تصدير: "المستعمرون يروعُهُمُ الاستقلال الثقافي والحضاري، ولا تروعهم الأفعال العُنفيّة التي يتقنونها أكثر من كل الآخرين" (المفكر الجزائري المرحوم مالك بن نبي)
يعرف أي مطّلع على كتابات المرحوم مالك بن نبي مركزية مفهوم "قابلية الاستعمار في الإطار المفهومي العام لهذا المفكر، كما يعلم المشتغلون على الفكر الإصلاحي أن ابن نبي قد قدّم أطروحاته الإصلاحية "المتفائلة" على أساس أن انتهاء مرحلة الاستعمار المباشر (أي التخلص من مُعامل الاستعمار الخارجي) قد وفّر أرضية مناسبة لتجاوز مظاهر "قابلية الاستعمار"، والقيام بعملية إصلاح شامل يكون هدفها القضاء على معامل القابلية الداخلية للاستعمار.
وليس هدفنا في هذا المقال مجادلة المرحوم ابن نبي، بل هدفنا هو استثمار مفهوم "القابلية للاستعمار" وتوسيع دلالته ليشمل ما يسمى بـ"الاستعمار الجديد"؛ باعتباره فضاءً استعماريا متحوّلا لم يكن يسمح بالتخلص من القابلية للاستعمار بقدر ما كان يعيد هندستها، أي باعتبار دول الاستقلال أو الكيانات الوظيفية التي ورثت الاستعمار المباشر هي -من باب مكر العقل في التاريخ أو مكر النخب بشعوبها- مجرد إطار عام لهيمنة سرديات "تحررية" في مستوى المزاعم والادعاءات الذاتية، ولكنها -في مستوى الخيارات الكبرى والمحصول القابل للضبط والإحصاء- كانت سرديات استعمارية مخاتلة لا تسمح إلا بترسيخ ما نسمّيه بـ"قابلية الاستعمار الجديد".
في زمن سياسي تونسي تسوده سردية سلطوية مدارها "حرب التحرير الوطني" وتأكيد مبدأ السيادة المرادفة لاحتكار الإرادة الشعبية ورفض أي تشاركية وعدم الاعتراف بشرعية الأجسام الوسيطة، وفي زمن ترهن فيه النخب المعارضة "عودة" الديمقراطية التمثيلية بضعف السلطة أو بتغيرات إقليمية ودولية لا علاقة لها بالشعب أو بالقوة الذاتية للمعارضة، التي أكدت عشرية الانتقال الديمقراطي ومِن بعدِها إجراءات 25 تموز/يوليو 2021 أن أغلب مكوّناتها لا تعتبر الديمقراطية أولوية إلا في مستوى الشعارات والمزايدات الأيديولوجية، في هذا الزمن الذي يتواطأ كل فاعليه الجماعيين على القبول بالأساطير المؤسسة لدولة الاستعمار الجديد مثل "الاستقلال" و"السيادة" و"الوطنية"، فإن الحديث عن "قابلية الاستعمار الجديد" سيكون ضربا من السباحة ضد التيار، ولكننا نراها سباحة ضرورية لنسف "الأوثان" المرتبطة باستراتيجيات التجهيل المعمّم المعتمدة من لدن السلطة وهوامشها/ملحقاتها الوظيفية، أو حتى من لدن معارضيها يمينا ويسارا.
إنّ "قابلية الاستعمار الجديد" عندنا لا تحيل إلى مظاهر جديدة لقابلية الاستعمار فقط، بل تشير قبل ذلك إلى فشل مشروع "التحرير الوطني" وتحوله إلى مشروع للتغطية على واقع استعماري جديد. وهو واقع تراجعت فيه القوى الاستعمارية التقليدية إلى الهامش دوليا، لكن بعد أن ضمنت استمرار هيمنتها الثقافية وبالتالي ضمنت مصالحها المادية حتى بعد خروج عساكرها من مستعمراتها القديمة، ولمّا كان النموذج الاستعماري الفرنسي-على خلاف النموذج الاستعماري الإنكليزي- قائما على التلازم بين الهيمنة الثقافية -أي تفكيك البني الفكرية والمؤسساتية التقليدية للمستعمرات- وبين الهيمنة العسكرية، فإنّ فرنسا قد حرصت على أن تتم اتفاقيات الاستقلال "الصوري" مع نخب "حداثية" معادية للنخب التقليدية وغير متماهية مع الوعي الجماعي الغالب، بل كانت حريصة على إخلاء الساحة السياسية للنخب "الحداثية" وضرب خصومها وإضعافهم داخليا وخارجيا، وهو ما مهّد لهيمنة نخب ترى أن تناقضها الرئيس هو مع "الهُوية الجماعية" ومع المقدس الجمعي، أما تناقضها مع الاستعمار فهو تناقض ثانوي لأن المستعمر هو مرجع التحديث ونموذجه، وهو الحليف القوي لمواجهة النخب التقليدية والفئات الاجتماعية التي يمثلها.
قد لا نجانب الحقيقة إذا ما قلنا إن طرح التحديث باعتباره مشروعا يتحرك بالضرورة ضد النخب التقليدية وضد الوعي الجمعي من جهة أولى، وباعتباره -من جهة ثانية- مشروعا "تغريبيا" بالضرورة من جهة كان هو الأساس الأيديولوجي الذي ستقوم عليه منظومة الاستعمار الداخلي في تونس. فالبورقيبية -وهي أيديولوجيا دولة الاستعمار الجديد- لم تكن في جوهرها إلا مشروعا للهيمنة الثقافية الاستعمارية في مرحلة ما بعد الاستعمار المباشر، فإذا كان الاستعمار قد فشل في تأبيد حضوره المباشر في تونس، بل فشل في أن يقيم نوعا من الهيمنة الثقافية بالمعنى المعروف لها عند أنطونيو غرامشي، فإن خروجه لم يكن يعني نهاية المرحلة الاستعمارية بل الانتقال إلى شكل جديد منها، وهو شكل يستمد شرعيته من "فعل المقاومة" ومن قدرته على إخراج المستعمر، ولكنه يستمد خطورته -من المنظور التحرري الحقيقي- في تقديمه الواقع الاستعماري الجديد على أساس أنه مشروع "تحديثي" هدفه اللحاق بركب الدول المتقدمة، في حين أن دوره الواقعي هو إعادة إنتاج شروط التخلف والتبعية وشرعنة العلاقات اللا مكافئة مع السيد الاستعماري القديم.
لقد حرصت "نخب الاستقلال" على تحويل انتهاء "مُعامل الاستعمار الخارجي" من مكسب "أهلي" إلى مكسب استعماري، فالاستعمار الجديد هو استعمار أقل كلفة اقتصادية على فرنسا، وهو أيضا أقل إحراجا لنخبها "السياسية" و"الحقوقية"، وفضلا عن ذلك فإنه يجعل "الهيمنة الثقافية" الضرورية لشرعنة الهيمنة الاقتصادية جزءا من "مشروع تحديثي" زائف ولكنه فعّال، إنه مشروع زائف لأنه يتم تحت سقف منظومة الاستعمار الداخلي التي تمنع أي مشروع للتحرر الحقيقي وتحارب أي أطروحة لبناء مقومات السيادة والاستقلال عن المركز الغربي، ولكنه مشروع فعّال بحكم قدرته على تحويل أساطيره التأسيسية إلى مشترك جماعي بين النخب، وهو ما يجعل سقف تحرك تلك النخب لا يتجاوز الصراع العبثي على احتلال الواجهات السياسية لمنظومة الاستعمار الداخلي أو خدمتها في ملحقاتها الوظيفية، مثل النقابات والمجتمع المدني والثقافة والإعلام والتعليم.. الخ. فلا أحد من الفاعلين الجماعيين -سواء في عشرية الانتقال الديمقراطي أو في "تصحيح المسار"- طرح على نفسه مهمة مواجهة منظومة الاستعمار الداخلي أو على الأقل إعادة التفاوض مع نواتها الصلبة من موقع النظير لا التابع.
بعيدا عن المزايدات، فإن اليسار الوظيفي لم يفعل غير استصحاب منطق نخب الاستقلال الصوري عن فرنسا، فالمنطق المانوي لثنائية التناقض الرئيس والتناقض الثانوي لم يفعل غير وضع "الخوانجية" في المحل الذي كانت تحتله النخب التقليدية (هؤلاء يمثلون عنده النقيض الرئيس لأطروحاته باعتبار أنهم يمثلون فكرا ما قبل حداثي ولا يمكن إيجاد أي تسوية تاريخية معهم)، ثم وضع منظومة الاستعمار الداخلي في المحل الذي كان يحتله المستعمر/الحليف (هذه المنظومة تمثّل عنده النقيض الثانوي لأطروحاته باعتبار أنها تشترك معه في "الأرضية الحداثية" للتفكير ويمكن الوصول معها إلى تسويات تاريخية)، أما النهضة فإنها -في إطار سعيها لكسب الاعتراف وتحقيق شروط "تَونَستها" كما فرضتها عليها النخب الوظيفية- لم تطرح على نفسها أكثر من مهمة الاندماج في منظومة الاستعمار الداخلي مع تعديلها -إن أمكن- في مستوى بعض خياراتها القيمية أو الأخلاقية لكن دون تهديد مصالح نواتها الصلبة (المركّب المالي-الجهوي-الأمني)، بل دون التشكيك في الأساطير المؤسسة أو الدعوة إلى مساءلة محصولها الواقعي منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا.
رغم القدرة التفسيرية الكبيرة لمفهوم "قابلية الاستعمار"، فإنه لا ينفصل عن المنطق "التفاؤلى" الذي كان يرى في "الاستقلال" فرصة لبناء إنسان جديد متحرر من الأمراض الفكرية والنفسية التي جعلت من الاستعمار حتمية تاريخية. وإذا كان لهذا المفهوم الذي صيغ في أربعينات القرن العشرين (صدر كتاب شروط النهضة بالفرنسية سنة 1949) قدرة تفسيرية غير منازع فيها لسياقات ما قبل الاستعمار المباشر، فإنه يفتقد تلك القدرة في سياقات "الاستعمار الجديد" باعتبارها سياقات غير مفكّر فيها أو مستبعدة في فكر مالك بن نبي، فنخب الاستقلال "الصوري" لم تنجح في القضاء على أسباب "قابلية الاستعمار" (مثل انهيار المنظومة القيمية، تفكك الرابطة الاجتماعية، الاستلاب النفسي.. الخ)، بل أعادت إنتاجها لكن في إطار سردية تحديثية يمكننا اعتبارها سردية الاستعمار الجديد. وهي سردية أخطر من السرديات الاستعمارية الصريحة، فالاستعمار المباشر يظل جسما غريبا أو غيرية لا تقبل الدمج في الهوية الجماعية، أما الاستعمار الداخلي أو الاستعمار الجديد فإنه يحمي مصالح المستعمر ومصالح وكلائه المحليين بأيديولوجيا "تحديثية" هدفها الخطابي هو "التحرر" والتقدم والتنوير.. الخ، ولكن وظيفتها واقعيا هي شرعنة واقع "الاستعمار الجديد" وإخراج أيديولوجيته التأسيسية -أي البورقيبية- من دائرة السجال العمومي باعتبارها "مشتركا وطنيا" لا يقبل النقد والمساءلة.