مع مرور ٣ سنوات على «طوفان الأقصى».. كيف دمرت الحرب صورة الكيان الصهيوني ومشروعه الاستراتيجي؟

- ‎فيتقارير

مع مرور ثلاث سنوات على عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023، تبدو آثار الحرب أبعد بكثير من حدود قطاع غزة، الذي تعرّض لدمار واسع، لتطال صورة إسرائيل وجيشها واقتصادها، وتعيد طرح أسئلة بشأن مستقبل المشروع الإسرائيلي وقدرته على فرض وقائع سياسية وجغرافية جديدة بالقوة العسكرية.

فالحرب التي بدأت بهجوم مفاجئ شنته حركة حماس على مستوطنات وقواعد إسرائيلية، ثم تحولت إلى حملة عسكرية إسرائيلية واسعة في قطاع غزة، أظهرت، وفق قراءة تحليلية، فجوة بين التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي وبين القدرة على تحقيق أهداف سياسية واستراتيجية نهائية.

وبينما تواصل إسرائيل الاعتماد على تفوقها الجوي والاستخباري والناري، فإن استمرار الحرب وما رافقها من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية أثار نقاشًا داخل إسرائيل وخارجها حول حدود القوة العسكرية، ومدى قدرة الجيش على خوض حروب طويلة، وحول العلاقة التي ظلت قائمة لعقود بين الجيش والمجتمع والاقتصاد.

وفي المقابل، لا تزال إسرائيل تتمتع بتفوق عسكري كبير ودعم أمريكي واسع، وإن كانت طبيعة هذا الدعم ومدى الإجماع عليه داخل الولايات المتحدة موضع نقاش متزايد. ففي سبتمبر الماضي، أعلن عضو بارز في لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي تعليق الموافقة على صفقة أسلحة لإسرائيل بقيمة 2.8 مليار دولار، بسبب مخاوف تتعلق باستخدام الأسلحة وحماية المدنيين.

 

"إسرائيل الكبرى".. بين الرؤية والقدرة

يرى كاتب المادة أن الحرب كشفت صعوبة تحقيق مشروع «إسرائيل الكبرى»، سواء من خلال أدوات القوة الناعمة والاقتصاد والثقافة كما طرح شيمون بيريز في كتابه «الشرق الأوسط الجديد»، أو عبر القوة العسكرية المباشرة التي ارتبطت برؤية بنيامين نتنياهو في كتابه «مكان تحت الشمس».

فقد تمكن الجيش الإسرائيلي خلال السنوات الثلاث الماضية من التوغل في مناطق واسعة في غزة، كما نفذ عمليات عسكرية في لبنان وسوريا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، وفق هذا الطرح، لا يتعلق فقط بقدرة الجيش على دخول الأراضي، وإنما بقدرته على الاحتفاظ بها وتحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى واقع سياسي دائم.

وتشير التجارب السابقة في لبنان وغزة إلى أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة القدرة على إنهاء المقاومة أو ضمان استمرار الاحتلال دون كلفة متزايدة.

وفي غزة تحديدًا، ورغم حجم الدمار الهائل، لم تنتهِ قدرة الفصائل الفلسطينية على العمل، فيما بقيت مسألة مستقبل القطاع مرتبطة بتسوية سياسية وأمنية لم تستقر بصورة نهائية.

 

الجيش الإسرائيلي.. من «الردع» إلى اختبار القدرة على الحرب الطويلة

أحد أبرز تداعيات «طوفان الأقصى» تمثل في الضربة التي تعرضت لها صورة الجيش الإسرائيلي باعتباره قوة قادرة على منع أي اختراق لأراضيها، وهي الصورة التي شكلت أحد أعمدة العقيدة الأمنية الإسرائيلية لعقود.

كما فرضت الحرب على إسرائيل إعادة النظر في قضية القوة البشرية، مع استمرار الحاجة إلى أعداد كبيرة من جنود الاحتياط، وتصاعد الخلافات الداخلية بشأن تجنيد اليهود الحريديم.

ولا تقتصر المشكلة على عدد الجنود، بل تمتد إلى قدرة المجتمع الإسرائيلي على تحمل حرب طويلة، وإلى الكلفة التي تفرضها عمليات التعبئة المستمرة على الاقتصاد وسوق العمل والحياة المدنية.

ومن هنا برزت الحرب باعتبارها اختبارًا للعلاقة التقليدية بين الجيش والمجتمع والاقتصاد، وهي العلاقة التي اعتمدت عليها إسرائيل في بناء نموذج أمني واجتماعي يقوم على تحويل الخدمة العسكرية إلى مؤسسة مركزية في حياة الدولة.

 

«طوفان الأقصى» يعيد تشكيل معادلة الجيش والمجتمع

لطالما ارتبط الجيش الإسرائيلي بالمجتمع المدني عبر الخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياط، كما مثل الجيش بوابة لاكتساب مهارات وخبرات تنتقل لاحقًا إلى القطاعات الاقتصادية والتكنولوجية.

لكن الحرب الطويلة أعادت اختبار هذه المعادلة. فاستدعاء أعداد كبيرة من جنود الاحتياط لفترات ممتدة انعكس على قطاعات اقتصادية مختلفة، فيما تحملت الشركات الصغيرة، التي تمثل شريحة هشة من الاقتصاد، جزءًا من تداعيات التعبئة والحرب.

وفي الوقت نفسه، فرضت الحرب على المؤسسة العسكرية مراجعة جوانب تتعلق بالتدريب والقيادة وتوزيع الموارد والعلاقة بين القيادة والجنود، بعد أن كشفت أحداث السابع من أكتوبر عن إخفاقات أمنية واستخبارية كبيرة.

 

هجرة عكسية وضغوط ديموغرافية

ومن الملفات التي يربطها التحليل بتداعيات الحرب قضية الهجرة من إسرائيل وإليها. فإسرائيل اعتمدت تاريخيًا على الهجرة اليهودية باعتبارها أحد مصادر قوتها البشرية والاقتصادية، بينما يمكن أن تؤدي الحروب الطويلة وحالة عدم الاستقرار إلى دفع بعض السكان إلى مغادرة البلاد أو تأجيل الانتقال إليها.

وفي هذا السياق، تثار تقديرات بشأن ارتفاع معدلات الهجرة العكسية منذ اندلاع الحرب، وإن كانت الأرقام المتداولة تختلف بصورة كبيرة بحسب طريقة احتساب المغادرين والفترة الزمنية التي يجري قياسها.

وتزداد أهمية المسألة في ظل حاجة إسرائيل إلى قوة بشرية كبيرة لتغطية احتياجات الجيش والاقتصاد في الوقت نفسه.

 

«مبدأ هانيبال» والجدل حول قيمة الفرد

ومن أكثر الملفات حساسية التي أفرزتها الحرب الجدل بشأن التعامل مع الأسرى الإسرائيليين الذين احتجزتهم حماس خلال هجوم 7 أكتوبر.

ويشير التحليل إلى أن الحرب فرضت مراجعة لقيمة كانت مركزية في العقيدة الإسرائيلية، وهي أولوية حماية المواطن والجندي الإسرائيلي، في ظل اتهامات وتقارير أثارت جدلًا واسعًا حول تطبيق أوامر مرتبطة بما يعرف بـ«مبدأ هانيبال».

وتاريخيًا، ارتبطت هذه القيمة بأربعة اعتبارات أساسية: محدودية الموارد البشرية الإسرائيلية، والحفاظ على صورة الدولة القادرة على حماية مواطنيها، وتعزيز ثقة المجتمع في المؤسسة السياسية والعسكرية، والحفاظ على التماسك الداخلي.

لكن الحرب وضعت هذه المعادلة أمام اختبار بالغ الصعوبة، خصوصًا مع الخسائر الكبيرة والأسرى والجدل الداخلي بشأن الأولويات التي يجب أن تحكم إدارة الحرب.

 

الرقابة العسكرية.. معركة أخرى على صورة إسرائيل

لم تقتصر تداعيات الحرب على الميدان، بل امتدت إلى الإعلام وصورة إسرائيل أمام العالم. فقد فرضت السلطات الإسرائيلية قيودًا ورقابة عسكرية على نشر معلومات تتعلق بالعمليات والخسائر والتحركات العسكرية، وهي إجراءات تقول إسرائيل إنها ضرورية لحماية الجنود والأمن القومي.

لكن هذه السياسة أثارت في المقابل انتقادات بشأن الشفافية وحق الجمهور في معرفة حجم الخسائر والتداعيات الحقيقية للحرب.

وتكشف الوقائع الحديثة استمرار حساسية المؤسسة الأمنية تجاه تسريب المعلومات العسكرية؛ ففي أكتوبر الحالي، دخل جهاز الشاباك في مواجهة مع القناة 12 الإسرائيلية بسبب تقرير عن زيارة سرية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي، معتبرًا أن نشر المعلومات في ذلك التوقيت يمثل خرقًا للرقابة العسكرية ويعرض العمليات للخطر.

وفي السياق ذاته، أظهر الجدل داخل إسرائيل حول الفيلم الوثائقي «NAZA» أن الحرب باتت ساحة صراع داخلية حول الرواية التي يجب أن تقدم للجمهور الإسرائيلي والعالم. الفيلم، الذي شارك فيه جنود ومسئولون عسكريون سابقون، أثار غضب الحكومة والقيادة العسكرية بسبب شهادات تناولت أساليب الاستهداف في غزة.

 

من «جيش لا يُقهر» إلى أزمة الصورة

على مدار عقود، بنت إسرائيل جزءًا مهمًا من صورتها الدولية على التفوق العسكري والاستخباري وعلى قدرة جيشها على تحقيق أهدافه بسرعة.

لكن «طوفان الأقصى» ألحق ضررًا بهذه الصورة، بعدما تمكنت حماس من تنفيذ هجوم واسع داخل الأراضي الإسرائيلية، قبل أن تتحول الحرب إلى صراع طويل استنزف الجيش والمجتمع والاقتصاد.

كما أدت الحرب إلى اتساع الانتقادات الدولية لإسرائيل بسبب حجم الدمار والخسائر المدنية في غزة. وفي سبتمبر الماضي، أثار فيلم وثائقي إسرائيلي عن الحرب جدلًا واسعًا بعد حصوله على جائزة في مهرجان البندقية، وتضمن شهادات من مصادر داخل المؤسسة العسكرية حول عمليات الاستهداف في القطاع.

وفي الولايات المتحدة أيضًا، لم يعد الدعم لإسرائيل محل إجماع سياسي كما كان في مراحل سابقة؛ إذ أظهرت التطورات الأخيرة وجود انقسامات داخل الحزب الديمقراطي حول طبيعة العلاقة مع تل أبيب، مع استمرار تيار سياسي يطالب بالحفاظ على الدعم الأمني، مقابل أصوات تدعو إلى إعادة النظر في المساعدات العسكرية غير المشروطة.

 

الحرب كشفت حدود «الذرائعية» الإسرائيلية

ومن أبرز ما يناقشه التحليل مسألة الخطاب الذي استخدمته إسرائيل تاريخيًا لتبرير عملياتها العسكرية. فقد قدمت إسرائيل حروبها في أوقات كثيرة باعتبارها حروبًا دفاعية أو عمليات استباقية تهدف إلى منع تهديدات خارجية من الوصول إلى أراضيها.

لكن استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاقها إلى غزة ولبنان وسوريا، إلى جانب الضربات التي طالت إيران، أدى إلى اتساع النقاش الدولي حول طبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية وحدود مفهوم «الدفاع عن النفس».

وتزامن ذلك مع عودة الحديث داخل إسرائيل عن مشاريع تتعلق بمستقبل غزة وتهجير سكانها، حيث طرح وزراء إسرائيليون من اليمين المتطرف خططًا لما وصفوه بـ«الهجرة الطوعية» للفلسطينيين من القطاع. وقد أثارت هذه الطروحات رفضًا فلسطينيًا ودوليًا واسعًا، بينما تقول الحكومة الإسرائيلية إنها لا تخطط لتهجير قسري.

 

الاغتيالات.. هروب من كلفة الحرب المباشرة؟

كما سلطت الحرب الضوء على اعتماد إسرائيل المتزايد على عمليات الاغتيال والاستهداف المباشر لقادة الفصائل. ويرى التحليل أن هذا النهج يمثل، في جانب منه، محاولة لتجنب الكلفة البشرية والسياسية للحروب البرية الطويلة، خصوصًا في بيئات حضرية كثيفة السكان.

غير أن التجربة التي أعقبت «طوفان الأقصى» أظهرت أن اغتيال قادة أو تدمير بنى عسكرية لا يعني بالضرورة القضاء على التنظيمات المسلحة أو إنهاء قدرتها على إعادة إنتاج نفسها. ومن هنا تبرز حدود نظرية «صفر مقاومة» التي افترضت إمكانية حسم الصراع عبر التفوق الاستخباري والعسكري وحده.

 

التحول الأكبر.. صورة إسرائيل في العالم

ربما تكون الصورة الدولية لإسرائيل هي أكثر الملفات التي شهدت تحولًا خلال السنوات الثلاث الماضية. فمع استمرار الحرب، اتسعت الاحتجاجات في عواصم غربية، واشتد النقاش في الجامعات والمؤسسات الثقافية، كما أصبح موضوع الدعم الأمريكي لإسرائيل أكثر حضورًا في النقاش السياسي الداخلي الأمريكي.

ولا يعني ذلك أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي انتهى أو أن الدعم العسكري توقف؛ بل على العكس، لا تزال واشنطن تقدم دعمًا أمنيًا وسياسيًا مهمًا لإسرائيل. لكن طبيعة النقاش تغيرت، وأصبحت العلاقة نفسها موضوعًا للخلاف داخل الولايات المتحدة. ويظهر ذلك في الجدل داخل الحزب الديمقراطي وفي اعتراضات بعض أعضاء الكونغرس على صفقات أسلحة جديدة.

 

ثلاث سنوات غيّرت المعادلة

بعد ثلاث سنوات من «طوفان الأقصى»، لا تبدو المسألة مجرد حرب بين إسرائيل وحماس، وإنما اختبار طويل لنموذج كامل قام على التفوق العسكري والاستخباري، وعلى قدرة الجيش على حماية الداخل، وعلى قوة الردع، وعلى الدعم الأمريكي والغربي.

فقد تعرضت غزة لدمار هائل، ولا تزال آثار الحرب الإنسانية والسياسية حاضرة بقوة؛ وفي الوقت نفسه، تواجه إسرائيل أسئلة بشأن الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للحرب، ومستقبل جيش الاحتياط، والهجرة، والعلاقة بين المجتمع والمؤسسة العسكرية، وصورتها في العالم.

وفي غزة نفسها، لا تزال آثار الدمار واسعة إلى درجة جعلت العودة وإعادة الإعمار قضية مركزية بالنسبة لمئات الآلاف من النازحين؛ وتشير بيانات حديثة نقلتها رويترز إلى أن أكثر من 100 ألف فلسطيني ممن غادروا القطاع خلال الحرب ما زالوا خارج غزة، فيما عاد نحو 7 آلاف فقط حتى الآن.

وبذلك، فإن السؤال الذي فرضته السنوات الثلاث الماضية لا يتعلق فقط بمن ربح معركة عسكرية هنا أو خسر أخرى هناك، وإنما بقدرة القوة العسكرية وحدها على إنتاج تسوية سياسية مستقرة.

فالتفوق العسكري يمكنه أن يدمر المدن ويغير خرائط الانتشار، لكنه لا يضمن بالضرورة صناعة واقع سياسي دائم. وهذه، وفق القراءة التي ينطلق منها التقرير، هي المعضلة الأعمق التي تركتها «طوفان الأقصى» أمام المشروع الإسرائيلي: قدرة الدولة على استخدام القوة لا تعني بالضرورة قدرتها على تحويل القوة إلى مشروع سياسي قابل للاستمرار.