بعد استهداف سفينة التغييز الأميركية «إنيرجوس وينتر» وناقلة الغاز «غازلوغ سالم» في ميناء دمياط بطائرة مسيّرة، وما رافق ذلك من دعوات رسمية إلى الاصطفاف خلف الدولة في مواجهة التهديدات الأمنية، أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة زيادة جديدة في أسعار الكهرباء للاستخدام المنزلي بنسبة تصل إلى 12%، في خطوة أثارت انتقادات واسعة بين مواطنين وخبراء وبرلمانيين.
وبررت الوزارة الزيادة بالحاجة إلى "استقرار التغذية الكهربائية وضمان الاستدامة المالية لمنظومة الكهرباء"، مؤكدة أن الأسعار الجديدة تستثني الشريحة الأولى، وتطبق على الشرائح الست الأعلى استهلاكًا، وأنها راعت، بحسب الوزارة، البعد الاجتماعي للمواطنين.
لكن منتقدين للقرار يرون أن تأثير الزيادة لا يمكن قياسه من خلال السعر الاسمي للكيلووات فقط، خصوصًا مع انخفاض قيمة الجنيه وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
زيادات متتالية منذ 2014
بحسب الأسعار المعلنة، ارتفع سعر الكيلووات في الشريحة الأولى، التي يتراوح استهلاكها بين صفر و50 كيلووات/ساعة، إلى 68 قرشًا، مقابل 7.5 قروش عام 2014.
أما الشريحة الثانية، من 51 إلى 100 كيلووات/ساعة، فأصبح سعر الكيلووات فيها 87.36 قرشًا، مقابل 78 قرشًا في التعريفة السابقة، بينما كان يبلغ نحو 14.5 قرش قبل 12 عامًا.
وفي الشريحة الثالثة، التي يتراوح استهلاكها بين 101 و200 كيلووات/ساعة، ارتفع السعر إلى 1.064 جنيه، مقارنة بـ95 قرشًا في التعريفة السابقة، مقابل 16 قرشًا عام 2014.
وارتفع سعر الشريحة الرابعة، من 201 إلى 350 كيلووات/ساعة، إلى 1.736 جنيه، مقابل 1.55 جنيه سابقًا، بعدما كان السعر 24 قرشًا عام 2014.
أما الشريحة الخامسة، من 351 إلى 650 كيلووات/ساعة، فأصبح سعر الكيلووات فيها 2.184 جنيه، مقابل 1.95 جنيه، بعدما كان 34 قرشًا عام 2014.
وفي الشريحة السادسة، من 651 إلى 1000 كيلووات/ساعة، ارتفع السعر إلى 2.352 جنيه، مقابل 2.10 جنيه، بعدما كان 60 قرشًا قبل 12 عامًا.
بينما وصل سعر الكيلووات في الشريحة السابعة، التي يتجاوز استهلاكها 1000 كيلووات/ساعة، إلى 2.89 جنيه، مقارنة بـ2.58 جنيه، بعدما كان 74 قرشًا عام 2014.
وتقول وزارة الكهرباء إن الدولة لا تزال تتحمل جزءًا من تكلفة إنتاج الكهرباء، مشيرة إلى تحملها نحو 100 مليار جنيه سنويًا كفارق بين تكلفة الإنتاج والتعريفة المحاسبية، مع استمرار الدعم بنسب متفاوتة بحسب شرائح الاستهلاك.
العدادات الكودية.. حساب مختلف
لا تنطبق التعريفة ذات الشرائح السبع على جميع المشتركين، إذ تختلف طريقة المحاسبة بالنسبة إلى العدادات الكودية.
ويشير منتقدون إلى أن ملايين الأسر التي تعتمد على هذه العدادات لا تستفيد عمليًا من الشرائح المعلنة بالطريقة نفسها، وتتم محاسبتها وفق أسعار موحدة للكيلووات.
وتشير تقديرات متداولة إلى وجود نحو 10 ملايين عداد كودي على الشبكة القومية للكهرباء، وهو ما يعني أن ملايين الأسر تتأثر بطريقة مختلفة عن مستخدمي العدادات التقليدية.
ويقول مواطنون إن قيمة الفواتير الفعلية في بعض الحالات تتجاوز الحساب الذي يتوقعونه وفق شرائح الاستهلاك المعلنة.
ويضرب أحد المواطنين مثالًا باستهلاك منزلي بلغ 337 كيلووات/ساعة، مشيرًا إلى أن الفاتورة وصلت إلى نحو 956 جنيهًا، بينما كان يتوقع أن تكون أقل وفق حساب الشرائح.
وتثير مثل هذه الحالات تساؤلات حول آليات احتساب الفواتير، وما إذا كانت الرسوم والمصاريف الأخرى تدخل في القيمة النهائية التي يدفعها المواطن.
"الكهرباء رخيصة".. ماذا تخفي المقارنة؟
مع تصاعد الانتقادات، جرى تداول مقارنات إعلامية لأسعار الكهرباء عالميًا، تظهر أن السعر الاسمي للكهرباء في مصر أقل من دول عديدة.
وبحسب الأرقام المتداولة، يبلغ سعر الكيلووات/ساعة في مصر نحو 2.1 سنت أميركي، مقابل نحو 5 سنتات في السعودية، وما بين 8 و10 سنتات في الإمارات، ونحو 18 سنتًا في الولايات المتحدة، و13 سنتًا في كندا، وما بين 24 و28 سنتًا في فرنسا، ونحو 32 سنتًا في إيطاليا، و35 سنتًا في بريطانيا، وما بين 39 و42 سنتًا في ألمانيا.
لكن الخبير في تحليل المعلومات وقياس الرأي العام مصطفى خضري يرى أن مقارنة السعر الاسمي وحده لا تعكس العبء الحقيقي للكهرباء على المواطن.
ويقول خضري إن السؤال الأهم هو: كم من وقت العمل يحتاج المواطن للحصول على قيمة فاتورة الكهرباء؟، مشيرا إلى أن مقارنة القدرة الشرائية بين مصر وعدد من الدول تُظهر صورة مختلفة، بسبب الفوارق الكبيرة في الأجور وقيمة العملات ومستويات المعيشة.
أكثر من ٢٥ ساعة عمل!!
وفق الحسابات التي عرضها خضري، فإن فاتورة استهلاك 200 كيلووات/ساعة، محسوبة بمتوسط سعر 2.74 جنيه للكيلووات، تبلغ نحو 548 جنيهًا، أي ما يعادل قرابة 10.75 دولارات.
وباحتساب الحد الأدنى الفعلي للأجر بالساعة وفق هذه المقارنة، يحتاج العامل محدود الدخل في مصر إلى نحو 1519 دقيقة عمل، أي أكثر من 25 ساعة، لتغطية قيمة الفاتورة.
وبالمعيار نفسه، تشير المقارنة إلى أن المستهلك في شنغهاي يحتاج إلى نحو 574 دقيقة عمل لتغطية القيمة ذاتها، مقابل 275 دقيقة في ماليزيا، و264 دقيقة في فرنسا، و245 دقيقة في بريطانيا، ونحو 214 دقيقة في كوريا الجنوبية.
وتصل المدة إلى نحو 213 دقيقة في تركيا، و182 دقيقة في الولايات المتحدة، بينما يحتاج العامل في الإمارات إلى نحو 136 دقيقة، وفي قطر إلى نحو 121 دقيقة، وفي السعودية إلى نحو 101 دقيقة.
ويخلص هذا النوع من المقارنة إلى أن انخفاض السعر الاسمي للكهرباء في مصر لا يعني بالضرورة انخفاض العبء الحقيقي على الأسر، لأن دخل المواطن وقدرته الشرائية يمثلان جزءًا أساسيًا من تكلفة الخدمة.
الدعم الاجتماعي يغير الصورة
ويرى خضري أن مقارنة مصر بدول الخليج أو الدول الأوروبية يجب أن تأخذ في الاعتبار الخدمات والمزايا التي يحصل عليها المواطنون إلى جانب الأجور النقدية.
ففي بعض دول الخليج، توجد صور متعددة للدعم تشمل الإسكان والرعاية الصحية والتعليم وبعض خدمات الطاقة، بما يخفف من الأعباء المباشرة على المواطنين.
وفي بريطانيا وفرنسا، توجد كذلك برامج دعم وإعانات تستهدف الأسر محدودة الدخل، من بينها مساعدات مرتبطة بالطاقة والسكن.
أما الولايات المتحدة فتقدم برامج محددة للأسر منخفضة الدخل، من بينها مساعدات للطاقة والغذاء والسكن.
وفي المقابل، يرى خضري أن منظومة الدعم في مصر أقل اتساعًا، وتتركز بصورة أكبر في برامج مثل دعم الخبز والتحويلات النقدية الموجهة إلى الفئات الأشد احتياجًا، إلى جانب دعم الكهرباء نفسه.
ويشير إلى أن احتساب الدعم الحكومي للكهرباء لا يعني بالضرورة أن المواطن المصري يحصل على منظومة الدعم الاجتماعي نفسها المتاحة في بعض الدول التي تجري مقارنته بها.
انتقادات لتوقيت القرار
لم تقتصر الانتقادات على قيمة الزيادة، وإنما امتدت إلى توقيتها. ويقول الخبير في تحليل المعلومات وقياس الرأي العام مصطفى خضري إن الحكومة ربطت الزيادة بارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار النفط والغاز عالميًا، إلا أنه يرى أن هذا التفسير لا يوضح سبب الإعلان عن الزيادة في هذا التوقيت تحديدًا، خصوصًا مع بداية العام الدراسي والضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر.
ويرى خضري أن الزيادات المتكررة في أسعار الخدمات أصبحت تمثل عبئًا إضافيًا على الأسر التي تواجه في الوقت نفسه ارتفاعًا في أسعار الغذاء والسكن والنقل والأدوية.
انتقادات اقتصادية وبرلمانية
وأثارت الزيادة اعتراضات من خبراء اقتصاديين وبرلمانيين. وقال الخبير الاقتصادي مدحت نافع إن الحكومة لا تملك، بحسب تقديره، حلولًا كافية لمعالجة أزماتها سوى زيادة أسعار الخدمات والسلع الأساسية، داعيًا إلى البحث عن سياسات اقتصادية بديلة.
من جانبه، انتقد النائب ضياء الدين داود توقيت القرار، معتبرًا أن الحكومة استغلت الظروف الأمنية والاقتصادية لفرض أعباء إضافية على المواطنين، وأشار إلى ما وصفه بتراجع الحكومة عن تعهدات سابقة بشأن عدم زيادة الأسعار.
كما تساءل الناشط والمهندس ممدوح حمزة عن أسباب الزيادة، قائلًا إن على الحكومة توضيح ما إذا كانت هناك تغيرات جوهرية في أسعار الوقود أو تكاليف تشغيل محطات الكهرباء أو سعر الصرف تبرر رفع التعريفة.
وطالب حمزة بتوجيه جزء أكبر من إنتاج النفط والغاز المحلي إلى محطات الكهرباء بدلًا من تصديره.
وفي السياق نفسه، طرحت المحامية هبة كف الغزال تساؤلات حول حجم الإنفاق الحكومي، مطالبة بمقارنة تكلفة تشغيل المؤسسات الحكومية مع الأعباء التي يتحملها المواطنون نتيجة ارتفاع أسعار الخدمات.
أزمة الكهرباء أبعد من سعر الكيلووات
تكشف أزمة الأسعار أن النقاش حول الكهرباء في مصر لا يتعلق فقط بقيمة الكيلووات/ساعة، وإنما يرتبط بمنظومة أوسع تشمل تكلفة إنتاج الطاقة، وأسعار الوقود، وسعر الصرف، وحجم الدعم، وطريقة احتساب الفواتير، ونوع العدادات، ومستويات الدخول.
فالحكومة تنظر إلى الزيادة من زاوية استدامة منظومة الكهرباء وتقليص الفجوة بين تكلفة الإنتاج والتعريفة، بينما ينظر المواطن إليها من زاوية أخرى: كم سيدفع من دخله المحدود مقابل الكهرباء، وما الذي سيتبقى له بعد سداد الفاتورة وبقية احتياجات الأسرة؟
وفي ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، تصبح المقارنة بين أسعار الكهرباء في الدول المختلفة غير مكتملة إذا اقتصرت على سعر الكيلووات فقط.
فالسعر الأرخص اسميًا قد يصبح أكثر كلفة على المواطن إذا كان دخله أقل بكثير من نظيره في الدول التي تُقارن به.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لأي سياسة لأسعار الكهرباء لا يكمن فقط في قدرة الحكومة على تحقيق التوازن المالي للقطاع، وإنما في قدرتها كذلك على حماية الأسر محدودة الدخل، وضمان شفافية الفواتير، وتقديم خدمة مستقرة، وتحقيق توازن بين احتياجات الدولة وقدرة المواطن على تحمل المزيد من الأعباء.