في تأكيد لإصرار الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، رئيس الانقلاب العسكري، على السطو على أموال الوقف الخيري الإسلامي، فقد صادق، الثلاثاء 7 سبتمبر 2021م على القانون رقم 145 لسنة 2021 بإنشاء صندوق الوقف الخيري، والذي أقره مجلس نواب العسكر في 28 يونيو 2021م، والذي يقنن إجراءات النظام للسطو على أموال الوقف الخيري بهدف توفير التمويل اللازم لمشروعات السيسي في العاصمة الإدارية بدعوى معاونة الدولة في ملف التطوير والمشروعات القومية العملاقة.
الصندوق بحسب القانون يتمتع بالشخصية الاعتبارية ويتبع رئيس الوزراء بهدف دعم الأجهزة الحكومية في إقامة وتطوير المشروعات الخدمية والتنموية والبنية التحتية للدولة وغيرها من المشروعات الاجتماعية والاقتصادية التي تُساهم في دعم الموقف الاجتماعي والاقتصادي للدولة. وهو ما يمثل برهانا ساطعا على إصرار النظام العسكري على السطو الكامل على أموال الوقف لغير ما خصص الواقفون. وينص القانون أنه لوزير الأوقاف سلطة التصرف في أموال صندوق الوقف، بما يتضمنه من أموال صناديق النذور، وإعمار المساجد، وتوجيهها لصالح مشروعات التطوير في الدولة.
ويتولى الصندوق مجلس إدارة يُشكل برئاسة رئيس الوزراء، وعضوية وزير الأوقاف (نائباً لرئيس مجلس الإدارة)، وأربعة أعضاء من الشخصيات ذات الخبرة الاقتصادية يختارهم رئيس الوزراء، وثلاثة أعضاء يختارهم وزير الأوقاف، أحدهم من داخل الوزارة، والثاني من هيئة الأوقاف المصرية، والثالث من الشخصيات العامة من ذوي الخبرة في هذا المجال.
ويضم التشكيل كذلك أحد أعضاء الجهات أو الهيئات القضائية يرشحه وزير العدل، ويختاره المجلس الخاص للجهة أو الهيئة، وعضو في مجال إدارة المحافظ المالية، يرشحه رئيس هيئة الرقابة المالية. ويصدر بتسمية أعضاء مجلس الإدارة من الشخصيات ذات الخبرة الاقتصادية قرار من رئيس الوزراء، ويحدد القرار المعاملة المادية لرئيس الصندوق وأعضائه.
وبموجب القانون، تتكون موارد الصندوق من فوائض حسابات اللجنة العليا للخدمات الإسلامية والاجتماعية، وصناديق النذور، وصناديق إعمار المساجد القائمة في نهاية السنة المالية، وفوائض ريع الوقف، وسائر التبرعات والهبات والمنح النقدية أو العينية التي يتلقاها من الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين، ويقبلها مجلس إدارة الصندوق، بما لا يتعارض مع أغراضه. وأي موارد أخرى يصدر بها قرار من رئيس الجمهورية، بشرط ألا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وتعفى أموال وعوائد الصندوق من جميع الضرائب والرسوم، فضلاً عن ضريبة القيمة المضافة، وأحكام قانون ضريبة الدمغة، ورسم تنمية موارد الدولة على الصندوق. كما لا تخضع لأي نوع من الرسوم والضرائب المباشرة المفروضة حالياً، أو التي ستُفرض مستقبلاً، وتخصم التبرعات وغيرها من الموارد الموجهة للصندوق من الوعاء الضريبي للمتبرعين، طبقاً للقواعد المحددة قانوناً.
التصديق على قانون صندوق الوقف الخيري يمثل الخطوة الثانية على طريق قوننة نهب أموال الوقف الإسلامي، فقد صادق رئيس الانقلاب في ديسمبر 2020م على قانون رقم 209 الخاص بإعادة تنظيم هيئة الأوقاف، والذي هدف إلى قوننة إجراءات بيع الوقف بالمخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية، تحت ذريعة تشجيع نظام الوقف، وضمان استقلاله، وإدارته على نحو يعظم الاستفادة منه. ويحظى استثمار عوائد أموال الوقف باهتمام بالغ من السيسي، لا سيما أنه يعول عليها كثيراً في خفض نسبة العجز في الموازنة العامة، وتمويل مشروعات كبرى يتبناها، ويرى خبراء أنها غير ذات جدوى اقتصادية.
ويجمع علماء المسلمين على أنه إذا وقف الإنسان شيئاً لزم الوقف، وانقطع حق الواقف في التصرف في العين الموقوفة، فلا يُباع، ولا يوهب، ولا يورث، وليس للواقف الرجوع في وقفه، حتى وإن احتاج إليه. ومن استولى على الوقف وباعه، فهو غاصب لهذا الوقف، حتى وإن كان هو مالكه الأصلي قبل أن يصير وقفاً، والواجب عليه أن يرده.
و تعد الأوقاف أغنى الوزارات في مصر، وذلك وفقا لحجم أملاكها ؛حيث تبلغ المحفظة المالية للوزارة نحو تريليون و37 مليارا و370 مليونا و78 ألف جنيه، وفق ما أعلنه رئيس مجلس إدارة هيئة الأوقاف المصرية سيد محروس سنة 2018م. وتتوزع هذه الأصول بين أملاك زراعية تقدر بـ759 مليارا و181 مليون جنيه وعقارات بقيمة تقديرية تبلغ نحو 137 مليار جنيه وأرض فضاء تقدر قيمتها بأكثر من 141 مليار جنيه. وعلى الرغم من ضخامة تلك الأموال فإن رئيس مجلس إدارة هيئة الأوقاف المصرية الشيخ سلامة عبد القوي إبان فترة حكم الرئيس محمد مرسي (2012- 2013) شكك في صحتها، مؤكدا أنها تفوق ذلك بكثير.
الكشف عن حجم أموال الأوقاف هو ترجمة لأوامر وتوجيهات رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي في ديسمبر 2017، وذلك ضمن مساع حكومية لضم أملاك هيئة الأوقاف من الأراضي والمباني إلى الصندوق السيادي الذي أنشأته الحكومة في أبريل 2018 برأس مال يبلغ مئتي مليار جنيه لدعم الاقتصاد. وكان الرئيس السابق لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام الصحفية الحكومية أحمد السيد النجار قد وصف هذا الصندوق السيادي بـ"البوابة الملكية للخصخصة"، وقال إن الظروف المالية اللازمة لإنشاء أي صندوق سيادي لإدارة الفوائض غير موجودة من الأساس في مصر.
وفي 20 نوفمبر 2016، أصدر وزير الأوقاف مختار جمعة القرار رقم "274" والذي يسمح لأول مرة التصرف في بعض أصول الوقف بناء على تقديرات هيئة الأوقاف سواء بالبيع عبر المزاد العلني أو استبدالها بأراضي أخرى لبناء مشروعات تحتاج إليها الحكومة. وهو ما يخالف الأحكام الشرعية والقوانين المعنية بإدارة شئون الوقف الخيري؛ الغريب في الأمر أن هذا القرار جاء باسم (قرار تحصين وحماية مال الوقف".
وفي في 25 ديسمبر 2017، دعا الجنرال عبدالفتاح السيسي إلى استثمار أموال الأوقاف ومساهمتها فيما أسماها بالمشروعات القومية، حيث وجّه السيسي، خلال اجتماع مع وزير الأوقاف، ورئيس المخابرات العامة، ورئيس الرقابة الإدارية، ورئيس هيئة الأوقاف المصرية، بضرورة تحقيق الاستفادة المثلى من أصول وممتلكات الأوقاف، مشدداً على أهمية حصْر وتقييم تلك الممتلكات بشكل شامل، والنظر في تنفيذ "خطط استثمارية متطورة" لأصول وممتلكات الأوقاف، وتعظيم مساهمتها في المشروعات القومية، بما يساعد على نمو الاقتصاد ويضمن زيادة قيمة الأصول ومواردها؛ الأمر الذي رضخت له الأوقاف رغم مخالفة ذلك للشرع وقوانين الوقف.
وكانت هيئة كبار العلماء التابعة للأزهر الشريف قد تصدت لعبث النظام بأموال الوقف الإسلامي وفي اجتماعها برئاسة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، في 28 مارس 2018، اعتمدت الهيئة القرار الصادر عن مجلس مجمع البحوث الإسلامية، في جلسته المنعقدة 24 جمادى الآخرة 1439هـ الموافق 12 من مارس 2018، برفض نص المادة الأولى من مشروع قانون "هيئة الأوقاف" وأكدت أنه (لا يجوز شرعًا تغيير شرط الواقف، فشرط الواقف كنص الشارع، وعلى ذلك اتفقت كلمة الفقهاء قديمًا وحديثًا، ومن ثم لا يجوز بأي ذريعة مخالفة شرط الواقف، أو التصرف في الوقف على غير ما شرطه، وبناء على ذلك لا يوافق مجمع البحوث الإسلامية على مشروع النص المقترح على خلاف هذه القواعد الشرعية المتفق عليها)، وهو ما أيدته هيئة كبار العلماء في اجتماعها. لكن السيسي ضرب بفتوى الأزهر عرض الحائط وصاديق على القانون في ديسمبر 2020، ثم تلاه بقانون صندوق الوقف الخيري في إصرار على الجريمة وتبديد أموال الوقف الإسلامي. بينما تبقى أموال الوقف المسيحي التابع للكنيسة محميا لا يمس ولا يستطيع النظام الاقتراب منه لأسباب خاصة معلومة للجميع.