تتسع ظاهرة العمل في خدمات التوصيل داخل مصر إلى حد غير مسبوق، إذ تشير التقديرات المتداولة إلى أن ما بين ستة وثمانية ملايين شاب يعملون في هذا القطاع وهو رقم منشور في الإعلام المحلي وعمرو أديب أحد من كرره.
ورغم أن الخطاب الإعلامي الرسمي يحاول تقديم هذا الرقم باعتباره دليلاً على “اقتصاد رقمي حديث”، فإن الواقع يكشف صورة مختلفة تماماً. فانتشار هذا العدد الهائل من العاملين في التوصيل لا يعكس قوة سوق العمل، بل يعكس انهياراً في فرص التشغيل الحقيقية، وغياباً لقطاعات إنتاجية قادرة على استيعاب الشباب في وظائف مستقرة.
فملايين من خريجي الجامعات والمهندسين والمحاسبين وجدوا أنفسهم على الدراجات النارية تحت الشمس والمطر، يطاردون عمولة يومية (تذهب في الغالب لصاحب العمل) بالكاد تكفي البنزين وإيجار البيت، بعدما فشل الاقتصاد في توفير مسار مهني طبيعي لهم.
وهم الحرية: من “أنت مدير نفسك” إلى عبودية التطبيق
دخلت شركات التطبيقات العملاقة إلى السوق المصري بشعارات براقة تعد الشباب بالحرية والمرونة، وتمنحهم وهماً بأنهم “شركاء نجاح” و“مديرو أنفسهم”. لكن التجربة اليومية تكشف أن التطبيق هو المدير الفعلي، وهو الذي يحدد سعر الرحلة، ووقت العمل، ونوع الطلب، وقيمة العمولة، والتقييم، بل ويملك سلطة إيقاف الحساب في لحظة إذا اشتكى زبون من تأخير بسيط.
يعمل السائق لساعات طويلة قد تصل إلى أربع عشرة ساعة يومياً ليخرج بمبلغ لا يكفي سوى البنزين والطعام، بينما يتحمل وحده تكلفة الأعطال والحوادث والإصابات. وإذا مات في حادث، فإن التطبيق لا يعرف اسمه ولا يسأل عن أسرته، بل يكتفي بإغلاق حسابه واستبداله بآخر خلال دقائق، في مشهد يلخص هشاشة هذا النوع من العمل.
https://x.com/MOHMOUDTRASHOBE/status/2057121843727802861
اقتصاد قائم على الاستهلاك لا الإنتاج
تُظهر هذه الظاهرة خللاً عميقاً في بنية الاقتصاد المصري، الذي أصبح يعتمد على خدمات استهلاكية بدلاً من القطاعات الإنتاجية. فالدولة التي يعمل شبابها في توصيل الطعام بدلاً من العمل في المصانع والمزارع وشركات التكنولوجيا، هي دولة تستهلك مستقبلها بدلاً من بنائه. ومع غياب الصناعات الثقيلة، وتراجع الزراعة، وتقلص فرص العمل في التكنولوجيا، أصبح الاقتصاد يعتمد على استيراد السلع من الخارج، ثم تشغيل الشباب في توصيلها داخل البلاد. هكذا يتحول الاقتصاد إلى دائرة مغلقة: سلعة مستوردة، تطبيق أجنبي، عمولة بالدولار، وشاب يجري في الشوارع ليكمل الحلقة، بينما لا تُخلق أي قيمة إنتاجية حقيقية.
وكتب @Nassrm_98 "اكبر سبب لاختفاء الصنايعية هي الأحوال الاقتصادية، الصنايعي الشاطر ميقدرش يعمل ٥٠٠ جنيه في اليوم حتى في ظل الأزمة الاقتصادية دي وبتاع الدليفري والتوكتوك بيعمل اكتر منه طب يشتغل صنايعي ليه أو يعلم ابنه الصنعة ليه ما الموتوسيكل والتوكتوك ارخص وبيجيبوا اكتر "
https://x.com/Nassrm_98/status/2056315104925237644
طبقتان في بلد واحد: رفاهية في الكمبوندات وموت على الأسفلت
تتجلى الأزمة في التفاوت الطبقي الحاد الذي خلقته هذه المنظومة. فهناك طبقة تعيش في الكمبوندات وتطلب الطعام والقهوة الفاخرة بأسعار مرتفعة، بينما طبقة أخرى تجري على الدراجات وسط الزحام والحوادث لتوصيل الطلبات في عشرين دقيقة. الشاب الذي يُخاطر بحياته يومياً غالباً بلا تأمين صحي أو اجتماعي، ولا يملك أي ضمان للمستقبل. إصابة واحدة قد تُنهي حياته المهنية، وحادث واحد قد يترك أسرته بلا معيل. هذا التناقض بين من يعيش في رفاهية ومن يواجه الموت يومياً من أجل “تقييم” أو “بقشيش” يوضح حجم الخلل الاجتماعي الذي أنتجته اقتصاديات التطبيقات.
يقول @Go170358 "الجمهورية الجديدة" تلخص العمل فيها والانتاج فى ٣ مهن كبيرة أولهم سائقو التوكتوك ثانيهم الدليفرى وثالثهم صاحب عربية الشاى على الطريق ، ومعظمهم مؤهلات منهم تجاريون ومهندسون ومحامون وخلافه، لم يجدوا مجالا للانتاج الحقيقى لجأوا لتلك الأعمال .".
https://x.com/Go170358/status/2056818195072250254
غياب الدولة: فراغ تشريعي يترك ملايين الشباب بلا حماية
تعمل شركات التطبيقات في مصر دون إطار قانوني واضح يلزمها بتوفير حماية اجتماعية أو تأمين صحي للعاملين معها. فلا يوجد حد أدنى للأجور، ولا عقود عمل، ولا التزام بتعويضات في حالات الإصابة أو الوفاة. كل ما يهم هو استمرار التطبيق في العمل وتدفق العمولات، بينما يظل السائق الحلقة الأضعف في السلسلة. هذا الفراغ التشريعي يسمح للشركات بتحقيق أرباح ضخمة دون أي مسئولية اجتماعية، ويترك ملايين الشباب عرضة للاستغلال، في غياب رقابة حقيقية أو تدخل حكومي فعال.
وعلق محمد شادي @MohdShady64 "رسوم التوصيل فى جميع المحلات لا تقل عن 40 جنيهًا حتى لو الطلب فى حدود 100 جنيه واصبحت عرفًا بدون قانون .. زمان كان فيه تبس لكن مع فرض رسوم التوصيل بحد أدنى 40 جنيهًا اصبح مفيش تبس .. وأصحاب المحلات بياخدوا الرسوم دى لصالحهم ..".
https://x.com/MohdShady64/status/2056391838068535732
تطبيع الأزمة: حين يتحول الاستنزاف إلى “نجاح اقتصادي”
الأخطر بحسب محمد حبيب @BeboFinance2021 من انتشار الظاهرة هو أن المجتمع بدأ يتعامل معها باعتبارها “طبيعية”، بل ويعتبر وجود ملايين الشباب في الشوارع على الدراجات علامة على “اقتصاد حديث”. هذا التطبيع يطمس حقيقة أن هؤلاء الشباب كان من المفترض أن يكونوا في المصانع والمعامل ومراكز الأبحاث، لا في سباق دائم مع الوقت والتطبيقات. إن تحول جيل كامل من قوة إنتاجية إلى قوة توصيل استهلاكية يمثل تهديداً لمستقبل الاقتصاد، ويكشف عن أزمة بنيوية لا يمكن تجاهلها. فالدولة التي تعتمد على الدليفري كقطاع تشغيل رئيسي هي دولة فقدت بوصلتها الإنتاجية، وتحوّل شبابها إلى تروس رخيصة في ماكينة استهلاك ضخمة لا تصنع شيئاً.
https://x.com/BeboFinance2021/status/2056798457218630027