نشرت صحيفة "فاينانشيال تايمز" تقريرا سلطت خلاله الضوء على أبعاد وتداعيات تغيير السياسة الخارجية التركية والتقارب مع عدد من خصوم أنقرة، وفي مقدمتهم مصر على قنوات المعارضة في إسطنبول.  

وبحسب التقرير الذي ترجمته "بوابة الحرية والعدالة" فعلى مدى ست سنوات، بثت قناة الشرق بحرية من إسطنبول، وبثت انتقادات للنظام الاستبدادي في القاهرة في جميع أنحاء العالم العربي.

ولكن في الأشهر الأخيرة، تغيرت الأمور، ففي ظل اقتصاد ضعيف، سعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إعادة بناء العلاقات مع خصومه السابقين في جميع أنحاء الشرق الأوسط في محاولة لتعزيز التجارة والاستثمار، وقد جاء ذلك مصحوبا بعواقب على القنوات المصرية التي جعلت من تركيا، الملاذ النادر للمعارضة العربية، موطنا لها.

وقال أيمن نور، المرشح الرئاسي المصري السابق، الذي يملك قناة الشرق ومقرها إسطنبول إن "المسؤولين الأتراك طلبوا منه مرارا وتكرارا التخفيف من حدة انتقادات محطته".

وأضاف قيل لي إن "الدولة التركية تسعى إلى التقارب مع المنطقة، ووضع المصريون شرطا واضحا للغاية، وهو إغلاق تلك القنوات التلفزيونية التي كانت تبث من تركيا وتضييق مساحة عملها".

وقال نور إن "قناة الشرق واجهت طلبات من تركيا لحذف موضوعات من موقعها الإلكتروني، وطلب من القناة عدم التحدث على الإطلاق عن عبد الفتاح السيسي أو رئيس المخابرات أو أي فرد من عائلة السيسي".

وقناة الشرق ليست القناة الوحيدة التي تشعر بالضغط، ففي الشهر الماضي، قالت قناة مصرية أخرى، هي قناة مكملين المناهضة بشدة للسيسي إنها "ستنهي عملياتها في تركيا، بعد ثماني سنوات من العمل".

وجاء هذا الإعلان بعد ساعات فقط من اجتماع رمزي للغاية بين أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حليف السيسي، وفي بيان عام، قالت مكملين إنها "ستنقل إستوديوهاتها وأنشطتها الأخرى خارج البلاد بسبب الظروف التي لا تخفى على أحد، والتي ينظر إليها على نطاق واسع على أنها إشارة إلى التقارب بين أنقرة والمنافسين السابقين، وشكرت تركيا على كرم ضيافتها في السنوات الأخيرة ، وإنها بحاجة إلى نقل عملياتها من أجل مواصلة نقل الحقيقة كاملة". 

ويقول صحفيون مصريون وشخصيات معارضة في تركيا إن "السيسي القائد العسكري السابق الذي استولى على السلطة في انقلاب عام 2013، جعل التقارب مشروطا بأن تضغط أنقرة على القنوات للإغلاق أو على الأقل تخفيف تغطيتها لنظامه".

وقال حمزة زوبع، وهو مقدم سابق في برنامج "مكملين" ورئيس رابطة الإعلاميين المصريين في الخارج "لقد أصبح من الواضح جدا أن هناك ضغطا هائلا ويمكن أن يدفع وسائل الإعلام إلى إعادة التفكير، مكملين ستغلق هنا، لأنهم لا يرغبون في وضع الحكومة التركية في حرج مع أصدقائها العرب".

وكانت أنقرة على خلاف مع السعودية والإمارات الدولتين الخليجيتين منذ أن قررت دعم الانتفاضات التي هزت العالم العربي في 2011.

بعد أن استولى السيسي على السلطة عقب الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر ، شن حملة قمع وحشية ضد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من المنتقدين، وسعى الكثيرون إلى ملاذ آمن في تركيا، التي وفرت لهم منصة نادرة للتنفيس عن حكم السيسي ، بينما كان يرأس النظام الأكثر استبدادية في مصر منذ عقود.

ولكن مع تعرض الاقتصاد التركي لضغوط ومحاولة أردوغان لإعادة انتخابه العام المقبل، بدأ الرئيس التركي العام الماضي في مغازلة منافسيه الخليجيين ومصر في محاولة لتعزيز التجارة والاستثمار وتهدئة التوترات الإقليمية.

وكانت المقايضة الأكثر بروزا في هذه الخطوة هي قرار تركيا الشهر الماضي بوقف المحاكمة الغيابية لـ 26 سعوديا متهمين بقتل جمال خاشقجي عام 2018. وأدت وفاته في قنصلية المملكة في إسطنبول إلى تدهور العلاقات بين القوتين الإقليميتين إلى مستوى منخفض جديد، وكان إسقاط القضية مطلبا سعوديا رئيسيا في الفترة التي سبقت التقارب الشهر الماضي.

ومع ذلك، فقد ثبت أن الانفراج مع القاهرة أكثر صعوبة، وعقد مسؤولون مصريون وأتراك جولتين من المحادثات لكن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو اعترف في وقت سابق من هذا الشهر بأن التقدم كان "أبطأ قليلا" من الدول الأخرى، وأعرب عن أمله بأن المسؤولين الأتراك سيزيدون اتصالاتهم مع مصر.

وتعاطف العديد من المنفيين المصريين مع موقف حكومة أردوغان وأعربوا عن امتنانهم لها لأنها تواصل توفير ملجأ لهم. ويقولون إنه "لم يكن هناك أي ضغط عليهم لمغادرة البلاد، وقد تم منح حوالي 90 في المائة من 800 شخص أو نحو ذلك ممن يعملون في وسائل الإعلام المصرية المعارضة في البلاد جوازات سفر تركية، وفقا لأبو بكر خلاف، رئيس شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومقرها إسطنبول، وهي جمعية صحفيين، وقال "تركيا حلت مشكلة هؤلاء الناس".

لكن البعض يتساءل الآن عما إذا كان لوسائل الإعلام المعارضة المصرية مستقبلا، وفي حين قالت مكملين، التي لها صلات بجماعة الإخوان المسلمين، إنها "ستنتقل إلى مكان آخر، إلا أنه لا يزال من غير الواضح إلى أين ستذهب".

ولا تزال قناة الشرق تعمل انطلاقا من إسطنبول لكنها تلقت ضربة قوية وتدرس إنشاء إستوديوهات في بلدان أخرى، وقال نور إن "معتز مطر المذيع الأكثر شعبية، استقال لإنشاء قناته الخاصة على يوتيوب في لندن بدلا من الالتزام بالقيود، وسجل مالك صحيفة الشرق حزبه السياسي الغد في فرنسا ونقل بعض أنشطته إلى خارج البلاد لتخفيف الضغط الواقع على الجانب التركي".

وأضاف نور "علينا التكيف مع بعض التغييرات من أجل الحفاظ على وجودنا في تركيا لأطول فترة ممكنة، لكننا بالطبع لسنا سعداء بهذا القمع لعملنا".

 

https://www.ft.com/content/fe4e8dbf-9948-4f7a-80fe-80a42aaf2b19

 

 

Facebook Comments