احتفاء حكومي بتناقص المواليد.. وكارثة في التنفيذ: تعميم (اللولب) على ولادات القيصرية!

- ‎فيتقارير

 

رصد تقرير منصة "متصدقش" وجود بعض الآليات المتبعة التي تنطوي على مخاطر طبية وحقوقية بتعميم تركيب اللولب أثناء الولادة القيصيرة التي ارتفعت معدلاتها أخيرا في مصر وباتت مسألة "الموافقة المستنيرة" في خبر كان.

وأشار التقرير إلى أن بداية ممارسات تركيب اللولب للسيدات أثناء العمليات القيصرية تظهر بشكل واسع؛ ففي 14 يونيو 2023، أشارت تصريحات طبية بمستشفى أبو حمص بمحافظة البحيرة إلى أن نسبة تركيب اللولب أثناء العمليات القيصرية في المستشفى وصلت إلى ما بين 97% و98%. ورغم تأكيد مسئولي الصحة بالبحيرة أن الإجراء اختياري ويتطلب موافقة كتابية قبل دخول غرفة العمليات، إلا أن شهادات أطباء في محافظات أخرى مثل القليوبية كشفت أن تركيب اللوالب عقب الولادات القيصرية مباشرة أصبح أمراً مُعمماً بتوجيهات مباشرة من الوزارة، وتصل إلى حد تطبيق خصومات مالية على الأطباء الذين تقل نسب تركيبهم للوسيلة.

 

غياب التبصير والتفاصيل القانونية

وأكدت الشهادات الطبية أن "الموافقة المستنيرة" لا تتم بناءً على تبصير حقيقي للمريض؛ حيث يُكتفى بجمع السيدات المقبلات على الولادة وإخطارهن بأهمية الإجراء بشكل جماعي دون توضيح المخاطر، لتوقع الحكيمة بعد ذلك على موافقة نحو 20 حالة معاً. واطلعت منصة "متصدقش" على نموذج الموافقة المستنيرة المعتمد من وزارة الصحة، وتبين أنه خالٍ تماماً من أي تفاصيل تشرح فوائد الإجراء أو مخاطره، مكتفياً بعبارة وحيدة يقر فيها المريض بالقبول أو الرفض مع العلم بكافة التفاصيل دون تدوينها.

 

الموانع الطبية وإغفال الفحص الفردي للحالات

أوضح الأطباء أن الآلية الحالية لا تُراعي ملاءمة الوسيلة للحالة الصحية لكل سيدة على حدة، نظراً لأن اللولب النحاسي المستخدم من قبل وزارة الصحة لا يناسب جميع النساء، وثمة حالات تمنع تركيبه كلياً، ومنها المعاناة من الأنيميا الشديدة أو وجود أورام، والإصابة بالتهابات في الحوض أو وجود عدوى نشطة تنتقل جنسياً، والحساسية من مادة النحاس أو الإصابة بمرض "ويلسون" الوراثي الذي يسبب تراكم النحاس في الجسم. هذه المحددات الصحية يتم تجاهلها في الغالب بهدف الالتزام بالتوجيهات الرقمية لخفض معدلات الإنجاب.

ويوصي الأطباء عموماً بتأجيل الحمل بعد الولادة القيصرية لفترة تتراوح بين 6 إلى 18 شهراً. وتتباين توجهات المنظمات العالمية حول التوقيت الأمثل لتركيب اللولب، حيث تسمح منظمة الصحة العالمية ومركز السيطرة على الأمراض الأمريكي (CDC) بالتركيب خلال 48 ساعة من الولادة أو الانتظار لمدة 4 أسابيع، بشرط عدم إصابة السيدة بحمى النفاس.

في حين توصي خدمة الصحة الوطنية في إنجلترا (NHS) بانتظار مرور 4 أسابيع على الولادة الطبيعية أو القيصرية كإجراء أفضل.

 

مخاطر التركيب المباشر بالأرقام

وأثبتت الدراسات الطبية أن تركيب اللولب فور الولادة مباشرة يرفع من احتمالية التعرض لآثار سلبية حادة، وتتمثل في خطر طرد أو سقوط اللولب، وذلك بحسب الدراسة التي نشرتها دورية "JAMA Network" في فبراير 2022 وأُجريت على 326000 سيدة، أظهرت أن خطر طرد اللولب عند تركيبه خلال أول 3 أيام من الولادة يكون أكبر بـ 3.6 مرات مقارنة بتركيبه بعد مرور 6 إلى 14 أسبوعاً.

أيضا نسب السقوط في الأشهر الأولى،  فتفيد خدمة صحة المرأة في نيوزيلندا أن التركيب المباشر يرفع احتمالية سقوط اللولب خارج الرحم إلى 20% في أول 3 أشهر، بينما تنخفض هذه النسبة إلى 5% فقط في حال الانتظار لمدة 6 أسابيع، ويصاحب السقوط أعراض مثل الألم، والانزعاج، أو النزيف الحاد.

مضاعفات الرحم والصعوبة التقنية، حيث يشير الأطباء إلى خطورة حدوث انثقاب في الرحم جراء التركيب المبكر، فضلاً عن احتمالية تراجع خيوط اللولب إلى الداخل نتيجة انقباضات الرحم بعد الولادة، مما يسبب صعوبة بالغة للأطباء عند محاولة رؤيته أو إزالته مستقبلاً.

 

تصريحات مثيرة للجدل

وخلال زيارة عبد الفتاح السيسي إلى محافظة البحيرة، الأربعاء 14 يونيو 2023، أشارت الطبيبة بثينة جنيدي، استشاري النساء والتوليد بمستشفى أبو حمص وأمينة المرأة بحزب حماة الوطن، إلى تركيب اللولب للسيدات في المحافظة أثناء الولادة، من أجل تنظيم النسل.

وقالت جنيدي: "بنركب الوسيلة (وسيلة منع الحمل) أثناء العملية القيصرية، لأن الست بتولد بعد كده بتقعد تفكر فترة طويلة، فالمبادرة دي جايبة نتايج كويسة معانا جدًا، يعني أنا عندي في المستشفى حوالي وصلنا 97و98% إن احنا بنركب الوسيلة أثناء العملية القيصرية، فدي لو اطبقت على مستوى الجمهورية أعتقد هتجيب نتيجة كويسة بإذن الله (تنظيم النسل)".

وأثارت تصريحات "جنيدي" جدلًا واسعًا حول آلية تنفيذ المبادرة، ومدى تعارضها مع حقوق المرأة، لكن وكيل وزارة الصحة في محافظة البحيرة، هاني جميعة، قال لموقع "مدى مصر" إنه "ليس هناك إجبار لأحد على تنظيم الأسرة دون موافقته"، وأن تركيب اللولب بعد الولادة القيصرية مباشرة يتم بموافقة كتابية من السيدة أو زوجها قبل دخولها غرفة العمليات.

 

تعميم بتركيب اللولب للسيدات أثناء الولادة

ويتطلب الإقدام على إجراء طبي مثل تركيب لولب الحصول على "موافقة مستنيرة" من السيدة المعنية، إذ يُفترض أن يخبر الطبيب المختص السيدة بكل فوائد ومخاطر هذا الإجراء ليكون من حقها الموافقة أو الرفض.

واعتبر مراقبون أن الإجراء مدفوع من جهات أجنبية لتعقيم نساء مصر وشغل شاغل لـ"النسويات" في مصر وأن أوامر أمريكية وراء التعقيم القسري غالبا يتم على المسجونات او الفئات المنبوذة أو الاعراق الادنى المضطهدة.

https://x.com/DrEiiiid/status/1668959901371060229

 

احتفاء رسمي

ويتكشف هنا مثار احتفاء وزير صحة السيسي خالد عبدالغفار بما أصدرته وزارة الصحة والسكان بياناً في 2 يونيو 2026، بانخفاض أعداد المواليد في مصر تحت حاجز 2000000 مولود لأول مرة منذ سنوات، مستندة إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وأوضحت نائبة وزير الصحة عبلة الألفي أن معدل المواليد تراجع إلى 18.1 في الألف مقارنة بـ 19.4 في الألف في عام 2023. كما انخفض معدل الإنجاب الكلي لكل سيدة إلى 2.34 طفلاً في عام 2025 مقارنة بـ 2.54 قبل عامين، مما يقرّب الحكومة من هدفها المتمثل في الوصول بالمعدل إلى 2.1 طفل. ولتحقيق هذه الخطة، اعتمدت الدولة حزمة من الإجراءات شملت حملات إعلامية وحوافز مالية وتوفير وسائل تنظيم الأسرة، إلا أن

الاستثمار السياسي

وبحسب جهاز الإحصاء والتعبئة العامة، سجلت مصر تراجعاً لافتاً في عدد المواليد خلال عام 2024، حيث هبط الرقم الرسمي إلى أقل من 2000000 مولود للمرة الأولى منذ عام 2007. وتراوحت الأرقام المعلنة بين 1968000 و1998000 مولود بانخفاض قدره 77000 مولود عن العام السابق، وفقاً للبيانات التي عرضتها نائبة وزير الصحة والسكان عبلة الألفي في أبريل 2026 أمام لجنة السكان والتنمية بالأمم المتحدة في نيويورك. كما انخفض معدل الإنجاب الكلي خلال العقد الماضي من 3.5 إلى 2.4 طفل لكل سيدة. وتسعى الحكومة عبر الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية 2023-2030 والخطة العاجلة 2025-2027 للوصول بهذا المعدل إلى 2.1 طفل لكل سيدة، محاولةً تسويق هذا التراجع كإنجاز إداري وثمرة لتخطيط منضبط يهدف لرفع جودة الحياة.

 

صياغة ديموجرافية

ويتعارض الخطاب الرسمي مع الواقع المعيشي؛ فالتحول الديموغرافي مدفوع قسراً بتبدل المشهد الاقتصادي وعنف الأزمة التي تواجهها البلاد. ووصفت تقارير دولية مثل "رويترز" الاقتصاد المصري في 2024 بأنه يواجه تضخماً قياسياً، ونقصاً في الدولار، وعجزاً تجارياً، وديوناً خارجية مرتفعة، مما أدى لتآكل الأجور الحقيقية وصعود أسعار الغذاء، والسكن، والتعليم، والعلاج.

وأوضح خبير السكان أيمن زهري أن هذه الضغوط الاقتصادية غيرت حسابات الأسر، مما أدى لانخفاض معدلات الزواج السنوية بنسبة 10% بعدما كانت تقترب من مليون زيجة سنوياً، إلى جانب ارتفاع معدلات الطلاق خلال الأعوام 10 الماضية. الشاب الذي يعجز عن تأمين دخل مستقر يتجه لتأجيل الزواج أو تقليص الإنجاب اضطراراً خوفاً من الكلفة، مما يجعل التراجع السكاني مؤشراً على انكماش القدرة المعيشية لا نجاحاً سياسياً.

 

فجوات خدمية والصحة الإنجابية

رغم إعلان الحكومة عن تحسن بعض المؤشرات الصحية في 2024، مثل ارتفاع نسبة الولادات تحت إشراف كوادر ماهرة إلى 97%، وانخفاض وفيات الأمهات إلى 37.5 حالة لكل 100000 مولود حي، وزيادة فترات المباعدة بين الولادات من 3 إلى 5 سنوات، إلا أن المنظومة تواجه خللاً هيكلياً.

وأشار الدكتور عمرو حسن، أستاذ أمراض النساء والتوليد بقصر العيني، إلى أن معدلات الولادة القيصرية ظلت مرتفعة عند نحو 80% في عام 2025 بسبب مخاوف النساء من الألم وغياب التوازن اللوجستي.

من جهة أخرى، تكشف بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان فجوات واضحة في عدالة توزيع الخدمات؛ إذ ارتفعت الحاجة غير الملباة لوسائل تنظيم الأسرة من 12.6% عام 2014 إلى 13.8% عام 2021، مما يوضح أن الخدمات لا تصل بالقدر الكافي للمناطق الأشد فقراً كريف الصعيد.

كما يرى الخبير الديموجرافي ماجد عثمان أن انخفاض المواليد يعكس أساساً تأجيل المتزوجين الجدد للإنجاب نتيجة ارتفاع كلفة التربية وصعوبة الإنفاق اليومي. ويربط الخبير أكرم ألفي التحول بعوامل مثل اتساع التحضر وارتفاع التعليم، غير أنها تظل مرتبطة بالضغوط المالية الحادة.

ودعا الخبير السكاني عاطف الشيتاني إلى وضع الأرقام في سياقها الزمني الصحيح، مؤكداً أن القضية السكانية لا تختزل في عدد المواليد بل ترتبط بإنتاجية الفرد.

ويعد احتفاء الدولة بالانخفاض العددي يتغافل عن حقيقة أن الغلاء أصبح الشريك المباشر في إعادة تشكيل الخريطة السكانية، مما يضع السلطة أمام مسؤولية سياسية واقتصادية تجاه إفقار المواطنين وتراجع قدرتهم على الاحتمال، بدلاً من استخدام الأرقام كأداة للدعاية المؤطرة.