تدخل إدارة ملف اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر مرحلة جديدة، مع بدء العمل باللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب، في تحول ينقل للمرة الأولى مسئولية تسجيل طالبي اللجوء وفحص طلباتهم ومنح صفة اللاجئ من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين إلى السلطات المصرية.
ويأتي هذا التحول في وقت تتعامل فيه مصر مع أعداد متزايدة من اللاجئين وطالبي اللجوء، خصوصًا منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، بينما تتصاعد في الوقت نفسه الانتقادات الحقوقية بشأن أوضاع اللاجئين والمهاجرين، وما يتعرض له بعضهم من توقيف وترحيل وملاحقات أمنية.
وبموجب النظام الجديد، تصبح "اللجنة الدائمة لشئون اللاجئين"، التابعة لرئيس مجلس الوزراء، الجهة الرئيسية المسئولة عن إدارة ملف اللجوء، بما يشمل تسجيل طالبي الحماية، وفحص طلباتهم، وتحديد صفة اللاجئ، وإصدار الوثائق المتعلقة بها.
نهاية احتكار المفوضية لملف اللجوء
منذ عام 1954، تولت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين تسجيل طالبي اللجوء وتحديد أوضاعهم وإصدار الوثائق الخاصة بهم، بينما كانت السلطات المصرية تتولى إصدار الإقامات.
لكن القانون الجديد، الذي صدر في ديسمبر 2024، يعيد توزيع هذه الاختصاصات، بحيث تنتقل عملية تحديد صفة اللاجئ إلى لجنة حكومية تضم ممثلين عن وزارات الخارجية والعدل والداخلية والمالية، إلى جانب الجهات التي تحددها اللائحة.
ويأتي ذلك بينما تجاوز عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لدى المفوضية في مصر مليون شخص من نحو 65 جنسية، يتصدرهم السودانيون، يليهم السوريون، ثم مواطنو جنوب السودان وإريتريا.
وتحمل هذه الأرقام أهمية خاصة، إذ تعني أن اللجنة الحكومية الجديدة ستتعامل مع واحد من أكبر ملفات اللجوء في المنطقة، في وقت لا تزال فيه آليات الانتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد محل تساؤلات حقوقية وقانونية.
لماذا أثار القانون مخاوف حقوقية؟
لا تتركز الانتقادات الحقوقية على إنشاء نظام وطني لإدارة اللجوء بحد ذاته، وإنما على طبيعة الضمانات التي يوفرها النظام الجديد، واتساع بعض الصلاحيات الممنوحة للسلطات الحكومية.
وكانت منظمة العفو الدولية قد دعت، قبل إقرار القانون، إلى رفضه، معتبرة أن بعض مواده قد تسمح بالاحتجاز التعسفي لأسباب مرتبطة بالهجرة، وتفرض قيودًا على طلب اللجوء والتنقل، ولا توفر ضمانات كافية ضد الإعادة القسرية.
كما انتقدت المنظمة اتساع الحالات التي يمكن فيها حرمان شخص من صفة اللاجئ أو إسقاطها، بما في ذلك ارتكاب "جريمة خطيرة"، أو القيام بأفعال تعتبرها السلطات متعارضة مع "الأمن القومي أو النظام العام"، فضلًا عن أسباب مرتبطة بـ"قيم وتقاليد المجتمع المصري"، بحسب قراءتها للقانون.
وترى المنظمة أن هذه الصياغات تترك مساحة واسعة للتفسير، خصوصًا في ظل عدم وضوح الضمانات المتعلقة بالجرائم السياسية، والحق في التمثيل القانوني، والحصول على المعلومات بلغة يفهمها طالب اللجوء، والطعن على قرارات الاحتجاز أو رفض طلبات الحماية.
وفي يناير 2026، أثار أربعة من المقررين والخبراء المستقلين التابعين للأمم المتحدة مخاوف مشابهة، شملت شروط قبول طلب اللجوء، وحالات احتجاز طالبي الحماية ومدته، وسبل الطعن، إلى جانب مدى كفاية الحماية من الإعادة القسرية أثناء دراسة الطلب أو الطعن على رفضه.
مهلة الـ45 يومًا.. مأزق لمن دخلوا بصورة غير نظامية
من أبرز التغييرات التي تفرضها اللائحة التنفيذية تحديد مهلة لطالبي اللجوء الذين دخلوا مصر بطريقة غير نظامية. فوفق النظام الجديد، يتعين على من دخل الأراضي المصرية بصورة غير نظامية تقديم طلب اللجوء إلى اللجنة خلال 45 يومًا من تاريخ دخوله البلاد، مع ارتباط تجاوز المهلة بعقوبات قد تصل إلى الحبس والغرامة.
وتعتبر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية هذه المهلة قصيرة بصورة مجحفة، خصوصًا في ظل تقديرات تشير إلى أن أكثر من 90% ممن وصلوا إلى مصر خلال العامين السابقين دخلوا البلاد بصورة غير نظامية.
وتكمن المشكلة، بحسب الانتقادات الحقوقية، في أن طالب الحماية قد يصل إلى مصر هاربًا من حرب أو اضطهاد أو تعذيب أو اتجار بالبشر، وقد لا يمتلك في الأيام الأولى القدرة على الوصول إلى محام أو جمع الوثائق التي تثبت ظروفه.
وترى منظمة العفو الدولية أن المهلة المحددة لا تراعي بالقدر الكافي هذه الظروف، بينما حذر خبراء أمميون من معاقبة طالبي الحماية لمجرد الطريقة التي دخلوا بها إلى البلاد.
ماذا يحدث إذا رُفض طلب اللجوء؟
تتغير كذلك آلية الاعتراض على قرارات رفض طلبات اللجوء، ففي النظام الذي كانت تديره المفوضية، كان طالب اللجوء الذي يُرفض طلبه يحصل على أسباب القرار، وكان بإمكانه الاستئناف خلال 30 يومًا، مع مراجعة الطلب من موظفين مختلفين عن الذين أصدروا القرار الأول.
أما وفق النظام الجديد، فأمام طالب اللجوء 15 يومًا من إبلاغه بالرفض للتظلم أمام اللجنة نفسها، التي يتعين عليها الفصل في التظلم خلال 30 يومًا، ثم يمكنه اللجوء إلى محكمة القضاء الإداري.
وتعتبر المبادرة المصرية أن تقليص مهلة التظلم يمثل مشكلة، خصوصًا لطالب لجوء يحتاج إلى مساعدة قانونية أو إلى جمع مستندات وأدلة جديدة، كما تثير مخاوف بشأن عدم وجود ضمان واضح يقضي بوقف الإبعاد تلقائيًا خلال فترة التظلم والطعن القضائي.
حقوق العمل والتعليم والصحة.. نصوص تحتاج إلى تطبيق
يتضمن القانون الجديد نصوصًا تمنح اللاجئين حقوقًا في مجالات العمل والتعليم والرعاية الصحية وممارسة الشعائر الدينية، فيما أضافت اللائحة التنفيذية تفاصيل بشأن بعض هذه الحقوق.
ورحبت المفوضية بالنص على حقوق تشمل العمل، بما في ذلك العمل الحر، والرعاية الصحية الأولية والتعليم الأساسي، لكنها أوصت بتوضيح آليات ممارسة هذه الحقوق في ظل القوانين المصرية المنظمة لكل قطاع.
كما طالبت بتجنب اشتراط مستندات قد يصعب على اللاجئ توفيرها بسبب وضعه القانوني، مثل بعض وثائق الهوية المطلوبة في إجراءات العمل.
وتبرز هنا مشكلة الإقامة باعتبارها عقبة عملية أمام الوصول إلى الخدمات، إذ تشير المبادرة المصرية إلى أن استخراج الإقامة أو تجديدها قد يستغرق في بعض الحالات ما بين 18 شهرًا وعامين، بينما تجعل اللائحة بطاقة طالب اللجوء الجديدة صالحة لمدة ستة أشهر.
وترى المبادرة أن وثيقة طالب اللجوء ينبغي أن تكون إثباتًا كافيًا لوضعه القانوني، بما يضمن عدم حرمانه من الخدمات الأساسية بسبب تأخر إجراءات الإقامة.
قيود على الحركة باسم الأمن القومي
وتسمح اللائحة، لأسباب تتعلق بـ"الأمن القومي والنظام العام"، بفرض مجموعة من التدابير على طالب اللجوء، بينها الحضور الدوري، والإبلاغ عن تغيير محل الإقامة، إلى جانب إمكانية فرض قيود جغرافية على الحركة في حالات الحرب أو مكافحة الإرهاب أو الظروف الاستثنائية.
وتثير هذه الصلاحيات مخاوف حقوقية بشأن اتساع نطاق المصطلحات المستخدمة، وما قد تتيحه من مساحة تقديرية للسلطات في تقييد حركة طالبي اللجوء.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل كون حرية الحركة والوصول إلى الخدمات والعمل من أبرز العناصر التي تحدد قدرة اللاجئ على الاستقرار والاندماج داخل المجتمع المضيف.
ماذا عن اللاجئين المعترف بهم بالفعل؟
من أكثر الملفات حساسية مسألة اللاجئين الذين سبق أن اعترفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين بوضعهم.
وتنص اللائحة على ترتيبات لنقل بيانات الملفات القائمة والتعامل مع الوثائق الصادرة عن المفوضية، لكن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تشير إلى عدم وجود نص صريح يضمن الاعتراف التلقائي بصفة اللجوء التي حصل عليها هؤلاء الأشخاص سابقًا.
وتثير هذه النقطة مخاوف من احتمال إعادة فحص أوضاع بعض اللاجئين من جديد، بما قد يعرضهم لفقدان الحماية أو الحقوق التي حصلوا عليها بعد إجراءات طويلة أمام المفوضية.
كما تبرز مسألة نقل بيانات اللاجئين من المفوضية إلى السلطات المصرية، وسط دعوات إلى توفير ضمانات واضحة بشأن حماية البيانات وموافقة أصحابها على استخدامها في النظام الجديد.
لجنة جديدة ومرحلة انتقالية غير مكتملة
ويأتي بدء تطبيق اللائحة في ظل تساؤلات حول جاهزية المؤسسة الحكومية الجديدة لإدارة هذا الملف الضخم، فحتى وقت إعداد التقرير، لم يكن قد صدر قرار نهائي بتشكيل اللجنة الدائمة لشئون اللاجئين وتسمية جميع أعضائها، رغم دخول اللائحة حيز التنفيذ، بينما جرى في فبراير تعيين السفير صلاح الدين عبد الصادق رئيسًا للجنة.
وترى المبادرة المصرية أن هذا الوضع قد يخلق "فراغًا انتقاليًا"، إذ يبدأ النظام الجديد قبل اكتمال بنيته المؤسسية وقدرته على استقبال الطلبات وتجديد الوثائق وإدارة ملايين البيانات والملفات.
اختبار جديد لسياسة مصر تجاه اللاجئين
وبينما تقدم حكومة الانقلاب القانون باعتباره إطارًا وطنيًا لتنظيم أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء، فإن تطبيقه يفتح اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة مصر على تحقيق التوازن بين إدارة ملف الهجرة وحماية حقوق طالبي اللجوء.
ويكتسب هذا الاختبار أهمية أكبر في ظل الدور الذي تلعبه مصر في ملف الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، وحصولها خلال السنوات الماضية على دعم وتمويل أوروبيين مرتبطين بملفات الهجرة وحماية الحدود ومواجهة الهجرة غير النظامية.
وبذلك لا يتعلق التحول الجديد بإعادة توزيع اختصاصات إدارية فحسب، وإنما بإعادة تشكيل منظومة كاملة ظلت لعقود مرتبطة بالمفوضية الأممية.
ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت السلطات المصرية ستنجح في بناء نظام لجوء وطني يوفر إجراءات عادلة وفعالة، ويحمي طالبي اللجوء من الاحتجاز التعسفي والإعادة القسرية، أم أن نقل الملف من جهة أممية إلى جهة حكومية سيمنح الأجهزة التنفيذية صلاحيات أوسع على حساب الضمانات التي يحتاجها أكثر من مليون لاجئ وطالب لجوء يعيشون في مصر.