لم يعد تمدد جهاز "مستقبل مصر" مقتصرًا على قطاعات الزراعة والإنتاج والتجارة والاستيراد والتصدير والثروة السمكية، إذ بدأ القطاع الصحي يظهر باعتباره أحد أحدث المجالات التي يسعى الجهاز إلى التوسع داخلها، في مسار يفتح الباب أمام أسئلة واسعة حول حدود النشاط الاقتصادي للكيانات التابعة للمؤسسة العسكرية، ومستقبل إدارة المستشفيات العامة، وطبيعة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص في تقديم الخدمات الصحية.
وجاءت أحدث مؤشرات هذا التوجه خلال مشاركة تحالف "مستقبل مصر" الطبي في معرض "إيجي هيلث 2026"، الذي اختُتم الماضي، حيث عقد ممثلو التحالف لقاءات مع عدد من الجهات والمؤسسات العاملة في مجال الرعاية الصحية، إلى جانب ممثلين عن جهات حكومية ومنظمات أهلية وشركات أدوية.
وبحسب ما أعلنته الشركة، تناولت اللقاءات فرص التعاون والشراكة في مجال الرعاية الصحية، والتعريف بمكونات التحالف ومؤسساته، بما يشمل المركز الطبي العالمي ومستشفى الجوي التخصصي، إلى جانب الخدمات والتخصصات الطبية وبرامج التدريب والبحث العلمي والتحول الرقمي.
لكن هذا التوسع يطرح سؤالًا أكبر من مجرد دخول كيان جديد إلى سوق الرعاية الصحية: هل نحن أمام استثمار جديد في القطاع الطبي، أم أمام انتقال نموذج التوسع الاقتصادي للكيانات السيادية إلى مجال الخدمات الصحية الأكثر حساسية واتصالًا بحياة المواطنين؟
من المؤسسة العسكرية إلى كيان اقتصادي واسع
يأتي التحرك في القطاع الصحي ضمن مسار أوسع لتوسع "مستقبل مصر" في مجالات اقتصادية متعددة، بالتزامن مع إعادة تنظيم وضع الجهاز وتوسيع نطاق اختصاصاته.
أعاد قانون جديد تنظيم الجهاز ونقل تبعيته من القوات الجوية بوزارة الدفاع إلى كيان ذي طبيعة خاصة تابع لرئاسة الجمهورية، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش واسع بشأن اتساع صلاحياته وطبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه داخل الاقتصاد المصري. حيث سمح القانون الجديد لجهاز مستقبل مصر بدخول مجال الخدمات الاجتماعية، من بينها التعليم والصحة، تحت مبررات تتعلق بالمساهمة في تمويل هذه الخدمات.
غير أن الانتقاد الأساسي يتمثل في أن هذا النموذج قد لا ينتهي عند حدود "الاستثمار الاجتماعي"، وإنما يمكن أن يتحول إلى نشاط اقتصادي واسع داخل قطاعات تقدم خدمات أساسية للمواطنين، وعلى رأسها الصحة.
وهنا تظهر المعضلة: عندما يدخل كيان ذو طبيعة سيادية إلى قطاع صحي يعتمد على المال العام والأصول الحكومية، ثم يعمل وفق آليات الإدارة والاستثمار وتحقيق الإيرادات، أين تنتهي مسؤولية الدولة الاجتماعية وأين يبدأ النشاط التجاري؟
مستشفيات عسكرية وأخرى حكومية
وفق ما نقله موقع «مدى مصر» عن مصادر مطلعة، فإن التوسع المرتقب قد يشمل إدارة وإعادة هيكلة عدد من المنشآت الطبية، سواء التابعة للقوات المسلحة أو لوزارة الصحة.
وتشير المعلومات إلى احتمالات ضم مستشفيات تابعة للقوات المسلحة، من بينها مستشفى المعادي العسكري، إلى جانب عدد من مستشفيات وزارة الصحة، خصوصًا التابعة لأمانة المراكز الطبية المتخصصة.
وفي حال اتساع هذا النموذج، فإن الشركة ستكون أمام شبكة من المنشآت الطبية التي يمكن أن تقدم خدمات لفئات مختلفة، بما فيها أفراد القوات المسلحة ضمن منظومة التأمين الصحي الخاصة بهم، فضلًا عن تقديم خدمات للمدنيين بمقابل مالي، إلى جانب التعاقد مع منظومة التأمين الصحي وشركات التأمين والتأمين الصحي الشامل.
وبذلك، لا يعود الأمر مجرد إنشاء مستشفى جديد، وإنما يصبح متعلقًا بإعادة توزيع أدوار الإدارة والملكية والتشغيل داخل القطاع الصحي العام.
وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كانت وزارة الصحة هي الجهة الحكومية المسؤولة عن إدارة وتطوير المستشفيات العامة، فما مبرر نقل إدارة بعضها إلى كيان اقتصادي آخر، وما حدود اختصاص كل طرف؟
الخصخصة دون بيع المستشفى
المسألة لا تتوقف عند سؤال الملكية.
فحتى إذا ظلت المستشفى مملوكة للدولة، فإن تغيير طريقة إدارتها يمكن أن ينقلها تدريجيًا إلى نموذج تجاري يعتمد على الإيرادات، والتعاقدات، وجذب المرضى القادرين على الدفع.
وهذا يعني أن "خصخصة" الخدمة الصحية لا يشترط أن تتم من خلال بيع المبنى أو الأرض أو نقل الملكية إلى مستثمر خاص؛ إذ يمكن أن تحدث من خلال تغيير نموذج الإدارة والتشغيل، وتحويل المنشأة العامة إلى مشروع يبحث عن العائد المالي.
في هذه الحالة، يظل المواطن مساهم في تمويل إنشاء الأصل الطبي من خلال الموازنة العامة والضرائب والموارد العامة، لكنه قد يجد نفسه مضطرًا إلى دفع مبالغ إضافية للحصول على الخدمة التي يفترض أن يكون الوصول إليها جزءًا من حقه في الرعاية الصحية.
وتزداد حساسية هذا التحول في ظل ارتفاع تكلفة العلاج في مصر وتزايد الاعتماد على الإنفاق المباشر من جيوب الأسر.
السياحة العلاجية.. سوق جديد بالدولار
أحد أبرز المجالات التي يمكن أن تستفيد منها المنظومة الجديدة هو قطاع السياحة العلاجية، خصوصًا في المدن والمناطق السياحية التي تستقبل أعدادًا كبيرة من السائحين العرب والأجانب.
وبحسب ما نقله "مدى مصر" عن مصدر مطلع، تستهدف المنظومة الاستفادة من المستشفيات الموجودة في مناطق سياحية، مع التركيز على المنشآت التي تمتلك تجهيزات طبية متقدمة، وتخصصات دقيقة، وقدرة على استقبال الحالات الطارئة، فضلًا عن توافر مهابط للطائرات.
وتكتسب السياحة العلاجية أهمية اقتصادية بسبب قدرة المرضى الأجانب وشركات التأمين الدولية على دفع تكاليف العلاج بالعملات الأجنبية، ما يجعل المستشفيات التي تستهدف هذه الفئة ذات جاذبية استثمارية مرتفعة.
وتشير المادة إلى مستشفيات دولية في الأقصر وأبو سمبل وشرم الشيخ ضمن المنشآت التي قد تدخل في هذا المسار، وفق معايير مرتبطة بموقعها وتجهيزاتها وقدرتها على تقديم خدمات طبية متخصصة.
لكن دخول الاستثمار إلى هذا المجال يثير بدوره سؤالًا حول الأولويات: هل يجري تطوير البنية الصحية لتلبية احتياجات المصريين أولًا، أم يجري توجيه جزء متزايد من الاستثمارات نحو الشرائح القادرة على دفع تكلفة العلاج، سواء من المصريين الميسورين أو المرضى القادمين من الخارج؟
"جوستاف روسي".. تجربة تثير الجدل
وتستند المخاوف من نموذج الإدارة الاستثمارية للمستشفيات إلى تجارب سابقة في إعادة هيكلة مؤسسات طبية.
وتستشهد المادة بتجربة معهد "جوستاف روسي" باعتبارها نموذجًا يثير انتقادات بشأن آثار إدارة المؤسسات الطبية وفق منطق الخصخصة وإعادة الهيكلة، وما قد يترتب على ذلك من خفض أعداد العاملين، وارتفاع تكلفة الخدمة، وتقليص فرص الحصول عليها بالنسبة لبعض الفئات.
وبغض النظر عن تقييم كل تجربة على حدة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت إعادة هيكلة المستشفيات الحكومية وفق منطق استثماري ستؤدي إلى تحسين كفاءة الخدمة فعلًا، أم ستدفع المؤسسات تدريجيًا إلى إعطاء الأولوية للأنشطة الأكثر تحقيقًا للإيرادات.
فالقطاع الصحي يختلف عن قطاعات أخرى؛ إذ لا يستطيع المريض ببساطة تأجيل الخدمة أو البحث عن بديل عندما تكون حياته أو صحته مرتبطة بها.
المواطن يدفع بالفعل الجزء الأكبر من فاتورة العلاج
تأتي هذه التحولات في وقت يتحمل فيه المواطن المصري جزءًا كبيرًا من تكلفة الرعاية الصحية من ماله الخاص, حيث يدفع المصريون نحو 62% من الإنفاق الصحي من جيوبهم، وهو ما يعني أن الأسرة تتحمل بالفعل عبئًا ماليًا كبيرًا عند المرض، إلى جانب تكاليف الغذاء والسكن والتعليم والمواصلات وغيرها.
وفي ظل هذا الوضع، فإن التوسع في تقديم الخدمات الصحية وفق نموذج تجاري، من دون وجود حماية مالية كافية للمواطن، يمكن أن يؤدي إلى زيادة الضغوط على الأسر، ودفع بعضها إلى تأجيل الكشف أو العلاج، أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية نفقات المرض.
وتزداد المشكلة عندما تكون أسعار الخدمات الطبية والأدوية والعمليات في ارتفاع مستمر، بينما لا يملك كثير من المواطنين قدرة مالية كافية للتعامل مع النفقات الطارئة.
من الحق في العلاج" إلى "زبون لازم يدفع"
الخطر الأكبر في هذا المسار، بحسب منتقديه، لا يكمن فقط في انتقال إدارة مستشفى من جهة حكومية إلى كيان آخر، وإنما في تغير فلسفة تقديم الخدمة نفسها.
فعندما تصبح المستشفى مشروعًا استثماريًا، يمكن أن يتحول معيار النجاح تدريجيًا من عدد المرضى الذين حصلوا على الخدمة وجودتها، إلى حجم الإيرادات والعائد على الاستثمار.
وهنا يتحول المريض من صاحب حق في خدمة عامة إلى "زبون"، وتصبح قدرته على الدفع عنصرًا مؤثرًا في نوع الخدمة التي يمكنه الحصول عليها.
وقد ظهرت مخاطر هذا النموذج بوضوح خلال أزمة كورونا، عندما تعرض بعض المرضى لضغوط مالية كبيرة للحصول على العلاج في المستشفيات الخاصة، وسط مخاوف من أن يصبح الحصول على الرعاية الطبية مرتبطًا بصورة متزايدة بالقدرة على الدفع.
دولة تتحدث عن تقليص دورها.. وكياناتها تتوسع
المفارقة الأساسية في هذا المشهد أن الحكومة تتحدث في الوقت نفسه عن تقليص دور الدولة في الاقتصاد، وإفساح المجال أمام القطاع الخاص، وتشجيع الاستثمار الخاص.
لكن بالتوازي، تتوسع كيانات تابعة للدولة أو للمؤسسة العسكرية في قطاعات اقتصادية جديدة، بما فيها قطاعات يفترض أن تكون مسؤولية مباشرة لوزارات الدولة وأجهزتها.
وفي القطاع الصحي تحديدًا، يضع هذا التوسع وزارة الصحة أمام سؤال يتعلق بطبيعة دورها المستقبلي.
فإذا كانت الوزارة مسؤولة عن تطوير المستشفيات الحكومية وتحسين مستوى الخدمة، فلماذا تُنقل إدارة بعض هذه المنشآت إلى كيان اقتصادي آخر؟ ومن يحدد أولويات التشغيل؟ وكيف تتم مراقبة الأسعار؟ ومن يضمن ألا تتحول الأصول الصحية العامة إلى مشروعات تركز على الفئات الأكثر قدرة على الدفع؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية كلما اتسع نطاق النشاط، وتحول الأمر من مشروعات طبية محدودة إلى منظومة متكاملة تمتلك مستشفيات وشركات وخدمات تدريبية وبحثية واستثمارية.
"مستقبل مصر".. تمدد يتجاوز الزراعة
يأتي دخول القطاع الصحي ضمن مسار أكبر أصبح فيه "مستقبل مصر" حاضرًا في عدد متزايد من الأنشطة الاقتصادية.
فبعد الزراعة واستصلاح الأراضي، توسع الجهاز في التجارة والاستيراد والتصدير والثروة السمكية وغيرها من المجالات، قبل أن يظهر القطاع الصحي باعتباره مساحة جديدة للنشاط.
ومع كل قطاع جديد يدخل إليه الجهاز، يتجدد السؤال حول حدود دوره الاقتصادي، وعلاقته بالوزارات والأجهزة الحكومية، ومدى تأثير هذا التوسع في المنافسة داخل السوق.
وفي القطاع الصحي، تزداد حساسية المسألة لأن الأمر لا يتعلق بسلعة عادية يمكن للمستهلك الاستغناء عنها، وإنما بخدمة ترتبط مباشرة بحقوق الإنسان وحياة المواطنين.
حين تصبح الأصول العامة مصدرًا للعائد
المعضلة التي تطرحها هذه التحولات لا تتعلق فقط بمن يملك المستشفى، وإنما بكيفية استخدام الأصل العام ومن يستفيد من عوائده.
فإذا أنشئت المنشأة بأموال الدولة، وظلت ملكيتها عامة، ثم أديرت وفق قواعد تجارية تستهدف تعظيم الإيرادات، فإن المواطن قد يجد نفسه أمام وضع متناقض: دفع بصورة مباشرة أو غير مباشرة تكلفة إنشاء الأصل، ثم مطالب بدفع تكلفة إضافية للحصول على الخدمة داخله.
وهكذا يمكن أن يحدث "تسليع" للخدمة الصحية دون أن يحدث بيع رسمي للمستشفى.
فالملكية قد تظل عامة، لكن فلسفة التشغيل تتغير، وتصبح الأولوية للاستدامة المالية والعائد الاقتصادي بدلًا من توفير الخدمة العامة بأكبر قدر ممكن من العدالة.
إلى أين يقود المسار؟
يضع التوسع الجديد "مستقبل مصر" في القطاع الصحي أمام اختبار مختلف عن القطاعات الأخرى؛ لأن نجاح الاستثمار هنا لا يمكن قياسه فقط بحجم الإيرادات أو الأرباح.
فالمعيار الحقيقي يتعلق بقدرة أي منظومة جديدة على تحسين جودة العلاج، وتوسيع نطاق الوصول إليه، وحماية المرضى من ارتفاع التكلفة، والحفاظ على حقوق العاملين، وضمان أن تظل الأصول الصحية العامة موجهة بالأساس إلى خدمة المجتمع.
أما إذا تحول التوسع إلى بوابة لإعادة إدارة المستشفيات العامة بعقلية تجارية، فإن الخشية تتمثل في أن يصبح العلاج سلعة أكثر من كونه حقًا، وأن تتحول المستشفيات إلى مشروعات استثمارية، ويصبح المريض في النهاية الطرف الذي يتحمل فاتورة هذا التحول.
وبذلك، فإن السؤال الأوسع الذي يفرضه دخول "مستقبل مصر" إلى القطاع الصحي ليس فقط: من سيدير المستشفى؟
بل: لمن ستكون الأولوية عندما تتعارض متطلبات الاستثمار والربحية مع حق المواطن في الحصول على علاج جيد ومتاح؟