سط استمرار العجز السياسي والاقتصادي الذي يديره نظام السيسي في مصر، تتعاظم الأزمات الاقتصادية والمجتمعية ، والتي خف صداها منذ اندلاع الحرب لصهيونية على قطاع غزة المحاصر، والذي يأتي كفرصة بقاء للسيسي ، يستغلها لنقل تركيز المواطنين على جرائمه بالداخل، سواء العجز المالي والغلاء وانهيار قيمة العملة المحلية وغيرها من الكوارث التي تضرب المجتمع المصري، الذي يعاني من جانب آخر من القهر السياسي وانغلاق أفق التغيير والإصلاح، بجانب العسكرة والقهر الأمني المتصاعد على عموم الشعب.
وخلال الأيام الأخيرة، توالت التقارير الصادرة عن هيئات اقتصادية ومالية ونقدية حول العالم بشأن مستقبل الاقتصاد المصري وقدرة الحكومة على سداد الديون، المقدرة بـ29 مليار دولار خلال العام المقبل، وسط مخاوف من إعلان الدولة إفلاسها في حال لم تتمكن من سدادها مع الصعوبات التي تواجه برنامج بيع الشركات والهيئات الحكومية وحالة الجمود التي تسيطر على الاتفاق الموقّع مع صندوق النقد الدولي.
تقارير دولية
وخفض البنك الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري بمقدار 0.3 نقطة؛ ليصل إلى 3.7% خلال العام المالي الحالي، كما أصدرت وكالة التصنيف الائتماني “موديز”، قرارا بخفض التصنيف الائتماني السيادي لمصر بالعملات المحلية والأجنبية من درجة B3 إلى درجة Caa1 مع نظرة مستقبلية مستقرة، وحذّرت في الوقت ذاته من تراجع قدرة البلاد على تحمل الديون.
وكشفت شركة “فاينانشال تايمز فوتسي راسل”، والخاصة بمؤشرات الأسهم العالمية عن وضع مصر ضمن قوائم المراقبة، ما يعني احتمال خفض تصنيف البلاد في مجموعات مؤشرات الأسهم التابعة لها إلى سوق غير مصنفة، وتؤدي تلك الخطوة إلى حذف الأسهم المصرية من مؤشرات “فوتسي” للأسهم العالمية، التي يتابعها المستثمرون لتحديد وجهتهم، لعدم وفرة الدولار في البلاد، وعدم وجود حلول يمكن أن تساهم في توفيرها على المدى القريب.
ووفق تقديرات اقتصادية، تصعب تلك المؤشرات السلبية مهمة الحكومة في إنجاح مسارات جذب العملة الأجنبية، وفي مقدمتها إنجاح برنامج الطروحات المرتبط ببيع الأصول الحكومية، لأن توالي تلك التقارير يبعث إشارات سلبية على أوضاع الاستثمار بوجه عام داخل مصر، وتمنح إشارات على أن الاقتصاد المصري يعاني أزمة مركبة من الممكن أن تستمر لفترات طويلة، وهو ما تتعامل معه الحكومة عبر تسريع إجراءات بيع الأصول وتعدد آليات جذب العملة الصعبة وتوفيرها بالبنوك المصرية.
وتستهدف مصر جمع نحو 5 مليارات دولار من برنامج الطروحات بحلول يونيو المقبل.
وتزداد حالة القلق في كون التقديرات السلبية تساهم في تراجع قيمة الأصول، وقد تكون الحكومة مضطرة لبيعها بأسعار أقل من قيمتها العادلة، وأن كثيرا من المفاوضات التي جرت خلال الفترة الماضية مع جهات استثمارية خليجية ودولية كانت تتطرق إلى قيمة تلك الأصول، وهو ما تسبب في عرقلة جزء كبير من عمليات البيع، وتسبب في إبرام صفقات لبيع أجزاء من 5 أصول قومية من إجمالي 32 شركة وهيئة استهدفها برنامج الطروحات الحكومي، منذ أن أعلنت عنه الحكومة مطلع هذا العام.
وأمام تلك الاوضاع، تتزايد صعوبات المخاوف المستقبلية والتي تنبع من عدم تدفق موارد النقد الأجنبي من الخارج تحديداً من جانب صندوق النقد الدولي الذي لم يقدم بعد سوى الدفعة المبدئية من القرض الموقّع مطلع هذا العام.
وهناك دفعتان جرى تجميدهما بسبب تعطل مراجعة الصندوق للإجراءات المصرية، وعُد ذلك بمثابة جرس إنذار لهيئات التصنيف الائتماني الدولية، وكذلك للمستثمرين أيضا بأن هناك مشكلات في السير على برنامج الإصلاح، وأن مصر تعاني أزمة سيولة دولارية.
وفي غضون ذلك، تتهاوى قدرة مصر على توفير احتياجاتها من العملة الصعبة اللازمة لسداد الديون خلال العام المقبل من عدمه، إذ لا يزال الطريق صعبا للغاية، إذ إنه في حال تعثرت الدولة، فإنها ستكون مضطرة لإعلان إفلاسها، وفي تلك الحالة ستواجه صعوبات أكبر على مستوى جذب الاستثمارات الأجنبية والاقتراض من الخارج واستيراد السلع، وبالتبعية بيع الأصول وتوفير العملة الصعبة، وستكون أمام أزمة أشد تعقيدا بحلول نهاية العام المقبل.
وتحتاج الحكومة المصرية إلى سداد نحو 100 مليار دولار من الديون بالعملة الصعبة على مدى السنوات الخمس المقبلة، وتنفق الحكومة حاليا أكثر من 40% من إيراداتها على خدمة الدين، فيما تبلغ احتياجات التمويل للسنة المالية 2023- 2024 نحو 24 مليار دولار وفق بيانات رسمية.
وكانت المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، حذرت الخميس الماضي، من أن الحكومة المصرية سوف تستنزف احتياطياتها الثمينة من النقد الأجنبي ما لم تخفض قيمة الجنيه مرة أخرى، مشيرة إلى أن مصر تؤخر أمرا لا مفر منه عبر الامتناع عن القيام خفض قيمة العملة بذلك مرة أخرى، وكلما طال الانتظار، أصبح الأمر أسوأ.
ووفق خبير اقتصادي بوزارة المالية فإن إصرار الحكومة المصرية على عدم خفض قيمة الجنيه يُعد أحد الأسباب التي تقود لخفض التصنيفات الائتمانية للاقتصاد المصري، وتحديدا الإشارة لصعوبات تواجهها في سداد الديون، لأن حماية الجنيه ودعمه يكون من الاحتياطي الأجنبي المتراجع بالأساس، والذي يعتمد في الجزء الأكبر منه على ودائع خليجية سيتم ردها ولا يمكن التعامل معها على أنها مملوكة للحكومة المصرية للتصرف بها، وأن الأشهر الماضية كانت شاهدة على أن تتكلف السلطات النقدية في مصر كثيراً من احتياطياتها بالعملة الصعبة.
وأوضح المصدر ذاته أن ما يثير قلق صندوق النقد الدولي ومنظمات التصنيف الائتماني أن شكاوى المستثمرين الأجانب من وجود صعوبات لتحويل أرباحهم إلى الخارج مع القيود المصرية التي تفرضها على حركة العملة الصعبة، بما يشير إلى أن أزمة العملة تأخذ في التفاقم، وبالتالي ليس هناك سبيل لحلها سوى تسريع حركة بيع الأصول وتعويم الجنيه لتخفيف الضغط على الاحتياطي النقدي.
إلا أن تلك التصنيفات تُصعّب من مهمة الحكومة المصرية للوصول إلى أسواق الدين الخارجية لتوفير العملة الصعبة بشكل سريع، كما أنها تؤثر بشكل سلبي على دخول الاستثمارات الأجنبية إلى مصر، وتعد بمثابة إشارة لصناديق الاستثمار على الخروج من البورصة المصرية التي من المتوقع أن تتعرض لخسائر كبيرة خلال الأيام المقبلة.
والأهم من ذلك أنها تفاقم من الصعوبات التي تواجه برنامج طروحات الشركات الحكومية، وقد يؤدي ذلك لتوقف البرنامج أو على أقصى تقدير عدم الاستفادة منه بالشكل الأمثل؛ نتيجة الانخفاض المتوقع في قيمة تلك الأصول.
ويُعد تصنيف “Caa1” لوكالة موديز ضمن درجة المضاربة، ويتم الحكم على الالتزامات والديون ذات التصنيف Caa1 بأنها ذات وضع ضعيف، وتخضع لمخاطر ائتمانية عالية جداً.
يُعرّف معهد المحللين الماليين الأمريكي التصنيف الائتماني بأنه تصنيف تقاس من خلاله قدرة الدول أو الشركات على الحصول على قروض ومدى وفائها بسداد فوائد ديونها أو الأقساط المترتبة عليها ومدى احتمالية التخلف عن السداد.
وتبقى مشاريع السيسي الكبرى والفنكوشية كالعاصمة الجديدة وأبراج العلمين وغيرها، مجرد بالوعة للدولارات والعملات الأجنبية، وليست منتجة للدولار وهو ما يفاقم الأزمة الاقتصادية ويدفع مصر نحو الإفلاس والانهيار الاقتصادي الشامل.
وتلتزم مصر بسداد 29.2 مليار دولار ديون وأقساط دين خارجية خلال العام المقبل، وسددت مصر 52 مليار دولار مستحقة عليها من ديون وأقساط دين خلال العامين الماليين الماضيين، منها 25.5 مليار دولار خلال الشهور الستة الأولى من العام الجاري، وفقا لتصريحات صحفية لوزير المالية محمد معيط.