لن ننسى الدكتور محمد عبد الرحمن المرسي رئيس اللجنة الإدارية التي اختارها الإخوان بعد الانقلاب، وقضيته التي لم تعد مجرد قضية سياسية أو جنائية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي للضمير الإنساني والمنظومة الحقوقية، وتذكيراً صارخاً بأن العدالة الغائبة وراء الجدران السميكة قد تتحول -مع مرور الوقت والإهمال- إلى حكم بالإعدام البطيء ضد شيوخ وأطباء لم يكن جرمهم سوى التعبير عن مواقفهم الفكرية والسياسية ملتزمين بالسلمية.
د.محمد عبد الرحمن المرسي، استشاري أمراض القلب والأوعية الدموية البالغ من العمر نحو 73 عاماً. هو طبيب أولا أفنى عقوداً من عمره في ملاحقة نبضات القلوب العليلة وإنقاذ حيوات لا حصر لها، يجد نفسه اليوم، وللعام التاسع على التوالي، سجيناً مكبلاً خلف القضبان منذ اعتقاله الأخير في 23 من فبراير لعام 2017. إنها قصة تعكس بوضوح التقاطع المعقد بين الكفاءة العلمية، والمسئولية القيادية، والضريبة الباهظة للعمل السياسي في بيئات تفتقر إلى الاستقرار، مما يجعل من ملفه مادة ملحة للمطالبات الحقوقية والتقارير الإنسانية الدولية والمحلية.
طبيب مثالي في خدمة المجتمع
وُلد الدكتور محمد عبد الرحمن المرسي في محافظة الدقهلية عام 1953، ونشأ مدفوعاً بشغف العلم والخدمة العامة، وهو ما قاده إلى الالتحاق بكلية الطب بجامعة المنصورة. وعقب تخرجه، تخصص في مجال دقيق وحيوي وهو طب وجراحة القلب والأوعية الدموية، حيث سطع نجمه كأحد الأطباء البارزين في هذا المجال. ولم يكن تفوقه علمياً فحسب، بل اتسم أداؤه المهني ببعد إنساني عميق؛ إذ تدرج في عمله الطبي داخل مستشفيات محافظة الدقهلية متفانياً في تخفيف معاناة المرضى، مما أهّله للحصول على لقب "الطبيب المثالي" بمستشفى شربين عام 2003 تقديراً لكفاءته وإخلاصه.
وامتدت يداه البيضاوان خارج جدران العيادات والمستشفيات الرسمية، حيث شارك بانتظام في القوافل الطبية التطوعية المتوجهة إلى القرى والبلدات الأكثر احتياجاً، مقدماً خبرته الطبية النادرة بالمجان لإنقاذ حياة الفقراء دون أي تمييز، وهو ما صبغ مسيرته بصبغة إنسانية فريدة جعلت منه شخصية تحظى باحترام واسع في أوساطه المهنية والاجتماعية.
إدارة الأزمات والتمسك بالسلمية
بالموازاة مع مسيرته الطبية الناجحة، انخرط الدكتور المرسي في العمل العام والسياسي من بوابة العمل النقابي والخيري في مسقط رأسه بمحافظة الدقهلية، حيث نشط بقوة عبر نقابة الأطباء. هذا الحضور المجتمعي والقدرة التنظيمية العالية ساعدا في صعوده التدريجي داخل الهياكل القيادية لجماعة الإخوان المسلمين، وصولاً إلى اختياره عضواً في "مكتب الإرشاد"، وهو أعلى هيئة تنفيذية وتشريعية داخل الجماعة. ولم تكن هذه المسئولية مجرد تشريف، بل وضعت الطبيب في قلب الأعاصير السياسية التي ضربت البلاد، ليتضاعف ثقله القيادي بشكل لافت عقب الأحداث العاصفة لعام 2013؛ إذ تولى رئاسة "اللجنة الإدارية العليا" (المكتب الإداري لإخوان مصر)، وهي اللجنة الحساسة التي أُنيطت بها مهمة إدارة شئون التنظيم، وإعادة هيكلته، وتسيير أعماله في ظل أعنف ملاحقة أمنية واجهتها الجماعة في تاريخها المعاصر بعد اعتقال قيادات الصف الأول.
الرسالة الثالثة من رسائل
https://www.facebook.com/DrAlmorsy/videos/1810585775829862/
وعلى الرغم من تصنيفه داخل الأوساط السياسية والإعلامية بأنه يميل إلى تيار "الحرس القديم" من حيث التمسك بآليات العمل التقليدية، إلا أن كتاباته ومواقفه السياسية كشفت عن رؤية مغايرة وميلاً واضحاً لما وصفته التقارير التحليلية بـ "تيار الاعتدال والسلمية".
فقد تجلى هذا النهج في مواجهته للأجنحة الداخلية التي كانت تدفع باتجاه تبني خيارات راديكالية أو عنيفة عقب أحداث فض اعتصام رابعة العدوية؛ حيث ظل الدكتور المرسي متمسكاً بالمسارات السلمية والحلول السياسية، معتبراً أن السلمية خيار استراتيجي ومبدأ أخلاقي لا يمكن التنازل عنه، وهو الموقف الذي دافع عنه بقوة حتى لحظة توقيفه.
الأطروحات الفكرية
وعكست المقالات والأبحاث التي نشرها الدكتور محمد عبد الرحمن المرسي عبر موقعه الرسمي ومنصاته الإلكترونية عمق الرؤية الفكرية والسياسية التي حاول غرسها في أفراد صفوفه، لا سيما في الفترات الحرجة التي تلت عام 2013. وفي مقدمة هذه الأطروحات، يأتي مقاله الشهير بعنوان "الثورة السلمية"، الذي سعى من خلاله لضبط المصطلحات وفض الاشتباكات الفكرية، حيث كتب مستفيضاً:
و"السلمية تعني ابتداءً برأيه: رفض العنف، وإراقة الدماء، وإيذاء الأبرياء… ولكن هذه المحظورات لا تعني بأي حال 'الاستسلام التام' لمن يمارس القتل والإيذاء؛ فالأصل في الحركة على الأرض هو السلمية وعدم استهداف الأرواح، ولكن في حال الاعتداء المباشر يتغير الوضع الفقهي والحركي إلى حالة 'الدفاع الشرعي عن النفس'.
وفي سلسلة مقالاته التوجيهية مثل "حوار مع أفراد الصف" و"التداول الإعلامي لبعض النقاط الحساسة"، ركز المرسي على معالجة الخلافات الداخلية بأسلوب تربوي، منبهاً إلى خطورة تجاوز حدود اللياقة وأدب الدعوة عند الاختلاف في وجهات النظر التنظيمية، ومحذراً من اندفاع المشاعر والعواطف دون الانضباط بالقواعد الحاكمة، مع التشديد على ضرورة الثبات على مبادئ الفهم الدقيق لمواجهة اهتزاز الثقة الداخلي.
كما واجه بشجاعة فكرية أطروحات فك الارتباط بين العمل الحزبي والعمل التربوي في مقاله "حول الفصل بين الدعوي والسياسي"، مؤكداً أن الدعوة هي الأصل والوعاء الشامل، وأن العمل السياسي ما هو إلا وسيلة من أدوات التغيير، رافضاً الفصل التام الذي يؤدي -حسب رؤيته- لتمييع المرجعية الفكرية والتربوية.
ولم تغب الرؤية المستقبلية عن كتاباته، فقد قدم دراسات مثل "منهجية مقترحة للتعامل مع ملف الرؤية" و"التوازن والمرونة ومنزلق التطويع"، داعياً إلى ضرورة التقييم والمراجعة الدورية للأداء التنظيمي بشرط الحفاظ على الثوابت والتوازن بين المرونة السياسية وثبات المبدأ، مع وضع ضوابط واضحة لاتخاذ القرار داخل المؤسسات الشورية لتجنب العشوائية في الأوقات الحرجة.
وأفرد الرجل موقعُه مساحات واسعة للمسات التربوية كقراءة في "الابتلاء والتمحيص في القرآن الكريم" و"رسالة إلى نقيب الأسرة"، بهدف شحذ الهمم وتأكيد دور "الأسرة" كوحدة تنظيمية صغرى تمثل حائط الصد الأساسي للحفاظ على تماسك الأعضاء وسلوكهم.
من عهد مبارك إلى التجمع الخامس
ولم تكن تجربة السجن والاعتقال غريبة على الدكتور محمد عبد الرحمن المرسي؛ إذ يمتد تاريخ ملاحقته الأمنية إلى عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. فنتيجة لنشاطه النقابي البارز في نقابة الأطباء وحضوره الحركي في محافظة الدقهلية، تعرض للاعتقال والاحتجاز التعسفي لمرات متعددة ولفترات متفاوتة، خاصة خلال المواسم السياسية الحامية مثل الانتخابات البرلمانية أو النقابية، حيث كانت السلطات تشن حملات استباقية ضد كوادر الجماعة.
إلا أن الاعتقال الأخير كان الأشد وطأة والأكثر قسوة؛ فبعد سنوات من الاختفاء والتحرك المتخفي لإدارة شئون اللجنة الإدارية العليا، شنت الأجهزة الأمنية حملة واسعة ومكثفة استهدفته ومجموعة من رفاقه. وفي 2017، اعتقلته سلطات الانقلاب في منطقة القاهرة الجديدة (التجمع الخامس)، لتبدأ منذ تلك اللحظة رحلة احتجاز طويلة ومعقدة شابتها خروقات حقوقية واسعة تثير الكثير من علامات الاستفهام حول ضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة.
الفاجعة الإنسانية برحيل زوجته سهام الجمل
لا يمكن قراءة المشهد الإنساني للدكتور المرسي بمعزل عن المأساة العائلية الشخصية التي أدمت قلبه وألقت بظلالها الرمادية على مسار حياته؛ والمتمثلة في فقدان زوجته ورفيقة دربه، السيدة سهام عبد اللطيف اليماني الجمل (الشهيرة بسهام الجمل).
والسيدة سهام لم تكن مجرد زوجة قيادي، بل كانت كادراً سياسياً ونسائياً بارزاً بحد ذاتها في محافظة الدقهلية، حيث توجت مسيرتها بالفوز بعضوية مجلس الشعب المصري عام 2012 عن حزب الحرية والعدالة (دائرة المنصورة)، وشغلت عضوية المكتب التنفيذي للأمانة المركزية للمرأة بالحزب.
وفي 12 أكتوبر لعام 2013، غيب الموت السيدة سهام الجمل عن عمر ناهز 48 عاماً في ملابسات مأساوية حيث كانت بين من استهدفهم البلطجية في بداية الانقلاب بإطلاق الخرطوش الذي قتل طالبة الثانوي العام هالة أبو شعيشع بالمنصورة وبحسب العائلة أكدت بشكل قاطع أنها قتلت نتيجة إصابتها بطلق ناري (رصاصة خرطوش) في البطن أدت إلى تهتك شديد في الكبد والمعدة، وذلك أثناء مشاركتها في مسيرة احتجاجية سلمية مناهضة لعزل الرئيس مرسي في "شارع الترعة" بالمنصورة، حيث ظلت تعاني من مضاعفات هذه الإصابة بالمستشفى لأسابيع حتى فاضت روحها.
ونفت داخلية الإنقلاب رواية العائلة وأدعت أن الوفاة كانت طبيعية نتيجة صراع عنيف وطويل مع مرض السرطان ومضاعفات انسداد القناة المرارية، أدت لتدهور حالتها الصحية ووفاتها داخل المستشفى.
الجرح الغائر في نفس الدكتور محمد المرسي، أنه حُرم حتى من وداعها أو حضور جنازتها المهيبة التي شارك فيها آلاف من أهالي المنصورة.
الاستغاثات الطبية وشبهات التنكيل
مع دخول الدكتور محمد عبد الرحمن المرسي عامه التاسع في الحبس الانفرادي، تتصاعد المخاوف الدولية والحقوقية على حياته في ظل تقارير تفيد بتعرضه لانتهاكات جسيمة وتنكيل ممنهج. فمنذ اللحظات الأولى لاعتقاله في مارس 2017، تواترت الأنباء الصادرة عن المكاتب الإعلامية ومنصات حقوق الإنسان لتوثيق ممارسات التعذيب البدني والنفسي التي تعرض لها قياديو الجماعة وفي مقدمتهم الدكتور المرسي لانتزاع اعترافات أو لكسر إرادتهم.
وفي إبريل من عام 2018، أطلقت منصة "صوت الزنزانة" عبر وسم #بينما_نحن_نلهو استغاثة إنسانية عاجلة كشفت فيها أن إدارة السجن تقابل مرض الدكتور المرسي بإهمال طبي متعمد يرقى إلى القتل البطيء. ووفقاً للشهادات المسربة، فإن الطبيب السبعيني يعاني من مرض نادر وخطير يتمثل في إصابته بـ فيروس في المخ والنخاع الشوكي، وهو ما يتطلب بروتوكولاً علاجياً دقيقاً ومستمراً يعتمد على أدوية الكورتيزون بجرعات محددة. وتكمن الجريمة الحقوقية في قيام إدارة السجن بمنع دخول هذه الأدوية الحيوية له، بالتزامن مع وضعه في زنزانة احتجاز انفرادي عاتمة منذ اليوم الأول للقبض عليه، مما يضاعف من تدهور حالته الصحية والذهنية والنفسية ويهدد حياته بالخطر الداهم في كل لحظة.
نداء عاجل من "هيومن رايتس إيجيبت"
وفي يونيو الحالي 2026، وأمام هذا الوضع المأساوي الذي يجمع بين الشيخوخة، والمرض المزمن الخطير، والاحتجاز الانفرادي المطول، والفقدان الإنساني العائلي، أطلقت منظمة هيومن رايتس إيجيبت نداءً حقوقياً عاجلاً للمجتمع الدولي والمنظمات الأممية والسلطات المصرية المعنية، محذرة من مغبة استمرار الوضع الحالي للدكتور محمد عبد الرحمن المرسي. وتتلخص مطالبات المنظمة في النقاط الأساسية التالية:
أولاً: توفير رعاية طبية متخصصة وعاجلة ومستمرة للحالة الصحية الحرجة للدكتور المرسي، والسماح الفوري بدخول أدويته الحيوية لا سيما الكورتيزون تحت إشراف أطباء متخصصين في أمراض المخ والأعصاب.
ثانياً: ضمان المتابعة الطبية الدورية واللائقة بما يتناسب مع سنه المتقدم (73 عاماً) ووضعه الصحي المتدهور، ونقله إلى مستشفى مناسب خارج أسوار السجن إذا دعت الحاجة.
ثالثاً: تمكينه الكامل والمنتظم من التواصل مع أسرته ومحاميه دون أي قيود أو تضييقات أمنية، كحق أصيل تكفله الدساتير والمعاهدات الدولية.
رابعاً: مراجعة أوضاع كافة كبار السن والمرضى داخل أماكن الاحتجاز المصرية، وتفعيل بدائل الحبس الاحتياطي أو الإفراج الصحي وفقاً للمعايير الإنسانية الدولية وقواعد شتوتغارت لحماية السجناء.