خلال الأيام الأخيرة برز اسمان من صعيد مصر في نقاشات متداولة "جزيرة العتامنة" بمركز طما في سوهاج، وقرية "أبو عموري" بمركز نجع حمادي في قنا، وبينما تتحدث منشورات عن واقعة أمنية دامية في العتامنة، تتصاعد في أبو عموري أزمة أخرى مرتبطة بمطالبات مالية من جهة الآثار لسكان يقولون إنهم ورثوا منازلهم عن أجدادهم منذ عشرات السنين.
ومع انتشار روايات تتحدث عن «تصفيات» لم تنل تغطية إعلامية كافية، تبدو الحاجة أكبر إلى الفصل بين ما تؤكده المصادر، وما يرد باعتباره رواية من أطراف محلية أو حسابات على مواقع التواصل.
العتامنة وواقعة قتل وإصابة رئيس المباحث
في 27 أغسطس، شهدت جزيرة العتامنة التابعة لمركز طما بمحافظة سوهاج واقعة أمنية أسفرت، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية، عن مقتل شخصين وإلقاء القبض على اثنين آخرين، فيما أصيب رئيس مباحث مركز طما، الرائد مدحت ماضي، بطلقين في القدم.
وتقول الروايات المنشورة محليًا "إن العملية جاءت في إطار ملاحقة عناصر إجرامية، وإن الشخصين اللذين لقيا مصرعهما كانا محكومًا عليهما بالسجن المؤبد"، وتبنت وسائل إعلام محلية رواية تفيد بوقوع اشتباك مسلح خلال المداهمة.
لكن على مواقع التواصل الاجتماعي ظهرت رواية مختلفة بصورة لافتة.
فقد كتب حساب أسد الصحراء @MMohamed3979 أن "مصرع وإصابة 12 من مليشيات السيسي" وقع خلال اشتباكات مع أهالي جزيرة العتامنة، وزعم أن القوة حاولت «سرقة مقبرة فرعونية» من منزل إحدى الأسر، وأن شابين قُتلا، وأن رئيس مباحث طما كان بين المصابين.
ووفي المقابل، نشر حساب راشد @Rach_d22 رواية أكثر توافقًا مع ما أوردته بعض وسائل الإعلام المحلية، فقال إن "الواقعة أسفرت عن مقتل شخصين محكوم عليهم بالمؤبد، والقبض على شخصين، وإصابة رئيس مباحث مركز طما".
وكما أعاد الحساب الإشارة إلى منشور للناشط عمو حسام @3arabawy، الذي تحدث عن مقتل 21 شخصًا ممن وصفوا بأنهم «مشتبه بهم» في محافظات مصرية عدة خلال الفترة من 22 إلى 27 أغسطس، واعتبر أن بيانات وزارة الداخلية تصف هذه الوقائع عادة بأنها «تبادل لإطلاق النار».
أما الرواية التي تتحدث عن محاولة سرقة آثار أو مقبرة فرعونية، فلم يظهر في المصادر المحلية التي أمكن التحقق منها ما يكفي لإثباتها. وكذلك لا يوجد، حتى الآن، ما يثبت الرقم المتداول عن سقوط 12 قتيلًا أو مصابًا من أفراد القوة الأمنية.
وبالمقابل، وفي 29 أغسطس، دخل حساب إسلام الشيمي @EAlchemmy على خط النقاش، ورد مباشرة على منشور أسد الصحراء، مؤكدًا أنه من طما، ونفى وجود موضوع الآثار، وقال إن "القتيلين كانا من تجار السلاح والخارجين عن القانون"، كما دافع عن رئيس مباحث طما ووصفه بأنه ضابط يحظى بسمعة جيدة محليًا.
وفي تحليل لهذه الشهادة فإنها لا تحسم بدورها حقيقة الواقعة، لكنها مهمة لأنها تكشف أن الرواية المتداولة محليًا ليست واحدة، حتى بين الأشخاص الذين يقولون إنهم من المنطقة نفسها.
ولا تتوافر معلومات حول ما يردده ناشطون لم تصل إلى التحقق منها كأدلة كافية تسمح بالجزم بأن ما حدث في العتامنة كان تصفية بالمعنى المعروف.
https://x.com/MMohamed3979/status/2093099974342918510
https://x.com/Rach_d22/status/2093051592526172273
https://x.com/EAlchemmy/status/2093462439744442674
"أبو عموري" أزمة من نوع مختلف
على بعد مئات الكيلومترات، وتحديدًا في قرية أبو عموري التابعة لمركز نجع حمادي بمحافظة قنا، ظهرت قضية مختلفة تمامًا.
فوجئ عدد من سكان القرية بإنذارات من جهة الآثار تطالبهم بسداد مبالغ مالية باعتبارها مقابل انتفاع عن الأراضي المقامة عليها منازلهم، وتراوحت المطالبات، بحسب ما نشرته وسائل إعلام محلية، من عشرات الآلاف من الجنيهات إلى أكثر من 100 ألف جنيه في بعض الحالات، مع منح السكان مهلة للسداد والتحذير من اتخاذ إجراءات قانونية.
واعترض السكان على تلك المطالبات، مؤكدين أن منازلهم ليست منشآت حديثة مقامة على أراضٍ جرى الاستيلاء عليها، وإنما بيوت ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، وأن بعض هذه المنازل يعود إلى ما يقرب من 180 عامًا.
وقالت مصادر محلية "إن السكان فوجئوا بموظفين يطرقون أبواب منازلهم ويسلمونهم إنذارات رسمية، وهو ما أثار تساؤلات حول الأساس القانوني لتحديد المنازل التي شملتها المطالبات دون غيرها".
ونقلت «القاهرة 24» عن مصدر بوزارة السياحة والآثار أن الإجراءات مرتبطة بقرار صدر في عام 2022 بشأن حصر أملاك الدولة المتعدى عليها، وأن عدم السداد قد يؤدي إلى اتخاذ إجراءات قانونية.
وربط العتامنة بأبو عموري جاء أساسًا من تزامن ظهور القضيتين في النقاش العام، ومن كونهما تقعان في محافظتين من محافظات الصعيد، فضلًا عن حضور «الآثار» وملفات الأراضي في الروايات المتعلقة بهما.
وفي العتامنة، لدينا واقعة أمنية دامية واثنان من القتلى وإصابة ضابط شرطة، مع تضارب واضح في تفسير ما حدث، وفي أبو عموري، لدينا نزاع مالي وقانوني بين سكان وجهة حكومية حول أراضٍ ومنازل، وقد تطور الملف إلى تحركات برلمانية للمطالبة بتوضيح أساس المطالبات.
أما أبو عموري، فقصتها موثقة باعتبارها أزمة حول مطالبات مالية وحقوق انتفاع بأراضٍ مرتبطة بالآثار، مع اعتراض سكان يقولون إن منازلهم موروثة منذ أجيال، وتطور الملف إلى تحركات برلمانية.
ما تكشفه هذه الوقائع ليس بالضرورة قصة واحدة، وإنما مشهد من الأزمات المتداخلة في صعيد مصر: عمليات أمنية دامية من جهة، ونزاعات قديمة حول الأراضي والآثار من جهة أخرى، وسط فجوة واضحة بين الروايات الرسمية والروايات التي تنتشر محليًا وعلى منصات التواصل.