تكمن مشكلة الغرب الحقيقة في عدم رغبتهم تمكين الشعوب المسلمة من الديمقراطية، وذلك من منطلق خوفهم مما ستسفر عنه من تمكين الإسلاميين من السلطة، وعودة الشعوب للاعتزاز بدينهم وتراثهم وثقافتهم، وهذا بحد ذاته سيجعلهم داخل دائرة تحدي حضاري وأخلاقي ونهضة عربية وإسلامية كبرى، لذلك كان المستبدون والطغاة خيار الغرب الذي ليس منه بد.
وجاءت الأنظمة العربية عموما ضمن قائمة الدول الشمولية، وفق ما أصدرته وحدة "إيكونوميست إنتيليجنس" التابعة لمجلة "إيكونوميست"، إذ لم تختلف أغلب البلدان العربية عن بعضها كثيرا، فهي إن لم تكن ديكتاتورية شمولية حصلت على مراكز سيئة في التصنيف الديمقراطي.
أصدقاء الديكتاتورية
الغريب أن الأنظمة الخليجية جاءت ضمن قائمة الدول الشمولية، وهي أكثر الدول التي تعقد صداقات مع الدولة الراعية للديمقراطية وهي الولايات المتحدة الأميركية، باعتبارها الدولة العظمى الأولى، والحامية للقيم الغربية التحررية، بالتشارك مع المانيا وفرنسا وبريطانيا.
إنها جزء من تناقضات الخلطة التي أنتجتها الديمقراطية العرجاء مع الرأسمالية المتوحشة لتجعل من نظام الانتخاب وحرية الرأي والتعبير وحق الناس في اختيار الحاكم الذي يرونه مناسبا، كل هذه الأشياء لا تصلح للمواطن العربي والمسلم، ويحق للحاكم الديمقراطي الأمريكي أو البريطاني أو الفرنسي والألماني أن يدعموا دولة تصنف في المراتب الأولى للأنظمة الديكتاتورية مثل السعودية أو مصر أو الممالك العربية الأخرى.
السؤال الذي نطرحه الآن: هل يمكن التعويل على أمريكا أو الغرب عموما في إنتاج ديمقراطية عربية؟ وبشكل آخر: أليست الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية هي السبب في استمرار الأنظمة الديكتاتورية العربية؟
صناعة الطاغية
عندما بدأ الربيع العربي في عدد من الدّول العربية، فرحت بعض الجهات الليبرالية التي كانت تدعو إلى إحلال الدّيمقراطية في هذه المنطقة؛ فمع انطلاقة الرّبيع العربي بدأ يفوح عطر الدّيمقراطية التي حُرمت منها المنطقة. وبدأ الشّعب يأمل في إحلال مبادئ احترام حقوق الإنسان والتخلّص من الأنظمة الدّيكتاتورية التي حكمت المنطقة بقبضةٍ من حديد، ومع الرّبيع العربي حلم الشّعب في المشاركة بصنع القرار السياسي وتحديد مصيره بنفسه.
وإلى جانب هذا، فقد ظنّ الشّعب بأنّ الرّبيع العربي سوف يؤدّي في نهاية المطاف إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية الرّديئة لشعوب هذه المنطقة. فهذا الشّعب الذي يتمركز في بقعةٍ جغرافية غنية بالثّروات الباطنية، ظنّ أنه سيتخلّص من آلام الفقر والجوع، وأمِل أن ينتقل إلى مرحلة الرّفاهية وإقامة العلاقات الاقتصادية مع الدّول العالمية الكبرى.
وبعد فترةٍ وجيزة من بدء الرّبيع العربي، تحوّلت كلّ هذه التّطلّعات إلى أحلامٍ وردية؛ فقلب الرّبيع العربي النّابض في مصر، لم يكمل عامه الثّالث، حتّى جاء الانقلاب العسكري وأطاح بثمار الرّبيع العربي، فقد قام السفاح عبد الفتاح السيسي بإجراء ضربة عسكرية على حكومة الرئيس الشهيد محمد مرسي الذي وصل إلى سُدّة الحكم عن طريق الإرادة الشّعبية الحرة ومن خلال انتخابات نزيهة لا تشوبها الحيلة.
وبمباركة أمريكية وغربية قام أعوان السفاح السيسي بقتل الآلاف من معارضي الانقلاب جهراً وأمام مرئى ومسمع العالم أجمع، ولم يكتفِ هؤلاء بالقتل، بل قاموا باعتقال الآلاف من الأعضاء البارزين في جماعة الإخوان المسلمين وإطلاق أحكام الإعدام بحقّهم عبر محاكم أنشأوها عقب الانقلاب العسكري، وقامت هذه المحاكم بإصدار قرار سجنٍ ولمدّة عشرين عاما بحقّ الرئيس الشهيد محمد مرسي قبل اغتياله بالسم البطيء في قاعة المحاكمة.
لماذا يدعمون الطغاة؟
بصرف النّظر عن مواقف الممالك الخليجية التي دعمت انقلاب السفاح السيسي بمصر، إلّا أنّه يصعب تفسير الموقف الغربي حيال ما جرى؛ فالغرب وعلى اعتبار أنّهم من دُعاة الدّيمقراطية، قاموا بتشجيع الانقلاب في مصر وباركوا به بعد أن تحقق، فلم تصف القيادات الغربية ما حصل في مصر بـ "الانقلاب"، واكتفوا بمجرّد التنديد الخفيف بالمجازر التي جرت؛ ووجّه الغرب ضربةً قاصمة لقيمه التي كان يتباهى بها على مرّ العصور.
موقف الغرب تجاه ثورة 25 يناير في مصر، أمر لا يدعو إلى الغرابة؛ فالتّاريخ الغربي مليء بالأمثلة التي تدلّ على ازدواجية المعايير لدى قادة هذه الدّول فيما يخصّ الدّفاع عن حقوق الإنسان والحريات الشخصية.
ولا يرغب الغرب في إحلال الدّيمقراطية في هذه المنطقة من منطلق الكره الدّفين لديهم تجاه الشعوب الإسلامية، وأنّ الشّعب المصري لا يستحقّ أن ينعم بنعم الدّيمقراطية والعيش الآمن، بل ربّما يفكّر الغرب ومعه أميركا أبعد من ذلك، وينظرون إلى المصريين وبقية الشّعوب الإسلامية على أنّها شعوب حقيرة لا تستحقّ أن تعيش في ظلّ أنظمة ديمقراطية.
وكذلك لا يرغب الغرب في إحلال الدّيمقراطية في بلاد العرب والمسلمين، من منطلق التّفكير بمصالحهم مع هذه الدّول؛ فالقادة الغربيون يخشون من الدّيمقراطية والإرادة الشّعبية، كما أنّهم يخشون من سيطرة أشخاص لا يقبلون الرّضوخ لأوامر الغرب على الحكم في هذه الدّول، كأمثال الرئيس الشهيد محمد مرسي والرئيس التونسي المنصف المرزوقي.
إنّ ازدواجية المعايير التي تتبعها القيادات الغربية تجاه الشّعوب الإسلامية، ليست جديدة، وفق قاعدة أن التّعامل مع الأنظمة الديكتاتورية أسهل من التّعامل مع الأنظمة الديمقراطية، ففي تسعينيات القرن الماضي، لم يأذن الغربيون لحزب "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في الجزائر باستلام السّلطة في البلاد على الرّغم من فوز هذا الحزب في الجولة الأولى من الانتخابات التي جرت آنذاك.
فقد عمل الغربيون على تحريض بعض الجهات الدّاخلية المعارضة للدّيمقراطية في الجزائر من أجل افتعال أعمال تخريبية في البلاد، حيث راح ضحيّة هذه العمليات آلاف القتلى من الأبرياء، والمشهد تكرّر في مصر، وقام الغربيون بتأييد ما فعله السفاح السيسي بل واعتبروا انقلاب السفاح السيسي خطوة نحو الديمقراطية!