لم يُنظر إلى حريق قسم شرطة الأزبكية، الذي اندلع مساء 28 سبتمبر 2026، باعتباره مجرد حريق محدود في واجهة مبنى أمني في وسط القاهرة.
فالقسم يقع في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العاصمة، داخل نطاق رمسيس والأزبكية ووسط القاهرة، وهي منطقة تمثل قلبًا حيويًا للقاهرة من الناحية التجارية والمواصلاتية والأمنية، كما ارتبط اسم القسم على مدى سنوات بأحداث سياسية وأمنية بارزة، خصوصًا خلال أحداث يناير 2011 وما تلاها.
وإلى جانب موقعه، فإن للقسم سمعة مثقلة باتهامات قديمة ومتكررة في الخطاب الحقوقي والسياسي وشهادات متداولة على مواقع التواصل، تتحدث عن القتل والتعذيب وسوء المعاملة والإخفاء القسري.
هذه الخلفية التاريخية تفسر جانبًا من طبيعة التناول الذي ظهر على مواقع التواصل عقب الحريق: فبعض النشطاء لم يتعاملوا مع الواقعة باعتبارها حريقًا فنيًا فقط، وإنما استعادوا تلقائيًا تاريخ القسم وما ارتبط به من أحداث واتهامات، وطرحوا أسئلة عن المحتجزين، ووسائل الحماية من الحريق، والمستندات الموجودة داخل المبنى، فضلًا عن أسباب الحريق والخسائر المحتملة.
محيط قسم الأزبكية
وبحسب ما أعلنته وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب، ونقلته وسائل إعلام مصرية، فإن الحريق كان محدودًا في الواجهة الخارجية ولم يمتد إلى داخل القسم، ولم تسجل إصابات أو خسائر بشرية وفق الرواية الرسمية.
وأفادت "الداخلية" بأن التحريات الأولية أرجعت سبب الحريق إلى ماس كهربائي بأحد أجهزة التكييف.
وبعد السيطرة على النيران، انتقلت النيابة إلى موقع الحريق لمعاينته وحصر التلفيات والاستماع إلى المسؤولين والشهود، مع انتداب المعمل الجنائي لفحص آثار الحريق وبيان سببه وملابساته، إلى جانب طلب التحريات.
وبالتالي فإن الحديث عن «الماس الكهربائي» في الساعات الأولى كان يستند إلى الرواية الرسمية والتحريات الأولية، بينما جاءت المعاينة والإجراءات الفنية لتحديد ما إذا كانت هناك شبهة جنائية من عدمها.
ما مصير عشرات المحتجزين؟
واتفقت حسابات منها الحقوقي هيثم أبو خليل و"تكنوقراط مصر" على التساؤل عن مصير المحتجزين، وكتب @egy_technocrats "قسم شرطة الأزبكية يحترق، ما مصير عشرات المحتجزين في الزنازين بالقسم؟.. أين تجهيزات الإطفاء الذاتي؟ أين اشتراطات الحماية المدنية؟" في تطابق مع ما كتبه أبو خليل.
https://x.com/egy_technocrats/status/2104603368333119573
https://x.com/haythamabokhal1/status/2104589504250048839
ألسنة اللهب تمتد من قسم شرطة الأزبكية
ويبدو من الفيديوهات والصور اللاحقة أن رواية "الداخلية" عن حريق محدود، كان يفتقد للدقة بحسب الشروق (الصحيفة المنحازة للانقلاب) وعبر @Shorouk_News قالت: إن "ألسنة اللهب تمتد من قسم شرطة الأزبكية بوسط البلد وأعمدة الدخان تتصاعد فوق كوبري أكتوبر".
كما وردت رواية عن إصابة فردين من قوة القسم بحسب حساب وصل صوتك @wasalsotak2026K ، وتختلف هذه الرواية أيضا عن الرواية الرسمية التي قالت بعدم وجود إصابات.
https://x.com/wasalsotak2026/status/2104637418284404853
أوبشن تجديد الكذبة
حساب @dailytimespress تساءل "لا يوجد تجديد حتى بالكذب، حريق بقسم الأزبكية، ووفقًا للمعاينة الأولية التي أجراها خبراء المعمل الجنائي
الذين انتقلوا إلى موقع الحادث تبين أن السبب الرئيسي لنشوب النيران هو المجرم المعتاد لكل الحرائق في البلد، الماس الكهربائي، لا يوجد تجديد حتى بالكذب
تعليق لنشطاء سياسيين"
https://x.com/dailytimespress/status/2104745787783774303
وعن مستوى التقفيل المتبع في القسم وفي كل أٌقسام داخلية السيسي (التي كان عنوانها تجديد شكل الأقسام وتوحيده) كتب آسر باشا @asser_basha، "عشان المقاول مركب أرخص كلادينج اللي بيولع زي البنزين.. المفروض يركب فاير ريتد كلادينج، بس المصلحة اللي بتتعمل هي دي نتيجتها، قيس على كده 150 مبنى قسم اتعمل على خريطة مصر ممكن يولعوا بمنتهى السهولة".. وهذه فرضية متداولة على مواقع التواصل، بينما الرواية الرسمية المنشورة نسبت سبب الحريق إلى ماس كهربائي بأحد أجهزة التكييف.".
وهي إشارة إلى أن ألواح الكسوة الخارجية للمبنى (Cladding) التي يشير التعليق أنها من أرخص الأنواع وأقلها مقاومة للحريق باستخدام مادة تُستخدم لتغطية الواجهات الخارجية للمباني، وقد تكون من الألومنيوم أو مواد مركبة وغيرها ويرجح أنها من البلاستيك لسرعة اشتعالها.
تجار الفجالة
وأشار فريق من المعلقين إلى احتمال سلبي ثالث يتعلق بأن قسم الأزبكية يحوي كشوفًا بأسماء المستوردين والتجار في منطقة رمسيس والفجالة والشوارع المتصلة بالعتبة وشبرا.
وقال @DwlytM212 "قسم الأزبكية يحوي كشوفًا بأسماء المستوردين والتجار في رمسيس وشارع الجمهورية وجميع العاملين في تلك الشركات والمحلات".
https://x.com/DwlytM212/status/2104697836222734627
"أوسخ" الأقسام
حساب الزير سالم @jalal_rian5979 أشار إلى أن "قسم الأزبكية أوسخ الأقسام الشرطة في القاهرة ومصر، الداخل منه مفقود، خارج مولود منذ عهد مبارك، لو دخلت قسم الأزبكية تخرج جثة لو كنت محظوظا، تخرج عاهة مستديمة بسبب أساليب التعذيب المستخدمة".
https://x.com/jalal_rian5979/status/2104670902969409822
ويأتي هذا المنشور ضمن الخطاب المتداول على مواقع التواصل بشأن تاريخ القسم، ويتضمن اتهامات شديدة الخطورة لا يمكن إثباتها بمجرد نقل المنشور.
يناير 2011 وأحداث 2013
الثوار ما زالوا يتذكرون صور القسم في 2011 وكان بؤرة لاصطياد ثوار 28 يناير 2011 يقول أحدهم: "من أحب الصور إلى قلبي من أرشيف الصور اللي أخدتها في الـ18 يوم: كلسون شرطي معلق فوق قسم الأزبكية، صباح 29 يناير 2011" @3arabawy وتلا هذه الذكرى حضور القسم في أحداث الأيام الأولى للثورة المصرية، حيث اشتباكات يونيو 2011 وبدأ عمل الثورة المضادة، وقال مدير أمن القاهرة "إن بتوع 6 أبريل هم اللي بيهاجموا قسم الأزبكية ويعطلوا الحياة".
وشهد محيط قسم الأزبكية في يونيو 2011 اشتباكات وروايات متباينة حول وفاة أحد الأشخاص داخل القسم، وتناولت وسائل إعلام مصرية في ذلك الوقت اتهامات بالتعذيب، إلى جانب روايات أخرى نفت مسؤولية ضباط القسم عن الوفاة.
وفي 16 أغسطس 2013، كان قسم الأزبكية أيضًا في قلب مذبحة ميدان رمسيس ومسجد الفتح في 16 أغسطس 2013، وهي الأحداث التي شهدت سقوط قتلى وإصابات واشتباكات واسعة في المنطقة.
وفي ذلك اليوم كان الحديث عن قتلى وشهداء بين 120 و38 حالة قتل موثقة والرقم تختلف بشأنه تقديرات في المصادر الحقوقية والإعلامية والقضائية بحسب منهج الحصر والفترة الزمنية التي يغطيها كل مصدر، وبعدها بايام اعتقل ضباط القسم المخرج العالمي جون ستيورات.
وفي أكتوبر من العام ذاته نقل الإسعاف طالبة أزهرية في غيبوبة إلى مكان مجهول بعد تعذيبها بقسم الأزبكية وهو من المتداول عن القسم في تلك الفترة.
حريق مديرية أمن الإسماعيلية.. مبنى كامل تحت النيران
وفي 2 أكتوبر 2023 اندلع حريق ضخم في مبنى مديرية أمن الإسماعيلية، وأظهرت المعاينات الأولية حجمًا كبيرًا من التلفيات التي لحقت بالمبنى.
وأعلنت النيابة العامة وقتها فتح تحقيق موسع، وانتقل أعضاء النيابة إلى موقع الحريق، كما جرى الاستماع إلى المصابين والشهود وانتداب خبراء الأدلة الجنائية لفحص أسباب الحريق.
أعلنت النيابة في بداية التحقيقات أن أعضاء فريق التحقيق استمعوا إلى 33 مصابًا ممن سمحت حالتهم الصحية بذلك، بينهم 29 مصابًا في المجمع الطبي بالإسماعيلية وأربعة في مستشفى هيئة قناة السويس، كما شملت التحقيقات معاينة المبنى وفحص آثار الحريق والوقوف على ملابساته.
وفي يونيو 2024، أُعلن عن قرار النيابة حفظ التحقيقات في واقعة حريق مديرية أمن الإسماعيلية لعدم وجود شبهة جنائية.
وبحسب ما نشرته «المصري اليوم»، فإن تقرير الأدلة الجنائية لم يجزم بأن سبب الحريق كان ماسًا كهربائيًا، لكن التحقيقات انتهت إلى عدم وجود شبهة جنائية.
ولكن خصوصية الأزبكية لا ترتبط بالحريق وحده، فالمبنى يحمل ذاكرة سياسية وأمنية ممتدة، وموقعه في قلب القاهرة جعله حاضرًا في أحداث يناير 2011 وأحداث رمسيس في 2013، فيما تراكمت حوله على مدار سنوات اتهامات وشهادات عن التعذيب وسوء المعاملة والاختفاء القسري والقتل، بعضها موثق في تقارير وتحقيقات، وبعضها ظل في نطاق الشهادات والروايات المتداولة.