French President Emmanuel Macron (R) speaks with Egyptian President Abdel Fattah al-Sisi as he leaves after talks on the escalating conflict in Gaza, where Israeli forces again launched air strikes overnight in response to rocket launches by Islamist group Hamas over the past week, at the Elysee presidential Palace in Paris on May 17, 2021 in Paris. (Photo by Thibault Camus / POOL / AFP)

محتوى التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع «ديسكلوز» الفرنسي، الأحد 21 نوفمبر 2021م، عن تورط المخابرات الفرنسية مع نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي في قتل مئات المصريين الأبرياء بدعوى الحرب على الإرهاب المزعوم، يحمل كثيرا من الدلالات الكبرى التي يتعين التوقف أمامها.

فالتقرير يؤكد ــ أولا ــ أن أجهزة السيسي العسكرية والأمنية تعمدت توظيف ما تسمى بالحرب على الإرهاب لملاحقة المهربين على الحدود المصرية الليبية، فقد استخدمت أجهزة السيسي معلومات استقصائية وفرتها فرنسا من خلال مهمة عسكرية سرية في مصر، لاستهداف مهربين مدنيين على الحدود المصرية الليبية. واعتمد «ديسكلوز»، في تقريره، على المئات من الوثائق العسكرية الفرنسية السريّة التي حصل عليها من خلال أحد المصادر دون تسميته، الأمر الذي يعني أنها معلومات موثوق في صحتها. ويبرهن على ذلك أن المهمة العسكرية المُشتركة بين البلدين التي سُميّت «سيرلي» كان هدفها توفير معلومات استخباراتية عن المسلحين الذين يشكلون خطرًا إرهابيًا على مصر من خلال حدودها الغربية مع الجارة ليبيا التي تشهد انفلاتا منذ الإطاحة بنظام الدكتاتور معمر القذافي. لكن أعضاء فريق الاستخبارات الفرنسي لاحظوا استخدام الجانب المصري للمعلومات لاستهداف مهربين لا علاقة لهم بالإرهاب، وقد أبلغ أعضاء الفريق الفرنسي رؤساءهم بهذه التجاوزات عدة مرات.

ثانيا، التقرير لا يتهم نظام السيسي وأجهزته فقط، بل يتهم أيضا الدولة الفرنسية في عهدي الرئيسين فرانسوا هولاند وخلفه إيمانويل ماكرون الرئيس الحالي، فقد تورطت أجهزة المخابرات الفرنسية عبر خلية سرية تواجدت في مرسى مطروح منذ فبراير 2016م، في استهداف 19 هدفًا مدنيًا خلال الفترة ما بين عامي 2016 و2018، وذلك بتوفيرها معلومات استخباراتية مكّنت الجانب المصري من تنفيذ هذه الهجمات. وغالباً ما دمرت تلك الغارات عدة سيارات، وقد يصل عدد الضحايا إلى عدة مئات. ووفقاً لمعايير القرار رقم 56/83 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإنَّ تواطؤ فرنسا في عمليات الإعدام غير القانونية هذه أمر مؤكد. وبحسب إحدى المذكرات فقد "أصبح تورط القوات الجوية الفرنسية في استهداف المهربين أوضح". وسُجِّل انجراف المهمة الاستخباراتية عن هدفها الأصلي واستخدامها لاستهداف المركبات المدنية.  أحد هذه الهجمات التي استهدفت مدنيين جرت في 6 يوليو 2017، حين قُتل ثلاثة مواطنين في الواحات البحرية إثر سقوط صاروخ عليهم، حيث كان المهندس العامل في رصف الطرق، ويُدعى أحمد الفقي، قد توجه بسيارة دفع رباعي ومعه ثلاثة عمال من الواحات إلى أحد الآبار في منطقة المناجم. وعند وصولهم نَزَلَ أحد العمال لملء المياه، وانتظر الثلاثة الآخرون في السيارة، وخلال هذه اللحظات مَرَتَ طائرة على ارتفاع منخفض، وضربت السيارة بصاروخ ووابل من الطلقات، ما أسفر عن مقتل الثلاثة، بينما لم يُصب العامل الرابع بأذى.

ثالثا، التحقيق الفرنسي هو دليل وبرهان على أن نظام السيسي يمارس القتل الميداني دون محاكمات ودون إدانة، ودون اكتراث للعواقب أو خوف من محاكمة أو مساءلة، وهو ما يؤكد صحة الاتهامات التي توججها المعارضة المصرية والمؤسسات الحقوقية لنظام السيسي. بالطبع لم يكترث نظام السيسي لمحتوى التقرير، ولا يخشى شيئا بوصفه قد هيمن على كل شيء في مصر، لكن التحقيق أثار جدلا واسعا في فرنسا حيث أمرت وزيرة الدفاع الفرنسية، فلورانس بارلي، بالتحقيق في الادعاء، بينما طالب عدد من نواب المعارضة في البرلمان الفرنسي بتحقيقات أخرى، حسبما نشرت وكالة الأنباء الفرنسية. وبحسب التحقيق فقد حول نظام السيسي التعاون الاستخباري الخفي بين الدولتين تحت مبرر الحرب على الإرهاب لتنفيذ حملة إعدامات تعسفية حسب الموقع الفرنسي، وتم إبلاغ الرئيسين الفرنسيين السابق فرانسوا هولاند وخلفه إيمانويل ماكرون باستمرار بالجرائم التي ارتُكبت، لكن دون عواقب.

رابعا، التحقيق يكشف أن النفوذ الفرنسي تزايد في مصر في أعقاب صفقة الرفال في إبريل 2015م والتي ضمت 24 طائرة وفرقاطتين فريم فرنسيتين وكانت قيمة الصفقة نحو 5.6 مليار يورو، ويؤكد التقرير أن الوجود الفرنسي لا يزال قائما في مصر ولا يزال التعاون الاستخباري بين البلدين قائما حتى اليوم رغم كل هذه الجرائم الوحشية. ويكشف التقرير أنه بمجرد انتخابات ماكرون رئيسا لفرنسا في 7 مايو 2017، أعلن في نفس الأمسية أنَّ "أوروبا والعالم يتوقعون منّا الدفاع عن الحريات وحماية المظلومين في كل مكان نحن فيه". ومع ذلك، سارع ماكرون إلى تأكيد استمرار التعاون مع الديكتاتوريات. وبعد ثلاثة أسابيع من دخول ماكرون قصر الإليزيه، اتصل هاتفياً بنظيره المصري، بعد أيام من حادث إرهابي استهدف كنيسة وأعلن تنظيم الدولة "داعش" مسؤوليته عنه. وبحسب تقرير المحادثة، تحول الحديث بسرعة كبيرة إلى الشراكة العسكرية بين باريس والقاهرة. وأكد ماكرون لمحاوره أنه "على علم تام بالعمليات الجارية" في مصر.

خامسا، اللافت أيضا في التحقيق الفرنسي أنه اتهم نظام السيسي بالمبالغة في الإرهاب القادم من جهة الغرب والحدود مع ليبيا، ووفقاً لجليل حرشاوي، الباحث في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية- وهي منظمة غير حكومية سويسرية- فإنَّ "الجيش المصري يبالغ إلى حد كبير في تقدير التهديد الإرهابي القادم من ليبيا من أجل كسب الدعم على المسرح الدولي". فاعتباراً من عام 2017، لم تتأسس أية جماعة إرهابية أو جماعة متطرفة جديدة تدعي أنها إسلامية في الجزء الشرقي من ليبيا. ثم جاء في مذكرة ثانية بتاريخ 3 سبتمبر 2016: "لم يكن هناك أي دليل على معالجة قضية الإرهاب". وبحسب مذكرة بتاريخ 1 يونيو 2017 فإن الإرهاب يأتي في المرتبة الثالثة بين أولويات الشراكة عقب مكافحة التهريب والهجرة غير الشرعية. بما يعني أن السيسي استخدم الحرب على الإرهاب المزعوم وبالغ فيها بهدف قتل مئات المهربين الذين لا علاقة لهم بأي نشاط إرهابي عبر الإعدام الميداني دون ضبط أو تحقيق أو محاكمة.

سادسا، يعلق الموقع الفرنسي على سياسيات بلاده والرئيس ماكرون قائلاً: "يبقى دعم الديكتاتورية هو الأولوية مهما كلف الثمن".  وفي 5 ديسمبر 2020، قلّد إيمانويل ماكرون السيسي وسام جوقة الشرف خلال مأدبة عشاء أقيمت في الإليزيه. وبعد أربعة أشهر من الاحتفال، طلبت مصر، في سرية، 30 طائرة رافال من فرنسا بقيمة 3.6 مليار يورو. وبحسب معلومات الموقع فإنَّ الجيش الفرنسي ما زال منتشراً في الصحراء المصرية.

Facebook Comments