برزت خلال الأيام الأخيرة، وقائع جديدة على مستوى حقوق الإنسان في مصر، أبرزها؛ وفاة محتجز سوداني داخل قسم شرطة المقطم بعد أيام من احتجازه، وظهور مواطن من محافظة الشرقية أمام نيابة أمن الدولة العليا بعد اختفاء دام قرابة خمس سنوات، إلى جانب استمرار القبض على مواطنين في المحافظة وتجديد حبس آخرين على ذمة قضايا أمن دولة.
ويستند هذا التقرير إلى إفادات وتقارير صادرة عن جهات حقوقية وصحفية، مع التمييز بين الوقائع التي أمكن توثيقها من أكثر من مصدر وبين الروايات التي لا تزال بحاجة إلى تحقيق مستقل، كما أن الاتهامات الواردة بحق المحتجزين هي اتهامات منسوبة إلى جهات التحقيق، ولا تمثل أحكامًا قضائية نهائية بالإدانة.
وبين 12 و13 سبتمبر 2026، رصدت «لجنة العدالة» وفاة المواطن السوداني معاذ أحمد حامد داخل قسم شرطة المقطم بالقاهرة، وذلك بعد نحو ثمانية أيام من احتجازه، بحسب المعلومات التي نشرتها اللجنة. وأُبلغت أسرته بالتوجه لاستلام جثمانه.
ووفق إفادات منسوبة إلى مصادر قريبة من الأسرة تتحدث عن تعرضه للتعذيب، وتبقى هذه الرواية بحاجة إلى تحقيق مستقل وشفاف، خصوصًا في ظل غياب معلومات رسمية تفصيلية حول الحالة الصحية للمحتجز وظروف احتجازه والرعاية الطبية التي تلقاها.
وتعيد الواقعة فتح ملف الوفيات داخل أماكن الاحتجاز، ولا سيما الحالات التي تقع خلال فترات احتجاز قصيرة نسبيًا، وتثير تساؤلات بشأن إجراءات الكشف الطبي عند بدء الاحتجاز، وإتاحة الرعاية الصحية، وتوثيق الحالة الصحية للمحتجزين، ومدى وجود رقابة مستقلة على ظروف الاحتجاز.
طلاب محتجزون في بدر
بالتزامن مع وقائع الاحتجاز الجديدة، يستمر ملف حرمان طلاب محتجزين، ولا سيما داخل مجمع سجون بدر، من مواصلة تعليمهم وأداء امتحاناتهم. ووفقًا لما وثقته «لجنة العدالة»، توقفت في حالات رصدتها اللجنة امتحانات طلاب الجامعات والدبلومات والدراسات العليا والماجستير داخل السجون منذ عام 2019.
ولا يقتصر الأمر، بحسب التوثيق الحقوقي، على عدم نقل الطلاب إلى مقار جامعاتهم، وإنما يمتد إلى صعوبات تتعلق بإدخال الكتب والمراجع والأوراق والأدوات الدراسية، فضلًا عن عدم توفير آليات بديلة منتظمة، مثل إرسال لجان امتحانية إلى أماكن الاحتجاز.
ويحمل هذا الملف أبعادًا تتجاوز ظروف الاحتجاز اليومية، إذ يمكن أن يؤدي حرمان الطالب من الامتحانات أو من أدوات الدراسة إلى تعطيل مساره الأكاديمي لسنوات، بما يجعل القيود المفروضة أثناء الاحتجاز ذات آثار طويلة الأمد على مستقبله التعليمي والمهني، ومن منظور حقوقي، تبرز هنا ضرورة التمييز بين القيود الأمنية المشروعة وبين تحويل الحرمان من التعليم عمليًا إلى عبء إضافي لا يصدر به حكم قضائي.
ظهور العقيلي بعد 5 سنوات اختفاء
من أبرز التطورات التي شهدها الملف الحقوقي خلال 12 و13 سبتمبر ظهور عيد إبراهيم محمد إبراهيم العقيلي، من منشأة أبو عمر بمحافظة الشرقية، أمام نيابة أمن الدولة العليا بعد اختفاء دام قرابة خمس سنوات.
وبحسب ما نشره المحامي السيد خلف ومصادر حقوقية، ألقي القبض على العقيلي في 28 يوليو 2021، وظل مكان وجوده ومصيره غير معلنين طوال السنوات التالية، قبل أن يظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا في سبتمبر 2026.
وقررت النيابة حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات وإيداعه سجن بدر 3، مع إسناد اتهامات إليه تتعلق بالانضمام إلى جماعة إرهابية وارتكاب جريمة من جرائم تمويل الإرهاب، وفق المصدر الحقوقي.
استمرار الاعتقالات
ووفق مرصد العدالة في مصر، باشرت نيابة بلبيس التحقيق مع المواطن صبري محمود عقب القبض عليه من منزله، مع إسناد اتهامات إليه بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار وبيانات كاذبة، وقررت حبسه احتياطيًا.
وفي 10 سبتمبر، باشرت نيابة كفر صقر التحقيق مع الدكتور صلاح الأحمدي والأستاذ أشرف السيد الباز، بعد القبض عليهما من منزليهما، وفق النشرة الحقوقية، مع إسناد اتهامات مماثلة إليهما وصدور قرارات بالحبس الاحتياطي.
كما وردت إفادة بشأن التحقيق مع إبراهيم محمد منصور وسمير حسانين أمام نيابة منيا القمح، إلا أن هذه الواقعة لم يتوافر بشأنها، ضمن المصادر المفتوحة التي أمكن مراجعتها، توثيق مستقل كافٍ يسمح بالجزم بالتفاصيل، ولذلك تظل في إطار الإفادة الواردة إلى حين ظهور مصدر حقوقي أو قضائي إضافي.
إخلاء سبيل 51 مواطنًا في الشرقية
في مقابل الاعتقالات وقرارات الحبس الاحتياطي الجديدة، شهدت محافظة الشرقية خلال الفترة من 8 إلى 10 سبتمبر قرارات بإخلاء سبيل 51 مواطنًا أمام دائرة الإرهاب بمحكمة جنايات الزقازيق، وفق ما وثقه «مرصد العدالة».
وبحسب النشرة، شملت قرارات إخلاء السبيل 18 مواطنًا في 8 سبتمبر، و17 مواطنًا في 9 سبتمبر، و16 مواطنًا في 10 سبتمبر، وكانت الاتهامات في الملفات التي تناولتها النشرة تدور بصورة أساسية حول الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار وبيانات كاذبة.
الحبس الاحتياطي
ومن بين التطورات التي رصدتها المصادر الحقوقية تجديد حبس الناشط السياسي نائل حسن لمدة 15 يومًا في القضية رقم 4373 لسنة 2026 أمن دولة عليا، مع إسناد اتهامات إليه تتعلق بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار وبيانات كاذبة، بحسب النشرة الحقوقية.
كما جددت نيابة أمن الدولة العليا حبس الصحفي حيدر قنديل 15 يومًا في القضية رقم 5635 لسنة 2026 أمن دولة عليا، مع اتهامات تتعلق بقيادة جماعة إرهابية وارتكاب جريمة من جرائم تمويل الإرهاب، وفق «مرصد العدالة».
وتعكس هذه الوقائع استمرار الاعتماد على الحبس الاحتياطي في القضايا ذات الطابع الأمني والسياسي، بما يضع مسألة مدة الاحتجاز السابق للمحاكمة وضمانات الدفاع والمراجعة القضائية الدورية في صدارة الملفات الحقوقية.
محاكمات بدر
شهد مجمع سجون بدر خلال الفترة من 6 إلى 12 سبتمبر نظر عدد كبير من قضايا الإرهاب أمام دوائر مختصة، ووفق «مرصد العدالة» بلغ مجموع المتهمين في القضايا التي رصدتها النشرة نحو 740 متهمًا موزعين على 25 قضية خلال أسبوع واحد.
وتضمنت القضايا التي شهدت جلسات أو قرارات تأجيل ملفات تضم أعدادًا كبيرة من المتهمين، من بينها قضية تضم 292 متهمًا، وأخرى تضم 120 متهمًا، وثالثة تضم 113 متهمًا، إلى جانب قضيتين تضم كل منهما 62 متهمًا، فضلًا عن قضايا أخرى بأعداد أقل.
وأشارت النشرة إلى ملاحظات حقوقية بشأن ظروف انعقاد بعض الجلسات، شملت صعوبات في حضور بعض المتهمين، ووجود مسافة بين المتهمين ومحاميهم، فضلًا عن ملاحظات تتعلق بعلانية المحاكمات.
وتنظر الدائرة الثانية إرهاب كانت ستنظر في 12 سبتمبر 2026 القضية رقم 1175 لسنة 2018 حصر أمن دولة عليا، التي يبلغ عدد المتهمين فيها 117 شخصًا.
وسجلت جلسات أخرى، بينها قضية تضم 117 متهمًا هي القضية رقم 9453 لسنة 2024 جنايات العمرانية، المعروفة إعلاميًا باسم «الخلية الإعلامية»، والتي أُجلت إلى 22 نوفمبر 2026.
أما القضية رقم 1175 لسنة 2018، فهي ملف قديم سبق أن صدر في أغسطس 2024 قرار بإدراج 117 شخصًا على قوائم الإرهاب لمدة خمس سنوات على ذمة القضية، وبناءً على ذلك، ينبغي عدم تقديم انعقاد جلسة محددة في 12 سبتمبر 2026 باعتباره واقعة مؤكدة ما لم يتوافر محضر جلسة أو مصدر قضائي أو حقوقي مباشر يؤكد ذلك.
عمال مواد البناء في الوراق
يستمر كذلك ملف القضية رقم 10709 لسنة 2025، المتعلقة بمواطنين من القليوبية على خلفية اتهامات مرتبطة بنقل مواد وأدوات بناء وطوب إلى جزيرة الوراق.
وبحسب «الجبهة المصرية لحقوق الإنسان»، بدأت التحقيقات في ديسمبر 2025 مع مواطنين على خلفية هذه الوقائع، وأسندت إليهم اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية والتجمهر وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ونشر أخبار وبيانات كاذبة، كما نقلت تقارير حقوقية أن بين المقبوض عليهم أصحاب تراخيص تجارية، وطالبت «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» بإخلاء سبيلهم وإسقاط الاتهامات.
وتشير أحدث المواد التي أمكن توثيقها إلى أن عدد المحتجزين يبلغ 18 شخصًا، وليس 19 كما ورد في المادة الأصلية، ولذلك ينبغي اعتماد رقم 18 إلى حين ظهور مصدر حديث وموثوق يثبت خلاف ذلك.
انتهاكات السجون
على المستوى الأوسع، قدمت "لجنة العدالة" في تقرير صادر في فبراير 2026 حصيلة للانتهاكات التي وثقتها داخل ما لا يقل عن 40 مقر احتجاز رسمي وغير رسمي في 17 محافظة خلال النصف الثاني من عام 2025.
وقالت اللجنة: "إنها وثقت خلال تلك الفترة 973 انتهاكًا، من بينها 797 حالة حرمان تعسفي من الحرية، و46 حالة اختفاء قسري، و38 حالة حرمان من الرعاية الصحية، و34 وفاة داخل أماكن الاحتجاز، و33 انتهاكًا متعلقًا بسوء أوضاع الاحتجاز، إضافة إلى 25 واقعة تعذيب".
وبحسب التقرير نفسه، كان المحبوسون احتياطيًا أصحاب النصيب الأكبر من الانتهاكات، بواقع 602 حالة، فيما تصدر المحتجزون على ذمة نيابة أمن الدولة العليا قائمة الضحايا بـ671 انتهاكًا.
وهذه الأرقام تخص النصف الثاني من عام 2025، ولا ينبغي تقديمها باعتبارها حصيلة لعام 2026، إلا أنها تظل ذات أهمية عند قراءة الوقائع الجديدة، لأنها توفر سياقًا أوسع للوفيات والاختفاء والحرمان من الرعاية الصحية وسوء أوضاع الاحتجاز التي يجري رصدها خلال 2026.
اختفاء محمود فتحي وزوجته في ليبيا
وخارج الحدود المصرية، يرتبط ملف آخر بصورة مباشرة بملف المعارضين المصريين والمطلوبين سياسيًا، ويتمثل في واقعة اختفاء محمود فتحي وزوجته هدى أنور في ليبيا.
وبحسب منظمة «الكرامة»، اختُطف الزوجان في طرابلس يوم 19 يوليو 2026، وأحالت المنظمة قضيتهما في سبتمبر إلى الفريق العامل الأممي المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي.
وفاة زوجة معتقل
تتجاوز آثار الاحتجاز في بعض الحالات الشخص المحتجز لتصل إلى أسرته، وهو ما يظهر في الإفادة المتعلقة بوفاة هدى السيد حامد، زوجة المعتقل محمد أحمد السيد المعروف باسم «محمد منصور» ووالدة المعتقل أحمد، من شوبك بسطة بالزقازيق.
وعانت السيدة "هدى السيد" من شلل رباعي عقب إصابتها بجلطة قبل أكثر من عام، وأن تدهور حالتها الصحية تزامن مع سنوات احتجاز زوجها ونجلها. ولم يتوافر في المصادر المفتوحة التي أمكن مراجعتها توثيق مستقل كافٍ للتفاصيل الطبية والزمنية، ولذلك ينبغي التعامل مع الواقعة باعتبارها إفادة أسرية أو حقوقية تحتاج إلى مزيد من التوثيق.