سجن وادي النطرون الجديد.. بروباجندا للتغطية على جرائم السلطة

- ‎فيتقارير

أمام حالة البروباجندا التي أطلقتها الأبواق الإعلامية التابعة للنظام العسكري في مصر بشأن افتتاح مجمع سجون وادي النطرون باعتبارها سجنا حديثا أنشئ على الطراز الأمريكي، دانت سبع منظمات حقوقية هذه الحملة الدعائية لتجميل صورة سجن كبير بوصفها حملة غريبة وشاذة ولا مثيل لها في العالم كله. ورأت هذه المنظمات السبع ان  السلطات في مصر لا تجيد سوى فن "البروباجندا" في التعامل مع ملف المحتجزين لديها، مضيفة أنه بدلاً من التعامل بواقعية مع ذلك الملف الحقوقي الحساس، تُصر السلطات المصرية على دفن رأسها في الرمال مؤكدة (السلطات) مرارًا أن الأمور كلها تجري على ما يرام، وهو عكس ما ترصده الكثير من التقارير الحقوقية والأممية عن واقع مراكز الاحتجاز والسجون في مصر.

المنظمات الموقعة على البيان هي حملة المادة 55 – كوميتي فور جستس، والمؤسسة العربية للحقوق المدينة والسياسية – نضال، وحملة حقهم، وهيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية، ومنصة صوت الزنزانة، والمركز المصري للحق في التعليم، والمنظمة العربية للإصلاح الجنائي.

بيان المنظمات الحقوقية السبع يأتي في أعقاب قيام وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب بتنظيم جولة تفقدية داخل سجن وادي النطرون الجديد، التابع لقطاع الحماية المجتمعية (مصلحة السجون سابقًا) بالوزارة، بحضور عدد من البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية، وممثلي المجالس الحقوقية ولجان حقوق الإنسان بمجلسي النواب والشيوخ، وعدد من الإعلاميين ومراسلي الوكالات الأجنبية، والذي تم تشييده في مدة لا تتجاوز 10 أشهر.

وبحسب بيان المنظات فإنه في الوقت الذي تتفاخر فيه وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب بذلك السجن الجديد، وأنه يحتوي على حمامات سباحة وملاعب رياضية مجهزة وقاعات لممارسة المحتجزين هواياتهم المفضلة ومدارس ومستشفى مركزي مجهز بأحدث المعدات والأجهزة الطبية، فإن الأرقام التي رصدتها تقارير حقوقية عدة، حول الأوضاع المعيشية داخل مقار الاحتجاز والسجون في مصر والإهمال الصحي للمحتجزين فيها، خير دليل على أن كل ما يحدث ما هو إلا نوع من أنواع الدعاية المضللة لتحسين صورة النظام. 

 

أرقام مرعبة عن الضحايا

وذكرت المنظمات والحملات أنه منذ بداية عام 2021 وحتى شهر يونيو2021،  تم رصد أكثر من 400 حالة سوء أوضاع احتجاز، و28 حالة وفاة داخل مراكز الاحتجاز، وأكثر من 120 حالة تعذيب، ما يدلل أكثر على أن الأمر لا يعدو كونه محاولة للتجميل لا لعلاج الانتهاكات المستشرية داخل مقار الاحتجاز والسجون في مصر.

كما أشارت المنظمات والحملات إلى أنه من ضمن الخدمات التي تتفاخر الداخلية المصرية بتقديمها في السجن الجديد؛ خدمة تجديد الحبس الاحتياطي للنزلاء وعروض النيابة إلكترونيا، والتي تتعارض مع مبادئ المحاكمة العادلة التي تعد ركيزة من الركائز الأساسية لحقوق الإنسان في النظام العالمي، وتضرب استقلالية القضاء المصري في مقتل. 

وأضافت المنظمات والحملات أنه من خلال ذلك النظام، سيجرى عقد جلسات المحاكمة وتجديد الحبس داخل مقر السجن بشكل غير مباشر، وحينها سيكون المتهم خاضعًا للسلطة التنفيذية، ما يفتح الباب لتعرضه إلى مزيد من الانتهاكات، كما أنه سيكون بعيدًا عن أعين أي رقابة قضائية، فالقاضي لن يرى إلا ما تريد السلطة التنفيذية أن تريه إياه من خلال الكاميرا فقط، كذلك سيفتقد النزيل حقه في الدفاع.

وشددت الحملات والمنظمات على أن السلطات المصرية نسيت أو تناست أن حال مقار الاحتجاز والسجون بمصر لن ينصلح بافتتاح سجن جديد، حتى وإن كان مجهزًا بكل تلك التجهيزات فعليًا، بل سينصلح بأن يكون هناك وضع حد لظواهر الاحتجاز التعسفي، والاحتجاز المطول – الذي يصل إلى سنوات – قبل المحاكمة، والاعتقال المتجدد. وكذا وضع حد لظاهرة التعذيب داخل مقار الاحتجاز والسجون، والتوقف عن محاولات إخفاء هذه الظاهرة الممنهجة، وفتح تحقيقات شفافة ونزيهة وفعالة لمحاسبة المسؤولين عنها، وضمان وصول الضحايا إلى سبل الإنصاف الكافية، وكذا ضمان تعويضهم بالتعويض المناسب.

وجددت الحملات والمنظمات تأكيدها أن مصر لا تحتاج لبناء المزيد من السجون ومقار الاحتجاز فيها، ولكنها تحتاج لفتح صفحة جديدة بين النظام والمواطن، قائمة على بناء وتعزيز قدرات المواطن لا بناء دور عقابية جديدة. كما دعت وزارة الداخلية إلى الكفّ عن سياسة التجاهل والتلميع، واعتماد سياسة جديدة قائمة على الشفافية والوفاء بالوعود فيما يخص الجانب الحقوقي للمحتجزين لديها، وتوفير ظروف معيشية وصحية جيدة لكافة المحتجزين، بلا تفرقة بينهم تبعًا لانتماءات سياسية أو حزبية ضيقة، والتعامل معهم جميعًا من الناحية الحقوقية والإنسانية والقانونية فقط.

وخلال الفترة الماضية يسعى نظام السيسي نحو تجميل صورته في الملف الحقوقي؛ فأطلق ما تسمى بالإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، في يوم السبت 11 سبتمبر 2021م، كما  أعلن عن إلغاء حالة الطوارئ في 25 أكتوبر 2021م، لكنه في المقابل أجرى تعديلات على عدة قوانين تجعل من الإجراءات الاستثنائية التي يتضمنها قانون الطوارئ شكلا طبيعا ودائما.

 

تصورات مشوهة

وبحسب مراقبين فإن نظام السيسي وتحت لافتة "حقوق الإنسان الشاملة" التي جرى ذكرها كثيرا في وثيقة الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان إنما يغازل الغرب من جهة بالحديث عن حقوق المرأة والأقليات وحرية الإلحاد، ومن  جهة أخرى يسعى إلى سحق كل معنى حقيقي وجاد لحقوق الإنسان، ومن خلال تحليل مضامين الوثيقة التي استندت إلى تصورات السيسي المشوهة عن حقوق الإنسان فإن الحديث عن «المفهوم الشامل» لحقوق الإنسان إنما هو إجراء يستهدف به الهروب من انتهاكاته الجسيمة وملفه المتخم بالجرائم؛ وكلماته حول أهمية الحقوق الاقتصادية باعتبارها من حقوق الإنسان الذي لا بد أن تتصدر جهود الحقوقيين من قبيل الحق الذي يراد به باطل؛  صحيح أن الحقوق الاقتصادية من ضمن حقوق الإنسان، وأنه لا حقوق للإنسان من دون مساواة وعدالة في توزيع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لكن هذا ليس مبررا لانتهاكات حقوق الإنسان والقتل خارج إطار القانون وتكميم الأفواه وتلفيق القضايا، وانعدام العدالة والمساواة، والزج بعشرات الآلاف من العلماء والمفكرين والدعاة إلى الله وشباب الثورة في السجون والمعتقلات بتهم سياسة ملفقة لا دليل عليها سوى تحريات أجهزته الأمنية.

من جانب آخر فإن إلحاح الوثيقة على أهمية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا تدعمه توجهاته وسياساته؛ فقد تبنى سياسات رأسمالية متطرفة أفضت إلى سقوط عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر حسب التقديرات  الرسمية ومؤسسات دولية، بعدما تخلت الدولة عن دورها الاجتماعي، ولا يكتفي السيسي بالتحجج بالحقوق الاقتصادية، من أجل الهروب من الالتزام بالحقوق السياسية؛ وإنما أيضا يزداد الفشل كل يوم في تحقيق أي حقوق اقتصادية أو اجتماعية، فليس هناك حقوق سياسية، وأيضا هناك مشكلات متزايدة كل يوم في كل شيء، المواصلات والنظافة والتعليم والصحة والرواتب والأمن والمياه والمرور، فعن أي حقوق اقتصادية يتحدث السيسي؟