نشرت صحيفة “ميدل إيست آي” مقالا للدكتور آفي شلايم، الأستاذ الفخري للعلاقات الدولية في جامعة أكسفورد، سلط خلاله الضوء على قرار وزيرة الداخلية البريطانية إدراج حركة المقاومة الإسلامية حماس كمنظمة إرهابية، مؤكدا أن القرار يُعد خيانة بريطانية أخرى للفلسطينيين.

وقال شلايم إن “قرار الداخلية البريطانية تصنيف خصوم إسرائيل السياسيين على أنهم إرهابيون، يعفي دولة الاحتلال من الحاجة إلى التفاوض والحصول على تصريح من حلفائها للاستمرار في استخدام القوة العسكرية المجردة.

وأعلنت وزيرة الداخلية البريطانية بريتي باتل نيتها حظر حركة حماس بأكملها – حركة المقاومة الإسلامية التي تحكم قطاع غزة – واعتبارها منظمة إرهابية.

يذكر أن الجناح العسكرى للجماعة محظور في المملكة المتحدة في مارس 2001، وبعد عشرين عاما، يقترح وزير الداخلية تمديد هذا الحظر ليشمل الجناح السياسي من خلال الاحتجاج بأن التمييز بين الجناحين لم يعد ممكنا، وحقيقة الأمر هي أن هذا التمييز كان قابلا للاستمرار في عام 2001 ولا يزال ممكنا اليوم، والأكثر من ذلك أنه تمييز حاسم.

جاء إعلان باتل بعد وقت قصير من وصف بني غانتس، وزير الدفاع الإسرائيلي، ست منظمات غير حكومية فلسطينية بأنها منظمات إرهابية، وجاء هذا التعيين في أعقاب قرار المحكمة الجنائية الدولية بإجراء تحقيق واسع النطاق في جرائم الحرب المزعومة المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كان جانتس رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي أثناء هجومه على غزة في يوليو 2014، حيث قتل ما لا يقل عن 2256 فلسطينيا، من بينهم 1462 مدنيا، بينهم 551 طفلا، وهذا يجعل غانتس متهما رئيسيا في التحقيق في جرائم الحرب التي تجريها المحكمة الجنائية الدولية، ووافقت حماس على التعاون مع تحقيق المحكمة الجنائية الدولية؛ ورفضت إسرائيل.

 

العلاقات الإسرائيلية مع المحافظين

كانت ردود الفعل على إعلان باتل مستقطبة بشكل متوقع، وقال مسؤول في حماس إن “هذه السياسة تنحاز بشكل مطلق إلى الاحتلال الإسرائيلي، وترضخ للابتزاز والإملاءات الإسرائيلية،  واتهم المملكة المتحدة بدعم المعتدين على حساب الضحايا، وقد رحب مجلس نواب اليهود البريطانيين بهذه الخطوة بحرارة، وأشادت وسائل الإعلام الإسرائيلية بالقرار البريطاني باعتباره انتصارا للدبلوماسية الإسرائيلية.

وعلى مستوى أعمق، كان التحول في السياسة البريطانية نتاجا للعلاقات الوثيقة بين إسرائيل وحزب المحافظين، وتمارس دولة الاحتلال  الضغط على الحكومة البريطانية حول هذه القضية منذ فترة، وحث رئيس الوزراء نفتالي بينيت بوريس جونسون على تجريم حماس بأكملها عندما التقى به الشهر الماضي في مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في غلاسكو.

ولم تكن باتل في حاجة إلى أية رغبة في فعل ما تريده إسرائيل، وفي عام 2017، عندما كانت وزيرة للتنمية الدولية، قامت برحلة حرة إلى دولة الاحتلال دون إبلاغ رئيسة الوزراء آنذاك تيريزا ماي أو بوريس جونسون، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير الخارجية، وبينما كان يتظاهر بأنه في عطلة خاصة، عقدت باتل سلسلة من الاجتماعات السرية مع مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، بمن فيهم رئيس الوزراء آنذاك بنيامين نتنياهو، ورتب اللورد بولاك، الرئيس الفخري لأصدقاء إسرائيل المحافظين، شخصيا 12 اجتماعا من هذه الاجتماعات.

ولدى عودتها طلبت باتل من مسؤوليها بحث إمكانية تحويل بعض ميزانية المساعدات الخارجية لتمكين جيش الاحتلال من القيام بأعمال إنسانية في مرتفعات الجولان المحتلة، وقد أُجبرت على الاستقالة واعترفت بأفعالها التي لا ترقى إلى المعايير السامية التي يتوقع أن يتبعها وزير الخارجية.

كانت باتل على اتصال وثيق مع المسؤولين الإسرائيليين وجماعات الضغط من أجل إسرائيل في المملكة المتحدة، فضلا عن نظرتها اليمينية للعالم، الأمر الذي جعلها حريصة على ابتلاع رواية إسرائيل عن حماس، وهذا السرد مشوّه تماما وتخدم الذات بشكل صارخ، ولكن هنا بعض الحقائق ذات الصلة.

ظهرت حماس عام 1988 في بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، وكانت لها في الأصل غرضا مزدوجا يتمثل في الكفاح المسلح ضد دولة الاحتلال وتنفيذ برامج الرعاية الاجتماعية.

وعرّف ميثاقها فلسطين التاريخية، بما فيها إسرائيل الحالية، بأنها أرض إسلامية بحتة واستبعد أي سلام دائم مع الدولة اليهودية، في تسعينيات القرن العشرين بدأت حماس في شن كفاح مسلح ضد الاحتلال، في البداية، اتخذ ذلك شكل إطلاق صواريخ من قطاع غزة على البلدات والمراكز المدنية الإسرائيلية، وأصبحت حماس مرتبطة بالتفجيرات الانتحارية التي نفذتها داخل الأراضي المحتلة .

وأصبح مصطلح التفجير الانتحاري يظهر في نظر الرأي العام كشكل مروع  من أشكال الحرب، وهذه التفجيرات الانتحارية هي في نهاية المطاف وسيلة لإيصال القنابل إلى أهدافها، وإذا ما حكمنا عليها فقط من خلال النتائج المميتة، فإنها لن تكون أكثر ترويعا من قنبلة تزن طنا واحدا أسقطتها طائرة حربية إسرائيلية من طراز إف 16 على مبنى سكني في غزة.

وبغض النظر عن وسائل إيصالها، فإن قتل المدنيين خطأ، وفي عام 2004، اتخذت القيادة السياسية لحركة حماس قرارا إستراتيجيا بإنهاء التفجيرات الانتحارية.

 

حماس وفتح

وفي أعقاب انسحاب إسرائيل الأحادي الجانب من غزة في أغسطس 2005، بدأت حماس في الانخراط في العملية السياسية الفلسطينية الداخلية، في مواجهة حزب فتح الرئيسي الذي هيمن على السلطة الفلسطينية، ومن مقرها في رام الله، حكمت السلطة الفلسطينية الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء.

وكان ينظر إلى فتح على نطاق واسع باعتبارها فاسدة ومقاولا من الباطن للأمن الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، وعلى النقيض من هذا، كانت حماس تتمتع بسمعة طيبة فيما يتصل بالنزاهة في الحياة العامة، فضلا عن سجلها الحافل بالمقاومة الحقيقية للاحتلال الإسرائيلي.

وفي يناير 2006، وبعد الفوز بالأغلبية المطلقة في انتخابات نزيهة، شكلت حماس حكومة جديدة، ورفضت دولة الاحتلال الاعتراف بذلك، وكذلك فعلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومن الناحية النظرية، كانوا يفضلون الديمقراطية، ولكن عندما صوت الناس لصالح الحفنة الخطأ من الساسة من وجهة نظرهم، لجأت دولة الاحتلال وحلفاؤها الغربيون إلى عقوبات دبلوماسية واقتصادية شديدة لتقويضها.

وفي مارس 2007، شكلت حماس حكومة وحدة وطنية مع عدوتها اللدودة فتح، واقترحت هذه الحكومة إجراء محادثات مباشرة مع الكيان الصهيوني حول وقف إطلاق نار طويل الأمد، فقد رفضت إسرائيل التفاوض، وكانت تخطط بدلا من ذلك لإخراج حماس من السلطة والاستعاضة عنها بنظام فتح المتعاون، وترد تفاصيل المؤامرة في أوراق فلسطين، التي تحتوي على 1600 وثيقة دبلوماسية تم تسريبها إلى الجزيرة والجارديان.

ولقد استبقت حماس هذا الانقلاب بالاستيلاء العنيف على السلطة في غزة في يونيو 2007، الأمر الذي أدى إلى طرد القوات الموالية لفتح، وردت إسرائيل بفرض حصار على قطاع غزة، الذي لا يزال ساريا اليوم بعد 14 عاما، لقد تسبب الحصار بانهيار الاقتصاد، وارتفاع معدلات البطالة، والنقص الحاد في المياه والأغذية والأدوية، والمعاناة المريعة لسكان القطاع البالغ عددهم مليوني نسمة، فالحصار هو شكل من أشكال العقاب الجماعي الذي يحظره القانون الدولي، ومع ذلك لم يحاسب المجتمع الدولي دولة الاحتلال.

ومنذ عام 2008، وقعت أربعة هجمات إسرائيلية كبيرة على غزة، أدت إلى وقوع قتلى ودمار على السكان المدنيين، كما وقعت عدة اتفاقات لوقف إطلاق النار توسطت فيها مصر بين إسرائيل وحماس، وقد احترمت حماس كل منها وانتُهكت من جانب إسرائيل عندما لم تعد تلائم أهدافها.

 

عملية الرصاص المصبوب

وفي ديسمبر 2008، شن الجيش الإسرائيلي أول هذه الهجمات، وهي عملية الرصاص المصبوب، وخلال هذه العملية، ارتكبت القوات الإسرائيلية سلسلة من جرائم الحرب التي تم توثيقها بالتفصيل في تقرير جولدستون الصادر عن الأمم المتحدة، كما وجد تقرير جولدستون حماس مذنبة، ولكنه أبقى على دولة الاحتلال نفس القيود الصارمة.

وقدمت دولة الاحتلال عملية الرصاص المصبوب كتدبير دفاعي لحماية مدنييها من الصواريخ التي تطلق من غزة، ولكن إذا كان هذا هو الهدف، فكل ما كان على إسرائيل فعله هو أن تحذو حذو حماس وتلتزم بوقف إطلاق النار، ولم تلتزم حماس بوقف إطلاق النار فحسب، بل عملت على فرضه على الجماعات العاملة في قطاع غزة مثل الجهاد الإسلامي، وفي الواقع، معظم القوة النارية المميتة لجيش الاحتلال كانت موجهة ضد أحياء مدنية.

وخلص التقرير إلى أن ما حدث في غضون ثلاثة أسابيع فقط في نهاية عام 2008 وبداية عام 2009 كان هجوما متعمدا غير متناسب يهدف إلى معاقبة السكان المدنيين وإذلالهم وترويعهم وإرغامهم على شعور متزايد بالتبعية والضعف”.

والادعاء بأن العملية كانت تهدف إلى إرهاب السكان المدنيين يحتاج إلى تأكيد، فالإرهاب هو استخدام القوة ضد المدنيين لأغراض سياسية، وبموجب هذا التعريف، كانت عملية الرصاص المصبوب عملا من أعمال إرهاب الدولة، وكذلك كانت الهجمات الإسرائيلية اللاحقة على غزة في الأعوام 2012 و 2014 و 2021.

وفي عام 2017، أصدرت حماس وثيقة سياسية خففت من مواقفها السياسية السابقة بشأن دولة الاحتلال واستخدمت لغة أكثر اعتدالا عن الشعب اليهودي ولم تعترف رسميا بإسرائيل، لكنها قبلت رسميا قيام دولة فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية تكون عاصمتها القدس الشرقية.

بعبارة أخرى، قبلت حماس قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، كما أكدت الوثيقة أن نضال حماس ليس مع اليهود بل مع المعتدين الصهاينة المحتلين.

 

ضغوط اللوبي الإسرائيلي

لماذا إذن اختارت الحكومة البريطانية هذه اللحظة لتجريم الجناح السياسي لحركة حماس، بعد تجريم جناحها العسكري قبل عشرين عاما؟ وجزء من الإجابة هو أن ذلك تم استجابة لضغوط من اللوبي الإسرائيلي، وإذا كان من حق دولة الاحتلال وواجبها حقا أن تحمي مدنييها من الهجمات الفلسطينية، فإن أبسط وأضمن طريقة لحماية مواطنيها هي التوصل إلى اتفاقات طويلة الأمد لوقف إطلاق النار مع القيادة السياسية لحركة حماس.

فمن خلال وصف خصومها السياسيين بأنهم إرهابيون، تعفي إسرائيل نفسها من الحاجة إلى التحدث إليهم وتحصل على موافقة حرة من حلفائها الغربيين للجوء إلى أسلوب العمل الذي أدمنت عليه وهوالقوة العسكرية العارية،  والذين يدفعون الثمن هم المدنيون من كلا الجانبين، وخاصة سكان غزة العزل، أكبر سجن في الهواء الطلق في العالم.

 

سلسلة خيانات المملكة المتحدة

لا ينغمس الأصدقاء الحقيقيون في إدمان أصدقائهم ولكنهم يحاولون فطمهم عنه، بالكاد يمكن أن يكون بوريس جونسون أكثر تساهلا، يمتد تحيزه إلى مقاومة جميع المحاولات الدولية لمحاسبة دولة الاحتلال على أعمالها العدوانية وسلوكها غير القانوني، إنه يعارض وعلى سبيل المثال، تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في جرائم الحرب المزعومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي رسالة وجهها إلى أصدقاء إسرائيل المحافظين، قال إن “حكومته تحترم استقلال المحكمة ، لكنها تعارض هذا التحقيق بالذات، وكتب، هذا التحقيق يعطي انطباعا بأنه هجوم جزئي ومضر على صديق وحليف للمملكة المتحدة، والمنطق الشاذ لهذا البيان هو أن كون دولة الاحتلال صديقة وحليفة للمملكة المتحدة يضعها فوق القانون الدولي”.

سؤال أخير، لماذا أعلن وزير الداخلية بدلا من وزير الخارجية عن التحول الأخير في السياسة ضد الفلسطينيين؟ وتزعم باتل أن تصوير حماس بالكامل باعتبارها منظمة إرهابية لابد وأن يُنظر إليه من منظور محلي، وسوف تساعد على حماية اليهود في هذا البلد، وهذا أمر سخيف، حيث تمارس حماس حقها بموجب القانون الدولي في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، الذي هو أطول احتلال عسكري وحشي في العصر الحديث، كما أن ترويع وتجريم الجناح السياسي لحركة حماس لن يجعل اليهود البريطانيين أكثر أمنا.

وفي مايو، قامت دولة الاحتلال، في استخدام غير متناسب للقوة، بقصف جوي لغزة أسفر عن مقتل 256 فلسطينيا، من بينهم 66 طفلا، وقد سجلت منظمة أمن المجتمع، وهي منظمة خيرية معنية بسلامة وأمن اليهود في المملكة المتحدة، زيادة مروعة في الهجمات العنصرية خلال ذلك الشهر فاقت كل ما رأيناه من قبل.

إذا كانت الحكومة البريطانية تريد حقا جعل اليهود في هذا البلد يشعرون بالأمان، فينبغي لها أن تكف عن إلقاء اللوم على الضحايا الفلسطينيين بسبب مأساتهم، كما يتعين عليها أن تحث حليفتها إسرائيل على احترام القانون الإنساني الدولي، والالتزام باتفاقات وقف إطلاق النار، وضبط النفس في استخدام القوة العسكرية، والتحدث إلى القيادة السياسية لحماس.

لن تؤدي خطوة باتل الأخيرة سوى إلى فضح الإفلاس الذريع لسياسة الحكومة المحافظة تجاه دولة الاحتلال وفلسطين، تزعم الحكومة أنها تدعم حل الدولتين للصراع، ولكن على الرغم من الأصوات البرلمانية المتكررة لصالح الاعتراف بفلسطين فإن الحكومة ترفض التزحزح.

عندما كان وزير الخارجية، أخبر بوريس جونسون مجلس العموم بأن الحكومة المحافظة سوف تعترف بفلسطين عندما يحين الوقت المناسب، ولكن بالنسبة للحكومة التي يترأسها الآن، فلن يكون الوقت مناسبا على الإطلاق، فالتوقيت ليس سوى ذريعة للتأجيل والاستمرار في الوقت نفسه في استرضاء إسرائيل.

مما لا شك فيه أن الاعتراف البريطاني بفلسطين لن يصلح التباين الهائل في القوة بين الطرفين، ولكنه سوف يمنح الفلسطينيين قدرا من الاحترام المتبادل، وهذا أقل ما تستطيع بريطانيا أن تقدمه للفلسطينيين اليوم، نظرا لسلسلة الخيانة الطويلة التي ترجع إلى إعلان بلفور قبل قرن من الزمان.

في كتابه الصادر عام 2014 بعنوان عامل تشرشل، كتب جونسون إن “إعلان بلفور كان غريبا، ووثيقة غير متماسكة بشكل مأساوي وقطعة رائعة من الفودجراما.

واليوم أصبح لدى جونسون من موقع سلطته فرصة فريدة لتصحيح خطأ تاريخي فظيع، تجريم حماس قد يرضي إسرائيل واليمين في حزبه، لكنه سيزيد من إفساد سجل بريطانيا الأسود أصلا باعتباره خيانة الشعب الفلسطيني.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/uk-israel-palestine-hamas-criminalisation-betrayal

Facebook Comments