“القائم بالأعمال” مخرج السيسي من بعبع “هشام جنينة” بالجهات الرقابية المحصنة دستوريا

- ‎فيتقارير

يعمل قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي منذ استيلائه على السلطة على تحصين نفسه بتكريسه أن يكون الرجل الأوحد الذي يملك مفاتيح كل شيء، وكانت أولى العقبات التي أمامه هي الجهات الرقابية المحصنة دستوريا، لكن كعادة أي انقلابي هي أن يضرب بالدستور عرض الحائط، ليعزل المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق، بعد إعلانه امتلاكه ملفات فساد تدين مسئولين كبار بعضهم لهم علاقة وثيقة بالسيسي نفسه.

وبدلا من التحقيق فيما قاله جنينة أتى العزل سريعا وبدون سند قانوني، قبل أن يفضح هو وشركاؤه من الفاسدين، حيث أكد القانونيون أن هذا الإعفاء باطل وغير قانوني، فمنصب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات محصن من العزل، لتكون هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها عزل رئيس الجهاز، وهو جهة التحقيق الرقابية الأعلى في مصر، معتبرين ذلك انتصارا للفساد في مصر، ورسالة مفادها أن على أي صوت يلاحق الفساد والفاسدين أن يفكر مليا قبل أن يتحدث.

ويبدو أن السيسي لم يتوجه لأمر تعيين رؤساء الهيئات والأجهزة الرقابية والمالية، إلا بعد ما لاقاه نظامه من إحراج إثر واقعة الفساد الذي كشفه رئيس الجهاز المركزي الأسبق المستشار هشام جنينة.

قانون ساكسونيا

وحتى يستطيع السيسي الخروج من مأزق جنينة أصدر قانونا يجيز إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم، وكان ذلك تمهيدا للتخلص من جنينة الذي أعلن أن كلفة الفساد خلال سنوات تولي السيسي وصلت إلى ستمئة مليار جنيه (70 مليار دولار)،وبعد موافقة مجلس نواب الانقلاب عليه اعتبر الحقوقيون ذلك القانون بقانون ساكسونيا، متسائلين حول الأسباب التي تدفع السيسي لمثل هذه القرارات، والنتائج السلبية على عمل تلك الأجهزة.

ويرى رئيس محكمة استئناف القاهرة السابق المستشار أيمن الورداني أن “تمرير قوانين السيسي، ومنها المتعلق بإعفاء رؤساء الأجهزة الرقابية يعد تكريسا للفساد، والحيلولة دون وجود أي سلطة رقابية على أعمال السلطة التنفيذية”، معتبرا القرار بمثابة “إرهاب لأي شخص يتولى الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية”.

بينما علق النائب البرلماني السابق جمال حشمت أن “مجلس الانقلاب والعسكر الذي لا يمثل الشعب، قتل بهذا القانون استقلالية الجهات الرقابية التي أكدها دستور الثورة الصادر في العام 2012، وأن هناك سعيا لقتل كل محاولات الرقابة ومحاربة الفساد وهو ما يعد تقنينا للفساد”.

وتابع حشمت حديثه قائلا: إن “مجلس الانقلاب بما ظهر عليه من أداء يؤكد أنه صناعة مخابراتية بالكامل، ولن يحقق سوى مصالح من أنشأه ورعاه، وهي الأجهزة نفسها التي صنعت ومهدت ونفذت الانقلاب العسكري على دماء المصريين”.

تطبيخ الفساد

ولتضليل الرأي العام سارع السيسي إلى تشكيل لجنة برئاسة رئيس هيئة الرقابة الإدارية وعضوية ممثلين عن وزارات التخطيط والمالية والداخلية والعدل ونائب جنينة، لتقصي الحقائق ودراسة ما جاء في هذه التصريحات.

ولم يستغرق عمل اللجنة أكثر من أسبوعين قبل أن تصدر تقريرها، الذي رأى أن جنينة تعمد تضليل الرأي العام بتصريحاته، وتعمّد التهويل من حجم الفساد وقيمته بتكوين وتجميع بعض الأرقام أكثر من مرة وتحت مسميات عدة في أكثر من موضع، وبدلا من محاسبة الفاسدين زج بجنينة إلى السجن.

القائم بالأعمال

وليتفادى السيسي أخطاء الماضي ، ويبعد عن غضب الرأي العام وإن كان ذلك لا يعنيه قرر أن يغلق هذا الباب نهائيا، حيث إن بعبع “هشام جنينة” سبب له الكثير من الصداع، حيث لجأ لحيلة القائم بالأعمال، يستطيع من خلالها أن يمد أو أن يقيل أعضاء الأجهزة الرقابية ويبعد عن صداع تحصين رؤساء الأجهزة الرقابية، حيث قام مؤخرا بتعيين ثلاثة قائمين بالأعمال مؤخرا، وذلك بالجهاز المركزي للمحاسبات والبنك المركزي والرقابة الإدارية.

تجديد تكليف حسن عبد الله قائما بأعمال محافظ البنك المركزي

رغم انهيار العملة المصرية بعد تعويمين متتاليين وشح الدولار، أصدر الجنرال عبدالفتاح السيسي قرارا بتجديد تكليف حسن السيد حسن عبد الله، قائما بأعمال محافظ البنك المركزي المصري لمدة عام، اعتبارا من 18 أغسطس 2024.

وكان السيسي قرر في أغسطس 2022، تعيين حسن عبدالله قائما بأعمال محافظ البنك المركزي خلفا لطارق عامر الذي عين مستشارا للرئيس.

وتم التجديد لحسن عبدالله عام واحد فقط، فيما تبلغ مدة تعيين المحافظ 4 سنوات بعد موافقة البرلمان على التعيين من رئيس الجمهورية.

وخلال العام الماضي، أصدر حسن عبد الله كثيرا من القرارات المتعلقة بضبط عمل البنوك، وقواعد إنشاء البنوك الرقمية، واستقرار العملة، بعد تعويم الجنيه مرتين للقضاء على السوق السوداء ما أدى لانهيار قيمة الجنيه.

 

وفي نوفمبر 2023، أصدر السيسي، قرارا بتشكيل مجلس إدارة البنك المركزي برئاسة حسن عبد الله، وهو القائم بأعمال محافظ البنك المركزي، وذلك اعتبارا من الاثنين الموافق 27 نوفمبر الجاري، وفق القرار المنشور في الجريدة الرسمية.

وحينها تم استحداث منصب جديد وهو “مساعد محافظ البنك المركزي”، وقال البنك المركزي: إنه “تم تعيين محمد أبو موسى في منصب مساعد محافظ البنك المركزي، ليكون بذلك أول من يشغل هذا المنصب”.

تعيين قائما لرئيس المركزي للمحاسبات

وفي مخالفة صارخة للقانون أصدر الجنرال عبد الفتاح السيسي، قرارا جمهورية بتكليف المستشار محمد الفيصل يوسف أحمد يوسف رجب، بالقيام بأعمال رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، بدرجة وزير، لمدة عام اعتبـارا من 7/8/2024، دون موافقة مجلس النواب، حيث إن الدستور يلزم موافقة مجلس النواب على تعيين رؤساء الهيئات الرقابية، لكن فسر ذلك بأنها راجعة للحيلة التي استحدثها السيسي، ليكون الرجل الأوحد في اتخاذ القرارات دون الرجوع لأحد، حيث استخدم حيلة القائم بالأعمال.

كما نشرت الجريدة الرسمية قرارا جمهوريا آخر بتكليف محمد عبد الغني محمد عبد الرازق، بالقيام بأعمـال نائـب رئــيس الجهــاز المركــزي للمحاســبات وذلــك لمــدة عــام.

تعيين قائما بأعمال رئيس الهيئة العامة للرقابة

و أصدر السيسي، قرارا جمهوريا بتمديد تكليف محمد فريد صالح قائما بأعمال رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، لمدة عام آخر، اعتبارا من 7  أغسطس الجاري، بعد تعيينه بالمنصب كقائم بالأعمال، قبل عام.

كومبرسات

وحول أسباب إصرار السيسي على تعيين المناصب الكبرى بالأجهزة المالية والهيئات الرقابية كقائمين بأعمال، دون تسميتهم كرؤساء لإداراتهم أو هيئاتهم الحكومية، وتجديدها عاما بعد عام برغم مخالفة ذلك للقانون والدستور المصري، حيث يرى بعض الخبراء أن أمر التعيينات موكول إلى الأمن الوطني، كما أن السيسي يسعى للتقليل من استقلالية قرارات رؤساء تلك الهيئات، والانتقاص من أدوارهم، وحجب الحصانة القانونية والدستورية لتلك المناصب، ما يجعلهم كومبرسات لا دور لهم.

ومن جهته قال الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية، الدكتور ممدوح المنير: “ليس مستغربا قيام السيسي بذلك؛ فالرجل لا يريد رجالا مستقلين ولو نسبيا، ولو حتى اسميا في المناصب الحساسة للدولة”.

وفي حديثه لمواقع عربية، أوضح المنير أنه “ومن ثم فإن تعيين السيسي، هؤلاء بصفة قائم بالأعمال، يعطيه الحق في إقالتهم بأي وقت، ويرفع عنهم الحصانة التي قد يمنحها لهم الدستور والقانون، وهو ما لا يريده السيسي”.

ويعتقد أن “هذه الطريقة غير الدستورية وغير القانونية تجعل شاغل هذا المنصب منزوع الإرادة، حريصا على إرضاء النظام، فهو عمليا بلا استقلال أو حصانة لأداء مهام وظيفته، التي أساسها الاستقلال عن سلطة النظام الحاكم”.

ويرى أن “هذا الوضع يتفق مع شخصية السيسي، لذلك نجد دائما هناك مناكفات بينه وبين شيخ الأزهر أحمد الطيب، صاحب الحصانة والاستقلال؛ فلا يمكن لرئيس الدولة إقالته من منصبه؛ ومن ثم لا يريد السيسي تكرار نفس التجربة مع مواقع وظيفية أكثر أهمية بالنسبة له، كالبنك المركزي أو الرقابة المالية”.

وأكد أن “كل هذا يستتر بمظلة فساد كبيرة ومتوغلة في كل مؤسسات الدولة، التي تكفي لإقالة النظام بكامله وليس الحكومة فحسب”.

وخلص للقول: “وعليه، فسيظل السيسي متوجسا من أي مسؤول قد يضعه في هذه المناصب الرقابية، حتى لو كان يضمن ولاءه، فمن كان طبعه الخيانة والغدر، يظل دائما مسكونا بهاجس الخيانة من كل الذين حوله”.

ويدأب رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي، على تعيين رؤساء بعض الهيئات الحكومية والأجهزة الرقابية ذات التأثير، لمدة عام فقط، وبصفة قائمين بالأعمال، دون تعيينهم بوصفهم رؤساء لأجهزتهم أو هيئاتهم، وذلك مخالف للمادة (216) من الدستور المصري.

وتحل مصر بالمرتبة 108 بمؤشر مدركات الفساد لعام 2023، الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، ويصنف 180 دولة ومنطقة حول العالم من خلال المستويات المتصورة لفساد القطاع العام.

 

ووفقا لبيان المنظمة الصادر في 30 يناير الماضي، تذبذبت درجة مصر حول (35) لأكثر من عقد من الزمن، ولا تزال من بين الدول ذات الدرجات الأدنى في العالم في مؤشر سيادة القانون، مشيرة إلى أن عهد السيسي الذي حصل في ديسمبر الماضي، على ولاية ثالثة حتى 2030، يفتقر إلى الشفافية.