إذا كانت نسب الفقر والدعم محجوبة.. فمن يضمن شفافية فتح دفاتر 50 سنة لأرقام حكومة العسكر؟!

- ‎فيتقارير

يثير الحديث الرسمي من المنقلب عبد الفتاح السيسي عن إعداد بيانات تقارن بين حجم ديون الدولة وحجم الدعم خلال خمسين عامًا سؤالًا أكبر من مجرد المقارنة بين رقمين: كيف يمكن للمواطن أن يثق في الأرقام الحكومية، بينما لا تُتاح له كل البيانات التي تسمح له بالتحقق منها؟

 

فالجدل حول البيانات لا يقتصر على الدعم والديون، فآخر نسبة فقر نقدي معلنة رسميًا من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تعود إلى 2019/2020، وبلغت 29.7%، بينما أثار عدم نشر المؤشر النقدي في السنوات التالية انتقادات وتساؤلات واسعة.

وإذا كانت بعض البيانات الحساسة المتعلقة بالفقر والدعم والإنفاق العام لا تُتاح كاملة للرأي العام، فما الضمان أن البيانات التي تقدمها الحكومة الآن عن الديون والدعم ستُنشر كاملة، وبمنهجية قابلة للمراجعة والتحقق؟

ويتعلق الأمر بحق الشعب في معرفة مصدر الرقم، وطريقة احتسابه، والفترة التي يغطيها، وما الذي أُدرج فيه وما الذي استُبعد منه وما هي البيانات المراجعة، لا أن تقدم رقمًا نهائيًا وتطلب من المواطنين تصديقه.

 

وقال السيسي، في كلمته الأخيرة، بمناسبة المولد النبوي الشريف،  "إنه طلب من الحكومة منذ أشهر موافاته بحجم المديونية، سواء الداخلية أو الخارجية، ومقارنتها بحجم الدعم الذي قدمته الدولة خلال نصف قرن".

50 عامًا تخلط بين فترات مختلفة

 

الكاتب والصحفي قطب العربي @kotbelaraby رأى أن المقارنة التي طرحها السيسي تضع «أمرين مختلفين» في مواجهة بعضهما، مشيرًا إلى أن الديون الحالية تراكمت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

 

وكتب أن الدين الخارجي، بحسب الأرقام التي أوردها، ارتفع من نحو 43 مليار دولار عند تولي السيسي الحكم إلى نحو 165 مليار دولار حاليًا، متسائلًا عن جدوى مقارنته بدعم امتد لخمسين عامًا.

 

وأضاف أن الدعم الذي قدمته الدولة في العقود السابقة لم يكن ببساطة أموالًا اقترضتها الحكومات ثم أنفقتها على المواطنين، وإنما كان جزءًا من موارد الدولة وإيراداتها الناتجة عن قطاعات مختلفة، بينها الزراعة والصناعة والتجارة والتصدير وقناة السويس وغيرها.

 

وطرح سؤالًا آخر: لماذا تمتد المقارنة إلى خمسين عامًا بدلًا من قصرها على فترة حكم السيسي، بما يسمح بمقارنة حجم الديون التي تراكمت خلال عهده بحجم الدعم الذي قدمته الدولة في الفترة نفسها؟

 

وختم بالقول "إن طرح الملف قد يمثل فرصة لفتح الدفاتر أمام الجميع، وانتظار الأرقام والبيانات الرسمية للحكم على الصورة كاملة".

 

 ليست شركة أبيك

 

وفي السياق نفسه، هاجم الاكاديمي والحقوقي د.أسامة رشدي @OsamaRushdi طريقة تقديم الدعم باعتباره عبئًا أو مِنّة من الدولة على المواطنين.

 

وقال: "إن ما يسمى «دعم الدولة» هو في الأصل إعادة إنفاق جزء من موارد المجتمع على المواطنين، معتبرًا أن الدولة تجمع مواردها من الضرائب والرسوم وعوائد قطاعات وأصول عامة، ثم تعيد توجيه جزء منها إلى الخدمات والسلع الأساسية".

 

وكتب: "الدولة ليست دولة السيسي، وأموالها ليست أمواله، والمصريون ليسوا رعايا يعيشون على عطايا الحاكم".

 

ويرى رشدي أن توفير التعليم والصحة والنقل والخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية ليس تفضلًا من السلطة، وإنما من وظائف الدولة تجاه مواطنيها.

 

كما طالب بفتح ملف الديون نفسها، والسؤال عن أوجه إنفاقها، بدلًا من تحميل المواطن تكلفة الدعم وحده".

 

أين ذهبت الديون؟

وطرح "رشدي" مجموعة من الأسئلة حول تكلفة المشروعات الحكومية الكبرى، من بينها العاصمة الإدارية والعلمين والمقار الحكومية والمشروعات التي يعتبرها منتقدو السلطة مرتفعة التكلفة.

 

وبحسب رؤيته، فإن النقاش حول الديون يجب ألا يقتصر على مقدار ما أنفقته الدولة على الدعم، بل يجب أن يشمل أيضًا: كم اقترضت الدولة؟ وأين ذهبت هذه الأموال؟ وما الأولويات التي جرى تمويلها بهذه القروض؟

 

وتتركز الفكرة الأساسية في أن تحميل المواطن مسؤولية تكلفة الدعم، من دون مناقشة أوجه إنفاق الدين العام، يقدم صورة ناقصة عن الأزمة الاقتصادية.

الدعم أخطر من الفساد

وفي المقابل، أعاد عمرو عبد الهادي @amrelhady4000 التذكير بتصريحات سابقة للسيسي تحدث فيها عن خطورة الدعم، معتبرًا أن عودة الحديث عن مكافحة الفساد في الخطاب الحالي تثير تساؤلات لدى المنتقدين بشأن أولويات السلطة.

 

وكتب أن السيسي "طالع يشدد على محاربة الفاسدين"، رغم أنه سبق أن قال إن الدعم أخطر على مصر من الفساد.

 

ويربط عبد الهادي بين التصريحات الحالية وبين شكاوى متداولة على مواقع التواصل من الفساد والمحسوبية، منتقدًا ما يعتبره غيابًا للمحاسبة عن بعض مراكز القوة داخل الدولة.

هل تغيرت الأولويات؟

 

والجدل لم يتوقف عند حديث السيسي عن الدعم، بل امتد إلى الخطاب الإعلامي المصاحب للأزمة الاقتصادية، حيث نقل حساب «صحيح مصر» @SaheehMasr تصريحات للإعلامي نشأت الديهي، قال فيها: "إن المواطن الذي لا يملك المال لا ينبغي أن ينفق على اللحوم بصورة متكررة، أو الدروس الخصوصية، داعيًا إلى الاكتفاء بكتاب المدرسة والعيش «على قد لحافك»".

واعتبرت المنصة هذه التصريحات مضللة في توصيف أنماط التمويل الاستهلاكي، مستندًا إلى بيانات هيئة الرقابة المالية.

وأشارت إلى أن أرقام التمويل الاستهلاكي لا تضع الطعام والملابس في الصدارة وأن إجمالي التمويل الاستهلاكي نحو 96.27 مليار جنيه خلال عام 2025.

 

واستحوذت السلع المعمرة على 40.8% من قيمة التمويلات، والسيارات والمركبات على 20.4%، بينما بلغت حصة التمويل النقدي المسبق 12.6%، والمستلزمات الشخصية 9.3%، والخدمات 6.6%، والتجارة الإلكترونية 5.3%.

 

وأشار التقرير إلى أن «الأكل والشرب» لا يظهران كبند مستقل في التصنيف المنشور، وبالتالي لا تسمح البيانات بالقول إنهما يمثلان الاستخدام الرئيسي للتمويل الاستهلاكي.

 

أما خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، فبلغ إجمالي التمويلات نحو 51.03 مليار جنيه، مع تصدر السيارات والمركبات بنسبة 23.6%، والإلكترونيات والأجهزة الكهربائية بنسبة 21.1%، والسلع الاستهلاكية المشتراة بكارت التمويل بنسبة 13.3%.

 

وبلغت حصة الملابس والأحذية والشنط والإكسسوارات 3.2% فقط خلال الفترة نفسها، وفق الأرقام التي نقلها الحساب.

 

شد الحزام

 

هذه التصريحات فتحت بدورها نقاشًا حول طبيعة الخطاب الموجه إلى المواطن في ظل ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية.

 

فبينما تقدم السلطة ومؤيدوها تقليص الاستهلاك باعتباره جزءًا من التعامل مع الأزمة، يرى منتقدون أن المشكلة لا يمكن اختزالها في نمط استهلاك الأسر، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والتعليم والطاقة والخدمات الأساسية.

 

ويقول أصحاب هذا الرأي: "إن مطالبة المواطن بتقليل احتياجاته لا تجيب عن الأسئلة الأكبر المتعلقة بالسياسات الاقتصادية والإنفاق العام والديون".

 

وانتقد حساب «حدث بالفعل» @7adasBelfe3l تكرار الحديث عن «الإنجازات»، معتبرًا أن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى التكرار المستمر بقدر ما يحتاج إلى أن يشعر المواطن بآثاره في حياته اليومية.

 

وكتب أن معيار الإنجاز بالنسبة للمواطن يتمثل في الطعام والتعليم والصحة والطرق والنظافة، وليس في تكرار وصف المشروعات بأنها إنجازات.

 

كما انتقد حساب «المدني» @M0831218 مطالبة السيسي الحكومة بعقد مؤتمر في أكتوبر لشرح الإنجازات الحكومية، متسائلًا عن مدى قدرة المواطن الذي يعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة والإيجارات والكهرباء والتعليم على الاستماع إلى خطاب عن الإنجازات.

 

حساب «حدث بالفعل» @7adasBelfe3l أثار نقطة أخرى تتعلق باحتساب تكلفة الدعم عبر العقود السابقة، مشيرًا إلى اختلاف أسعار الصرف خلال تلك الفترات.

 

وجاء في تعليقه على مطالبة السيسي بمقارنة الديون بالدعم خلال خمسين عامًا أن حساب قيمة الدعم التاريخية لا يمكن فصله عن الظروف الاقتصادية وأسعار الصرف التي كانت سائدة وقت تقديمه.

والدين يمثل التزامًا ماليًا على الدولة، بينما الدعم يمثل سياسة مالية واجتماعية لإبقاء أسعار بعض السلع أو الخدمات أقل من تكلفتها السوقية، أو لتوجيه تحويلات ومساندة إلى فئات معينة.