مع تجاهل حكومة الانقلاب لأزمة سد النهضة الأثيوبى والتداعيات الكارثية لها، رغم التحذيرات المتوالية من خبراء المياه والزراعة، فإن مصر أصبحت على أبواب العطش فى ظل التعنت الأثيوبى ورفض أديس أبابا إنشاء آلية ثلاثية لإدارة وتشغيل السد .
كانت مقاطع فيديو قد جرى تداولها مؤخرًا على منصات التواصل الاجتماعي قد أثارت مخاوف كبرى من تراجع غير مسبوق وانحسار غير طبيعي في مناسيب مياه نهر النيل.
هذا المشهد المقلق فتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حاسمة حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الجفاف المفاجئ، ودور تشغيل "سد النهضة" الإثيوبي، والأهم من ذلك: كيف سينعكس هذا الانحسار المروع في السودان على الأمن المائي المصري؟.
أزمة مياه خانقة
التراجع في مناسيب النيل تحول من مجرد تحذيرات إلى أزمة مياه خانقة باتت تهدد مئات الآلاف من المواطنين في العاصمة السودانية والولايات المشاطئة للنهر.
وتجلت أولى التأثيرات المباشرة في خروج محطة "مياه الصالحة" جنوب أم درمان ومحطة "شمال بحري" بالخرطوم عن الخدمة مؤقتًا، وذلك بسبب الانخفاض الشديد لمنسوب المياه وابتعاد المجرى تمامًا عن مداخل مضخات السحب.
السلطات السودانية من جانبها اضطرت للاستعانة بحفارات لشق مجارٍ مائية جديدة لمحاولة الوصول إلى المياه الآخذة في الانحسار.
قطاع الزراعة
ولم تتوقف الأزمة عند مياه الشرب، بل امتدت لتضرب قطاع الزراعة بعد خروج مضخات الري في عدة مشاريع حيوية عن الخدمة.
ففي ولاية نهر النيل، وتحديدًا في منطقة "البجراوية"، رصد السكان تراجعًا ملحوظًا للمياه عن الشواطئ بمسافات تصل إلى 15 مترًا.
وفي الولاية الشمالية، ظهرت ألسنة رملية واسعة وجزر جافة وسط النهر، حتى بات من الممكن عبور مجرى النيل سيرًا على الأقدام في مشهد غير مألوف.
بحيرة ناصر
وحول انعكاس هذا المشهد على مصر كشف تقرير بناءً على التحليل المائي أن التأثير المباشر لن يظهر في صورة جفاف فوري في مجرى النيل بمصر أو انقطاع مباشر لمياه الشرب كما حدث في الخرطوم، وذلك بفضل وجود "السد العالي" الذي يشكل صمام الأمان المائي للبلاد.
وأكد التقرير أن التأثير الحقيقي والكارثي سيتركز في رصيد بحيرة السد العالي ومخزون مصر المائي الاستراتيجي للسنوات القادمة.
وأشار إلى أن السد العالي سيعوض النقص الشديد في الإيراد المائي الحالي عبر السحب من مخزونه الحي لضمان استمرار تدفق المياه في ربوع مصر دون انقطاع، محذرا من أن استمرار تشغيل سد النهضة بهذه الآلية بالتزامن مع توالي السنوات شحيحة الأمطار، سينهك الاحتياطي المصري خلف السد العالي ويدق ناقوس الخطر حول قدرة المخزون على الصمود في المستقبل ما لم يتم التوصل إلى اتفاق قانوني وملزم ينظم الإدارة المشتركة للأزمات المائية والجفاف.
آلية التشغيل
حول لغز الانحسار المفاجئ، قال الدكتور نادر نور الدين أستاذ الموارد المائية بكلية الزراعة جامعة القاهرة إن الأزمة الراهنة تعود مباشرة إلى آلية التشغيل التي تفرضها إثيوبيا، وتظهر عواقبها بوضوح مع دخول "السنوات العجاف".
وكشف نور الدين فى تصريحات صحفية أن الحقيقة العلمية تؤكد أن إثيوبيا تصر مع كل دورة أمطار في موسم الفيضان (من يونيو إلى ديسمبر) على أن تستكمل أولاً النقص المائي الذي حدث في بحيرة السد الإثيوبي نتيجة عمل التوربينات والبخر خلال الموسم المنتهي وبناءً عليه، تقوم بحجز المياه أولاً وتوليد الكهرباء، على أن تتدفق المياه بعد ذلك إلى السودان ومصر على مدار 365 يومًا (طوال العام) وليس في موسم الفيضان الغزير كما تعودنا قبل بناء السد.
توليد الكهرباء
وأكد أن هذا السلوك المائي كان جوهر الخلاف المستمر بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، حيث كان السؤال الحاسم دائمًا: في السنوات شحيحة الأمطار (العجاف)، لمن تكون الأولوية؟ هل لضخ المياه للشعوب العطشى في دول المصب، أم لاستكمال ملء السد الإثيوبي وتوليد الكهرباء أولاً؟.
وأضاف نور الدين: طالبنا بمرونة تضمن ضخ المياه أولًا لمصر والسودان، وأن تقلل إثيوبيا توليد الكهرباء لتكتفي بنحو 80% فقط من معدلات التوليد، لكن أديس أبابا رفضت تماماً وأصرت على التخزين أولًا في بحيرة السد .
وأوصح أن ما نراه اليوم في السودان من جفاف فروع النهر وتوقف المحطات هو النتيجة المباشرة لعدم سماح إثيوبيا بسريان مياه هذا الموسم وتفضيلها ملء ما نقص من بحيرتها .
السنوات العجاف
وأشار نور الدين إلى معطيات مقلقة مستندة إلى دراسات علمية حديثة صادرة عن المنظمات الدولية للمياه والزراعة، تؤكد أن هذا العام يُصنف ضمن "السنوات العجاف"، موضحا أن الأسباب المناخية تعود إلى وقوع هضاب وسواحل دول الحبشة تحت تأثير ظاهرة "النينو" المناخية، التي تسببت في جفاف حاد وشح شديد في الأمطار على الهضبة الإثيوبية، والتي تمثل مصدر 85% من مياه النيل.
وقال : رغم تجاوز منتصف شهر يوليو وهو ذروة الفيضان تاريخيًا إلا أن مياه الفيضان لم تصل إلى السودان بعد، وتكاد تكون معظم أنهارها الرافدة قد جفت وانكشفت قيعانها.
وانتقد نور الدين الأصوات التي تدعي أن إثيوبيا ستقوم بتفريغ بحيرة السد لاستقبال الفيضان الجديد، مؤكدًا أن الواقع يثبت العكس، فالأولوية تذهب دائمًا للتخزين الذاتي، ولن يصل لدول المصب سوى ناتج تشغيل التوربينات فقط إن اشتغلت.