في مفارقة تختصر كثيرًا من الأسئلة التي تُلاحق منظومة اكتشاف ورعاية المواهب في مصر، ظهر اسم محمد عبدالفتاح، لاعب الكيك بوكسينج البالغ 15 عامًا، بوصفه أحدث الأسماء المرتبطة بوقائع مغادرة البعثات المصرية في الخارج، بعدما تخلف عن العودة مع بعثة المنتخب من إيطاليا عقب حصوله على فضية بطولة العالم للناشئين والشباب. وبينما تتردد دعوات إلكترونية إلى إطلاق مبادرة مثل "مليون محمد صلاح" لاكتشاف وصناعة المواهب المصرية، تأتي واقعة لاعب ناشئ جديد لتطرح السؤال: هل تحتاج مصر إلى صناعة مليون موهبة جديدة؟!
وبحسب ما أعلنه الاتحاد المصري للكيك بوكسينج، وقعت الواقعة أثناء وجود لاعبي المنتخب في المدرجات لمؤازرة زميلتهم بسملة العربي خلال مباراتها النهائية. وأوضح الاتحاد أن عبد الفتاح أبلغ زملاءه بأنه ذاهب إلى دورة المياه، ثم اختفى ولم يعد إلى مقر إقامة البعثة، قبل أن يتبين تخلفه عن رحلة العودة إلى مصر. وأعلن الاتحاد اتخاذ الإجراءات الرسمية اللازمة وإبلاغ الجهات المعنية، فيما بقي جواز سفر اللاعب وحقيبته ومتعلقاته الشخصية مع البعثة، وفق ما نقلته وسائل إعلام عن بيان الاتحاد.
وأكدت مصادر صحفية أن اللاعب كان قد حقق الميدالية الفضية في البطولة، التي أقيمت بمدينة جيسولو خلال الفترة من 18 إلى 27 سبتمبر 2026، فيما حقق المنتخب المصري في البطولة ثماني ميداليات، بينها ست فضيات وبرونزيتان. وبذلك جاءت واقعة اللاعب بعد إنجاز رياضي حققه باسم مصر، وهو ما جعل النقاش يتجاوز مجرد واقعة مخالفة للوائح البعثات إلى سؤال أوسع عن علاقة الدولة والاتحادات بالمواهب الرياضية التي تنجح في الوصول إلى المنافسات الدولية.
واستخدم الاتحاد نفسه، في بيانه تعبير "تخلف اللاعب عن العودة"، بينما استخدمت وسائل إعلام وحسابات على مواقع التواصل تعبير "الهروب". وهذه التفرقة مهمة، خصوصًا أن اللاعب يبلغ 15 عامًا، وأن ملابسات وجوده ومكانه ودوافعه لا ينبغي اختزالها في استنتاجات لم تثبت رسميًا.
وفي تصريح لاحق لرئيس الاتحاد محمد صبيح، قال إن اللاعب صغير السن، وإن الاتحاد أبلغ الجهات الرسمية عن اختفائه ويتابع البحث عنه، مضيفًا أن المتابعة أكدت عدم تعرضه لأي ضرر حتى وقت التصريح، مع عدم تحديد مكان وجوده. كما طرح رئيس الاتحاد تفسيرًا محتملًا بأن أحد الأشخاص المقربين ربما نصحه بالبقاء في الخارج، لكنه لم يقدم دليلًا علنيًا على هذا التفسير
وبمجرد انتشار الخبر، انقسم النقاش على مواقع التواصل بين من تعامل مع الواقعة باعتبارها امتدادًا لظاهرة مغادرة الرياضيين المصريين بعثاتهم الخارجية، ومن رفض تفسيرها قبل معرفة الأسباب الحقيقية التي دفعت اللاعب إلى اتخاذ قراره.
وكتب حساب رونالدوفيتش @Mohamed53574812 أن محمد عبد الفتاح لاعب في منتخب مصر للناشئين والشباب، يبلغ 15 عامًا، وشارك في بطولة العالم بمدينة جيسولو وحصل على الميدالية الفضية، ثم غادر المعسكر، قبل أن يطرح سؤالًا حول تكرار ظاهرة مغادرة اللاعبين المصريين بعثاتهم.
أما الحقوقي أسامة رشدي @OsamaRushdi، فتعامل مع الواقعة من زاوية مختلفة، معتبرًا أن الأولوية يجب أن تكون للاطمئنان على اللاعب، ثم البحث في أسباب تكرار وقائع مغادرة الرياضيين المصريين بعثاتهم، مستشهدًا بحالتي محمد الشامي وزياد حجاج، وداعيًا إلى البحث في ظروف الرعاية الرياضية والدعم والفرص التي يحصل عليها اللاعبون.
وقال : "لا أعرف ما الذي دفع محمد بعينه إلى الهروب من البعثة. لكننا نعرف أن عشرات الآلاف من الأطفال المصريين في نفس عمره خاطروا بحياتهم في قوارب الهجرة بحثًا عن مستقبل في إيطاليا وغيرها. ولا أبالغ حين أقول إن الفقر وانعدام الفرص وسوء رعاية الرياضيين أسباب لا يجوز تجاهلها عند بحث تكرار هذه الوقائع. وحين يرى شاب في أول فرصة للخروج باب نجاة من سجن، فلا تُجاب أسئلته بالتخوين.. فالأوطان تحتفظ بأبنائها حين تمنحهم الكرامة والأمل.".
وأضاف، "المسئولية السياسية تقع على من جعل الهجرة حلمًا لدى أعداد من الشباب، حتى صار هروب رياضي عن بعثته خبرًا يتكرر، بدل أن يكون جرس إنذار يدفع إلى مراجعة الأسباب.".
ونشر حساب @GelecekGelin رواية مختلفة، ادعى فيها أن أسرة محمد عبد الفتاح موجودة خارج مصر، وأن والده يعيش في الإمارات، وبالتالي رأى أن تفسير الواقعة بالفقر أو الحاجة إلى إعالة الأسرة ليس بالضرورة صحيحًا. غير أن هذه التفاصيل الأسرية لم أجد لها تأكيدًا مستقلًا في البيانات الرسمية أو المصادر الصحفية الموثوقة التي راجعتها، ولذلك تبقى في إطار ما نشره الحساب ولا يصح تقديمها باعتبارها حقيقة ثابتة.
https://x.com/GelecekGelin/status/2104667916390318252
وردا عليه كتب حساب @anonymous85 تعليقًا يرفض تحميل اللاعب وحده مسئولية الظاهرة، وربط بين واقعة عبد الفتاح والجدل الدائر حول طريقة تعامل الجهاز الفني للمنتخب مع محمد صلاح، معتبرًا أن القضية الأوسع تتعلق بقدرة المنظومة المصرية على الاحتفاظ بالمواهب وتوفير بيئة مناسبة لها.
وبغض النظر عن اختلاف التفسيرات، فإن واقعة عبد الفتاح لم تأتِ في فراغ. ففي أغسطس 2026 أعلنت وزارة الشباب والرياضة إحالة واقعتين للاعبَي المصارعة محمد مصطفى علي الشامي وزياد حجاج إلى النيابة العامة. الشامي غادر بعثة المنتخب خلال فترة الترانزيت في روما، بينما وقعت واقعة حجاج أثناء مشاركته في بطولة العالم للشباب للمصارعة في سلوفاكيا.
وأوضحت وزارة الشباب والرياضة أن الهدف من إحالة الواقعتين هو التحقيق في الملابسات وتحديد المسئوليات القانونية والإدارية، مع التشديد على عدم استباق نتائج التحقيقات أو إصدار أحكام مسبقة على أي طرف.
وفي واقعة الشامي تحديدًا، ذكرت مصراوي أن اللاعب حصل على جواز سفره من مسئول البعثة خلال فترة الترانزيت في مطار روما، ثم غادر محيط أفراد البعثة ولم يعد إليهم، ما أدى إلى حالة من الارتباك ومحاولات للبحث عنه.
وتعيد الوقائع الجديدة إلى الذاكرة كذلك واقعة المصارع أحمد فؤاد بغدودة عام 2023، الذي غادر بعثة منتخب مصر للمصارعة في تونس عقب حصوله على فضية البطولة الأفريقية، في واقعة أثارت وقتها نقاشًا واسعًا حول ظروف اللاعبين المصريين واحتياجاتهم ومستقبلهم الرياضي.
وفي الوقت نفسه، شهد المنتخب المصري الأول لكرة القدم واقعة مختلفة تتعلق بمحمد صلاح، قائد المنتخب، بعد مباراة مصر وأنجولا في تصفيات كأس الأمم الأفريقية 2027. فقد غادر صلاح معسكر المنتخب قبل مباراة جنوب السودان، التي أقيمت على ملعب من العشب الصناعي، وهو ما فتح بابًا واسعًا للروايات والتفسيرات حول أسباب مغادرته.
ومحمد صلاح نفسه يمثل مثالًا لموهبة مصرية خرجت إلى أوروبا، وتطورت هناك، وأصبحت من أبرز اللاعبين المصريين والعرب في تاريخ كرة القدم الحديثة.
مليون محمد صلاح
الفكرة التي طرحها اللجنة محمد الديسطي تقوم على إنشاء مسار يبدأ بالاكتشاف المبكر، ثم المسابقات والتدريب والرعاية والتمويل والاحتكاك الدولي، وصولًا إلى الإنجاز. لكن الوقائع الرياضية الأخيرة تضيف مرحلة أخرى إلى المعادلة: الاحتفاظ بالموهبة وإدارة علاقتها بالمؤسسة.
فالموهبة التي تحصل على ميدالية عالمية ثم تغادر بعثة منتخبها، أو لاعب يختار استكمال مسيرته في منظومة رياضية أجنبية، أو لاعب محترف عالمي يغادر معسكر المنتخب باتفاق رسمي، كلها حالات مختلفة، لكنها تضع سؤال العلاقة بين اللاعب والمؤسسة في قلب النقاش.
ولهذا فإن إنشاء قاعدة بيانات وطنية للمواهب، كما تقترح المبادرة، يمكن أن يتجاوز تسجيل أسماء اللاعبين والطلاب إلى متابعة مسارهم التدريبي والمهني، ومعرفة أسباب توقفهم، ومقدار الدعم الذي حصلوا عليه، والفرص التي أتيحت لهم، وما إذا كانوا قادرين على مواصلة مسيرتهم داخل المنظومة المصرية أو من خلال الاحتراف الخارجي مع استمرار تمثيل مصر أو تمثيل دولة أخرى.
والتحدي ليس أن تعثر مصر على مليون موهبة، وإنما أن تمنح كل موهبة مسارًا واضحًا من لحظة اكتشافها حتى لحظة وقوفها على منصة عالمية، وأن تكون لديها منظومة قادرة على التعامل مع اللاعب عندما يكبر، ويصبح له رأي وخيارات وطموح واحتراف خارج الحدود.