أبرمت شركة "الظاهرة" الإماراتية اتفاقية استراتيجية بقيمة تصل إلى 500 مليون دولار مع الهيئة العامة للسلع التموينية لتوريد القمح إلى مصر لمدة خمس سنوات، بدعم من مكتب أبوظبي للصادرات "أدكس".
تأتي هذه الاتفاقية ضمن مشهد متسارع من الصفقات الاقتصادية الكبرى، تواصل من خلالها الإمارات توسيع نفوذها الاقتصادي في مصر عبر سلسلة من الاتفاقيات والاستحواذات التي تثير تساؤلات جوهرية حول سيادة القرار الاقتصادي المصري، ومدى قدرة الدولة على الحفاظ على أمنها الغذائي والطاقوي في ظل تزايد الاعتماد على رأس المال الخليجي.
توريد أم هيمنة على لقمة العيش؟
وما يجعل هذه الصفقة مثيرة للقلق ليس فقط حجمها المالي، بل طبيعة السلعة نفسها. فالقمح في مصر ليس مجرد سلعة استراتيجية، بل هو قضية أمن قومي مرتبطة بلقمة عيش المواطن المصري، حيث تبلغ احتياجات المصريين من القمح نحو 22 مليون طن سنوياً، بينما لا يتجاوز متوسط إنتاج الفدان نحو 2.7 طن فقط.
وتعد مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، حيث تستورد نحو 12.5 مليون طن سنوياً، وتحتاج شهرياً نحو 750 ألف طن، يتم استيراد 60% منها بينما يغطي الإنتاج المحلي 40% فقط من الاحتياجات.
أزمة الدولار
تأتي هذه الاتفاقية في وقت تعاني فيه مصر من أزمة حادة في العملة الصعبة، حيث أشارت تقارير إلى أن القاهرة توحي بعدم قدرتها على دفع مستحقات واردات القمح بالدولار، مع تأخر الهيئة الحكومية المسؤولة عن شراء الحبوب في فتح خطابات اعتماد لدفع مستحقات واردات القمح.
وبدلاً من معالجة جذور الأزمة عبر تعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الاستيراد، يتم اللجوء إلى عقود طويلة الأمد مع جهة واحدة، مما يطرح تساؤلات حول الشروط الفعلية لهذه الاتفاقية، وهل تمثل حلاً حقيقياً أم مجرد مسكنات تزيد من التبعية؟
وتحويل الالتزام إلى ترتيب تشغيلي طويل الأمد يحول الاتفاقية ما بدأ كالتزام استراتيجي عام 2023 إلى عقد ملزم لمدة 5 سنوات، مما يعني رهن جزء كبير من واردات مصر الاستراتيجية من القمح لجهة واحدة.
وغياب الشفافية حول شروط التمويل، حيث لم تُكشف تفاصيل أسعار التوريد، وشروط السداد، والضمانات المقدمة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى تناسب هذه الاتفاقية مع احتياجات السوق المصري.
ويظهر أن الأمن الغذائي بين أيدي طرف واحد من جانب تركيز توريد سلعة استراتيجية مثل القمح في يد شركة واحدة يضعف القدرة التفاوضية لمصر مستقبلاً، ويجعل أمنها الغذائي رهينة لعلاقاتها مع طرف بعينه.
الشروط الفعلية لاتفاقية توريد القمح
وتصاعدت أسئلة وتداولها ناشطون عبر مواقع التواصل مثل: ولماذا لا يتم الاعتماد على تنمية الإنتاج المحلي من القمح بدلاً من عقود الاستيراد طويلة الأمد، خاصة مع وجود مشروعات مثل "الدلتا الجديدة" لزراعة 2.2 مليون فدان؟
ما هو حجم الأرباح التي ستعود على الشركات الإماراتية مقابل ما ستحصل عليه مصر؟ وهل هناك ضمانات بعدم تحول هذه الاستثمارات إلى أدوات ضغط سياسي على القرار المصري؟ وكيف ستؤثر هذه الاتفاقية على أسعار الخبز والسلع الأساسية للمواطن المصري البسيط؟
ما يحدث ليس مجرد صفقات تجارية عادية، بل إعادة هيكلة للاقتصاد المصري بما يخدم أجندة خارجية. فبينما تحتاج مصر إلى شراكات متوازنة تحفظ سيادتها وتعزز قدراتها الذاتية، نجد أنفسنا أمام نمط متصاعد من الاعتماد على رأس المال الإماراتي في الغذاء والطاقة والعقارات، وهو ما يستدعي وقفة جادة لمراجعة هذه السياسات قبل فوات الأوان.
فالقضية هنا ليست مجرد أرقام وعقود، بل تتعلق بلقمة عيش المواطن المصري الذي يعاني أصلاً من ارتفاع الأسعار وتآكل قيمة العملة، وبمستقبل الأمن الغذائي والطاقوي للبلاد، وبمدى قدرة مصر على الحفاظ على سيادتها الاقتصادية في مواجهة موجات الاستحواذ الأجنبي.
أزمة الدعم وارتفاع الأسعار
يأتي هذا في وقت تتصاعد فيه الضغوط على المواطن المصري، حيث تصل قيمة دعم الخبز وحده في مصر إلى حوالي 1.5 مليار دولار سنوياً.
ومع ارتفاع أسعار القمح بنسب تراوحت بين 10 إلى 18 بالمائة، تزداد المخاوف من أن تؤدي هذه الصفقات إلى مزيد من الضغوط على ميزانية الدعم، وبالتالي على جيب المواطن البسيط الذي يعتمد على الخبز المدعم كوجبة أساسية. وقد ارتفعت نسبة انعدام الأمن الغذائي في مصر إلى 33% من السكان، أي ما يعادل 35 مليون شخص.
"أدنوك للحفر"… شراكة أم استحواذ تدريجي؟
في سياق متصل، بحث وزير البترول المصري كريم بدوي مع الرئيس التنفيذي لشركة "أدنوك للحفر" الإماراتية فرص إقامة شراكات استراتيجية للمشاركة في تنفيذ برنامج موسع لحفر الآبار البرية والبحرية.
والبرنامج الطموح بلا تمويل واضح؛ حيث أعلنت الوزارة عن خطة لزيادة أعمال الحفر خلال السنوات الخمس المقبلة، لكن دون الإشارة إلى مصادر التمويل، وهو ما يفتح الباب أمام شروط الإماراتيين.
ويرى مراقبون أن الاعتماد على شركة واحدة بعد أن أشادت حكومة السيسي المتكررة بقدرات "أدنوك" وتفضيلها على غيرها من الشركات العالمية يطرح سؤالاً: لماذا هذا التوجه الحصري نحو الشركات الإماراتية تحديداً؟
مستقبل شركة الحفر المصرية EDC: الحديث عن التعاون مع "أدنوك" يثير مخاوف من تهميش الشركة المصرية الوطنية، التي تمتلك تاريخاً طويلاً وخبرات متراكمة، لصالح الشركات الأجنبية.
"سوديك" ..بيع الأرض أم بيع السيادة؟
وتستعد شركة "سوديك" لطرح مرحلة جديدة من مشروع "سيزر" في رأس الحكمة، في خطوة تعكس حجم الإقبال الكبير على المشروع. لكن هذا الإقبال يخفي خلفه قصة أوسع، فالصفقة التي أبرمتها الحكومة المصرية مع الإمارات لتطوير رأس الحكمة، وما تلاها من استحواذات إماراتية واسعة، تطرح تساؤلات حول مدى عدالة تقييم الأصول المصرية، وكون رأس الحكمة نموذجاً للتفريط.
وعكست مشاهد فرض إدارة منتجع "مراسي" المملوك لشركة "إعمار" الإماراتية شروطاً أمنية وتعقيدات إدارية على المواطنين المصريين، واقعاً مريراً لتحول السيادة الوطنية إلى سلطة خاصة، فضلا عن تحول السواحل المصرية إلى جيوب استثمارية أجنبية.