على الحكومة أن تنظر إليه بعين الاعتبار، مع تصميم آليات للتشاور مع السكان وممثليهم في مجلس العائلات الذي رجعت الحكومة وهمشته.

ولن تحل الأزمة باستبعاد الأهالي ولا يمكن ان تُحل على حسابهم، وبدون توافق مع الأهالي سوف تستمر احتمالات تجدد الاشتباكات قائمة إلى ما لا نهاية. وحق سكان الوراق في التعويضات العادلة والإنصاف والإيواء في سكن كريم حق مطلق، لن يسقط مهما كانت الحجج، وإذا كان رئيس الوزراء يتكلم عن "حق الدولة" في الأراضي، فـ"حق البشر" في الحياة الكريمة له الأولوية القصوى، لأن الهدف من إيجاد الدولة والحفاظ عليها هو خدمة الناس وليس العمل ضد مصالحهم.