لم يعد الشارع المصري يخضع لقواعد يحترمها الصغير والكبير كما كان الوضع في أوقات سابقة؛ وإنما يعاني من حالة فوضى تجعلنا نترحم على الأيام الماضية، حيث كان الشارع جزءا من قيم المجتمع المصري في حين أصبح الآن نموذجا لحالة الانهيار القيمي السائدة في المجتمع، وأصبحت المشاجرات والمعاكسات صورا يومية قبيحة نراها في كل مكان، ترافقها لافتات على جدران المنازل تفتقد للآداب العامة بل وخادشة للحياء حتى وصل الأمر لنشر إعلانات الزواج العرفي والدعارة وغيرها من الإعلانات المسيئة للذوق العام على الجدران.

 

وضع كارثي

من جانبه وصف الدكتور محمود ربيع، خبير الإدارة العامة والمحلية، الشارع المصري بـالإنسان الذي ليس له أهل قائلا إن "كل من أراد به شيئا يفعله".

وقال «ربيع» في تصريحات صحفية إن "الأفلام السينمائية القديمة كانت تصور لنا الشارع على اعتبار أنه حق للمارة، ولكن الآن الوضع كارثي ومهين لكل من يمشى في الشارع، مشيرا إلى أن حكومة الانقلاب أصدرت قانون المحال العامة 154 لسنة 2019، والذي يقضي بأن المحال العامة لها مواعيد فتح وإغلاق، كما ينص على عدم استغلال المحال للأرصفة أمامها، وينظم العلاقة بين المواطن والمحال والأرصفة لكن لا شيء ينفذ من كل هذا".

وأشار إلى أن "هذا القانون مثل غيره من الكثير من القوانين التي لم يتم تنفيذها على أرض الواقع، وهو ما كان من أهم الأسباب وراء ضياع هيبة الشارع المصري".

وتابع ربيع  "الأرصفة المتواجدة في الشوارع ملك للجميع ولابد من الحفاظ عليها مراعاة لكبار السن ، مؤكدا أن الأرصفة المتواجدة في 90% من شوارع المحروسة منفذة بطريقة عشوائية لا تراعي صحة المواطنين، فضلا عن مساحاتها الكبيرة التي تسببت في ضيق حجم الشوارع على الرغم من أنها مهشمة، وجميع الخدمات العامة ملقاة في وسط الشارع مثل أسلاك الكهرباء ومواسير الصرف وأسلاك التليفونات فكل هذا لابد أن يشمله الرصيف بتصميم هندسي خاص وليس عشوائيا".

وأشار إلى "الأحياء القديمة التي مازالت تظهر بمظهر حضاري جميل مثل مصر الجديدة، حيث نجد الأرصفة مصممة على مساحة كافية لتشمل الخدمات العامة مثل الصرف الصحي والكهرباء وأسلاك التليفونات، فضلا عن تصميمة بشكل هندسي جيد مما يسمح للمارة بالصعود إليه بسهولة والسير عليه دون مشكلات".

وأوضح ربيع أن "زحام المناطق الشعبية ظاهرة غير حضارية، بسبب التوك توك الذي يقوده عدد من الأحداث ليس معهم رخصة قيادة أو رخصة للوسيلة نفسها، لافتا إلى أنه مع دخول المدارس يصبح التوك توك وسيلة انتقال سريعة ورخيصة ويزيد الضغط عليه ولكن مع تجاوزات السائقين يصبح عدد كبير من المواطنين مهددين بالموت، الأمر الذي يطرح تساؤلا مهما وهو هل الوضع الحالي يحتاج لمزيد من القوانين أم لوعي المواطنين؟".

واستكمل "عندنا كم كبير من القوانين إلا أنها غير مفعلة، فليس الأمر متوقفا على القوانين وإصدارها، وإنما المشكلة في تفعيل القوانين من قبل الجهات المعنية، منوها بدور منظمات المجتمع المدني في التوعية والإرشاد والإبلاغ عن أي مخالفات".

 

الأسرة عاجزة

وأكدت الدكتورة ولاء شبانة، استشاري علم النفس التربوي أن "مشكلة التدني الأخلاقي أول ثمرة نجنيها من الاحتكاك بالمجتمع الخارجي بداية من الخروج من باب الشقة، وحتى وضع الطوب الخرساني في الشوارع لعدم السماح لأحد بركن سيارته أمام المنازل".

وقالت ولاء شبانة في تصريحات صحفية إن "الأسرة تعد الأداة الأولى لكل ما نراه الآن من سلوكيات في الشوارع، فحينما ينشأ الفرد على الالتزام ينعكس ذلك على سلوكياته في الشارع أو محل العمل، مضيفة لما بنلاقي حد مرتب في عمله بنقول الأساس من بيته نظيف والعكس".

وأشارت إلى أنه "لا يوجد قانون يمكن أن يقنن وحده طريقة تعامل المواطنين في الشوارع، ومن هنا يكون السلوك نابعا من طبيعة الفرد من داخله".

واعترفت ولاء شبانة  أن "الأسرة حاليا عاجزة عن تربية الأبناء رغم أن هذا يمكن تحقيقه من خلال قيام الوالدين بدورهما في غرس القيم والأخلاق في نفوس الأبناء، لتربية جيل سوي أخلاقيا مما ينعكس على هيبة الشارع من جديد".

وأضافت أن "سوء الخلق في الشارع المصري وصل إلى عدم احترام عبور المشاة فأصبح الكثير من المواطنين يتمردون على القانون تارة وعلى أنفسهم تارة أخرى، وفي كلا الحالين يعد مرضا نفسيا فليس القانون وحده كاف لتعديل سلوكيات المواطنين بشكل يومي ولكن لابد أن يكون الالتزام الخلقي بداخله".

وأشارت ولاء شبانة إلى أن "فكرة من أمن العقاب أساء الأدب، تنطبق على كثير من المواطنين الذين يخشون القانون والغرامات فيلتزمون بالقواعد".

وتابعت "لو كل واحد حاول التمسك بالخلق باقتناع دون انتظار كرباج تأديبي له سنصلح حال الجميع وستعود هيبة الشارع من جديد موضحة أن الكثير من المواطنين ينساقون وراء البلطجة التي يعتقدون أنها أصبحت سلاح الحياة متأثرين بالعديد من النماذج الدرامية التي تحث على البلطجة".

وحول ما يقال أن الشهم الآن مصيره الموت، قالت ولاء شبانة "هذه الجملة يقولها البائس عديم الضمير والدين والمريض النفسي، فمع اختلاف أسباب الموت أعمارنا واحدة وهي بيد الله، فإذا تعرض شاب شهم لغيره تجاوز في حق المارة فإن هذا يعكس لنا صورة إيجابية عن الشارع ويعطي مثالا حسنا لغيره من الشباب".

 

تجاوزات أخلاقية

وقالت شاهندا شاور، خبيرة إتيكيت إن "هيبة الشارع المصري قديما كان سببها وقار المواطنين أنفسهم، فكانت الفتاة تسير في الشارع بكل احترام دون إثارة الغرائز، والرجل كان يدل على هويته القوية بشخصيته وكرامته وشهامته حينما يرى أي مظاهر سلبية أمامه".

وأشارت شاهندا شاور في تصرحات صحفية إلى أن "الملابس اليوم لم تعد تفرق بشكل واضح بين الشاب والفتاة، فكلاهما أصبح يرتدي ملابس قريبة من بعضها ما أفقد الشارع الذوق العام، فضلا عما نراه من تجاوزات أخلاقيه تصدر من الفتيات في المواصلات العامة والخاصة والألفاظ الخارجة التي يتلفظن بها فضلا عن أصواتهن العالية".

وأضافت أن "ضغوط الحياة المستمرة والضغوط المالية أصبحت تشكل جزءا من حياتهم اليومية فضلا عن مشكلات الأبناء، مشيرة إلى أن زمان الواحد كان بيخلف 5 و6 ومش بيحس بالتعب معاهم دلوقتي لو معاه عيلين بيبقى تعبان وشقيان ليل ونهار علشان يعرف يصرف عليهم" .

وأوضحت شاهندا شاور أن "الحالة المزاجية لكثير من المواطنين أصبحت في الحضيض لما يشاهدونه من عمليات إجرامية على السوشيال ميديا ليلا ونهارا فأصبح الجبن طبع بداخلهم يحاولون التهرب من المواجهة حفاظا على أرواحهم وعلى أرواح ذويهم".

ولفتت إلى "دور وسائل الإعلام المرئية وضرورة بث برامج مليئة بالطاقة الإيجابية تنمي وعي المواطنين وتزيد من حماسهم تجاه الحياة، وهذا ما كانت تقدمه قنوات التليفزيون قديما عكس ما يحدث اليوم من القنوات الفضائية التي تبث محتوى يتضمن جرائم القتل والمشاجرات والخلافات الدخيلة على مجتمعنا مما شكل نوعا من السلبية في التعامل مع الحياة".

وتابعت شاهندا شاور "حتى الألعاب زمان كان فيها لمة وضحك، وكانت تنمي مواهب وذكاء الأطفال بالإضافة إلى القصص التي تحث على مكارم الأخلاق، مشيرة إلى أن الألعاب الإلكترونية التي ظهرت خلال السنوات الماضية تشكل خطرا على صحة الأبناء بدنيا ونفسيا فمع قضاء ساعات طويلة أمام شاشة التلفاز أو الموبايل يُصاب الطفل بالعصبية، بل قد يصل الأمر إلى إصابة البعض بـالصرع".

وأكدت أن "التطور التكنولوجي شيء جميل ولكن في حالة تعلم الأبناء كل ما هو إيجابي منه وليس سلبيا، مما ينعكس على سلوكيات المواطنين في الشوارع، فقديما كان الأطفال يتجمعون لتحضير الزينة الخاصة بالمناسبات المختلفة مما ينشئ نوعا من الأُلفة والحب بينهم وبين الأهالي، ولكن كل هذه المظاهر اختفت الآن لتحل محلها  الغربة المجتمعية والوحشة التي انعكست على الشارع".

Facebook Comments