دارت تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا في القضية رقم 1711 لسنة 2026 عن وقائع فساد في أربعة مشروعات خدمية بمحافظة القاهرة، جميعها تمت عبر الإسناد المباشر، وكان المحور الأساسي للقضية هو فاطمة محمد صبري شافعي، مدير عام المكتب الفني بمديرية الإسكان بالقاهرة، والتي استغلت موقعها الوظيفي لتسريب القيم التقديرية للمشروعات إلى مقاولين محددين مقابل مبالغ مالية.
إلا أن مراقبين يؤكدون أن القضية تكشف عن نموذج متكرر للفساد في المشروعات الحكومية، تدور دائرته حول 4 عناصر رئيسية (رشاوى صغيرة وأرباح ضخمة للمقاولين ومشروعات رديئة وأعباء إضافية على الدولة والمواطن) في ظل غياب الرقابة والشفافية والمساءلة، تصبح مثل هذه الوقائع جزءًا من بنية أوسع للفساد المؤسسي.
ويشير مراقبون إلى أن ما تخفيه قضية فاطمة شافعي أكبر بكثير من تفاصيل الرشاوى والمقايسات، إنها تكشف عن شبكة مصالح سياسية واقتصادية مترابطة، حيث تصبح الرشوة مجرد عرض جانبي لمرض أعمق، القضية نموذج مصغر لمنظومة كاملة تعمل في الظل، وتعيد إنتاج نفسها باستمرار، بينما يدفع المواطن الثمن من جيبه ومن جودة حياته، وفي ظل غياب إصلاح حقيقي يعالج جذور المشكلة، ستظل مثل هذه القضايا تتكرر، بأسماء مختلفة، لكن بالآلية نفسها والنتائج نفسها.
فاطمة شافعي كحول؟
اللافت أن المبالغ التي حصلت عليها فاطمة شافعي كانت محدودة نسبيًا، مثل 117 ألف جنيه ومكافآت أخرى، بينما حققت الشركات المتورطة أرباحًا تجاوزت 9.6 مليون جنيه.
وهذا التفاوت يكشف طبيعة الفساد المؤسسي: موظف صغير يحصل على فتات، بينما تذهب الكعكة الكبرى إلى مقاولين وشركات تستفيد من التلاعب في الإجراءات.
ويبدو أن الأدلة التي اعتمدت عليها التحقيقات كانت قوية ومتنوعة، من اعترافات وتسجيلات صوتية إلى مستندات رسمية وتقارير فنية وأدلة رقمية، ما جعل القضية محكمة من الناحية القانونية.
لكن الأثر الحقيقي للفساد لم يظهر في التحقيقات فقط، بل في المشروعات نفسها. فقد تبين أن التنفيذ شابه استخدام خامات رديئة، وعدم الالتزام بكراسة الشروط، وتضخيم الأسعار، وإضافة بنود غير ضرورية وحذف أخرى أساسية.
كما يبدو أنه كالعادة فإن المواطن كان الخاسر الأكبر، إذ دفع ثمن الفساد ثلاث مرات: مرة من الضرائب التي موّلت المشروعات، ومرة من سوء جودة الخدمات التي لم تحقق الهدف منها، ومرة ثالثة من تكاليف الصيانة المتكررة التي أصبحت عبئًا على الموازنة العامة.
4 مشروعات كبرى بالقاهرة
ولسنا بصدد الدفاع عن شخص بل بلفت النظر إلى الجريمة الأكبر التي أتاحت لها ببعض مدارة للنظام أن تكون واجهة للفساد ويطاح بها، وتبدأ خيوط القضية من أربعة مشروعات خدمية في قلب القاهرة، كان يفترض أن تكون إضافة حضارية للمواطنين، لكنها تحولت إلى نموذج فجّ لكيفية انحراف السلطة الإدارية حين تغيب الرقابة.
وشملت المشروعات؛ تطوير حديقة الحرية بالزمالك، وحديقة العاشر من رمضان، ومركز القاهرة لتنمية الموارد البشرية، ومول المواردي بالسيدة زينب، ورغم اختلاف طبيعتها، إلا أنها اشتركت في مسار واحد: الإسناد المباشر، وضعف الجودة، وتضرر المواطنين، خصوصًا الباعة الجائلين الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لقرارات لم يشاركوا في صنعها.
وفي قلب هذه الوقائع تقف فاطمة محمد صبري شافعي، مدير عام المكتب الفني بمديرية الإسكان بالقاهرة، وهي موظفة تبدو للوهلة الأولى مجرد حلقة صغيرة في جهاز إداري ضخم، لكنها كانت تملك صلاحيات واسعة مكّنتها من التحكم في مسار التعاقدات.
وكشفت تفاصيل القضية التي استعرضتها منصات مثل "متصدقش" و"الموقف المصري" أنها استغلت موقعها لتسريب القيم التقديرية للمشروعات إلى مقاولين بعينهم، مقابل مبالغ مالية.
ويبدو أن الأمر لم يكن عشوائيًا، بل كان منظّمًا بدقة: تحديد القيمة داخل المديرية، تسريبها، تقديم عروض محسوبة تضمن الفوز، ثم تمرير التعاقد عبر الإسناد المباشر، شهادات المسؤولين أكدت أنها كانت صاحبة القرار الأول في اعتماد المقايسات، ما جعلها نقطة ارتكاز في شبكة فساد أكبر من مجرد موظفة تتلقى رشوة.
منظومة الفساد
وجاءت مصر في المرتبة 130 من أصل 180 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، وهو مؤشر يعكس وجود منظومة فساد متجذرة تتجاوز الأشخاص إلى بنية الحكم نفسها.
ويتمثل الفساد في غياب الرقابة الشعبية والبرلمانية والصحفية، وغياب الشفافية في العقود والإنفاق العام، وضعف المساءلة، ومركزة السلطة في يد أفراد، كلها عوامل تجعل الفساد بيئة طبيعية للنمو.
والمؤسسات التي يفترض أن تكشف الفساد أصبحت مقيدة، والصحافة التي يفترض أن تراقب أصبحت محاصرة، والبرلمان الذي يفترض أن يحاسب أصبح تابعًا للسلطة التنفيذية.
قاض يواجه فساد عصابة
واستعرض ناشطون كيف أن مستشار واحد هو: عاصم الجوهري كأحد أبرز الوجوه القضائية واجه منظومة الفساد في مصر خلال مرحلة ما بعد سقوط نظام مبارك.
وكيف كشف شبكات نفوذ اعتقد أصحابها أنهم فوق الحساب وتحت قيادته، تغيّر جهاز الكسب غير المشروع من مؤسسة بيروقراطية محدودة التأثير إلى مقصلة قانونية حقيقية، استطاعت تفكيك إمبراطوريات مالية وسياسية ظلت لعقود بمنأى عن المساءلة.
بدأ الجوهري عمله بفتح ملفات ثقيلة تخص رموز النظام السابق. كان من أبرزها ملف تضخم ثروة صفوت الشريف، الذي كشف امتلاكه قصورًا وفيلات في مناطق مميزة مثل لسان الوزراء وفايد والساحل الشمالي، أجبره التحقيق على الاعتراف باستغلال نفوذه لتحويل منصبه إلى مصدر ضخم للأراضي والعقارات.
كما حاصر زكريا عزمي بملف “هدايا الأهرام” والقصور الرئاسية، وكشف امتلاكه شققًا وفيلات لا تتناسب مع دخله، وألزمه برد ملايين الجنيهات التي حصل عليها في صورة هدايا ذهبية وألماس.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد واجه الجوهري دهاء فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب الأسبق، بملفات أراضٍ وثروات تضخمت نتيجة استغلال منصبه التشريعي لسنوات طويلة.
وامتدت يد الجوهري إلى رجال الأعمال الذين ارتبطت ثرواتهم بنفوذ سياسي مباشر، كان أحمد عز، إمبراطور الحديد، في مقدمة هؤلاء، كشفت التحقيقات كيفية استغلاله موقعه في الحزب الوطني للسيطرة على السوق، وتحويل قروض البنوك إلى ثروات مهربة، قبل أن يُلزم بسداد مبالغ ضخمة في شكل غرامات وتصالحات.
كما فضح الجوهري ممارسات محمد إبراهيم سليمان في ملفات الفساد العقاري، حيث أثبت تخصيصهما أراضي وفيلات في الشروق والقاهرة الجديدة لأقاربهما بأسعار رمزية، واسترد آلاف الأمتار من هذه الأراضي.
وطالت التحقيقات أيضًا حبيب العادلي في قضايا غسل الأموال وتضخم الثروة، وأحمد المغربي وزهير جرانة في قضايا الاستيلاء على أراضي الدولة السياحية وتخصيصها لشركاتهم الخاصة، وأنس الفقي في قضايا استغلال النفوذ داخل وزارة الإعلام، إضافة إلى ملاحقة يوسف بطرس غالي دوليًا في قضايا إهدار أموال التأمينات والمعاشات.
وكانت أخطر الملفات التي كشفها الجوهري هي شبكة التحويلات المالية السرية المرتبطة بجمال وعلاء مبارك وشركائهم، فقد تتبع خيوطًا معقدة قادته إلى اكتشاف تحويلات بمئات الملايين من الدولارات عبر شركات واجهة لا وجود لها إلا على الورق، مسجلة في جزر العذراء البريطانية، وتستخدم لإخفاء عمولات ضخمة ناتجة عن صفقات الخصخصة وبيع الغاز.
استطاع الجوهري، بمهارة تحقيق دولي نادرة، كشف تحويلات بقيمة 670 مليون دولار دفعة واحدة، وأجبر جهات دولية على تجميدها. كان ذلك أول دليل قاطع على وجود ثروات منهوبة ومنظمة خارج البلاد، ما شكّل زلزالًا سياسيًا وقانونيًا.
لم يقتصر إنجاز الجوهري على كشف الفساد، بل نجح في استرداد ما يزيد على 11 مليار جنيه نقدًا، إضافة إلى آلاف الأفدنة في الحزام الأخضر وطريق مصر–الإسكندرية الصحراوي، وهي أصول تُقدّر قيمتها بعشرات المليارات.
كان ما فعله أقرب إلى “انتحار مهني”، فقد واجه تهديدات صريحة بالتصفية الجسدية، وتعرض لحملات تشويه منظمة، لكنه واصل عمله بإصرار، وأعاد بناء القضايا من الصفر بذكاء قانوني لافت.
عودوا إلى مقاعدكم
وكان لافتا أنه أمام هذا الوجه القضائي الذي استعرض ملفات مسكوت عنها منذ زمن في عهد ما بعد المخلوع، هناك عشرات الوجوه القضائية تنضوي في عملية السطو المسلح في مصر فأعادوا الفاسدين إلى سدة الحكم والظهور مجددا وتنكية الثروات الاحتكارية، التي يقودها المنقلب وهو ما تناوله الحقوقي والسياسي أسامة رشدي @OsamaRushdi في استعراض سابق قال: إن "مصر تتعرض لأكبر عملية سطو واحتلال في تاريخها، مشيرا إلى كيف يصبح الذئب مديرا لحظيرة الكلاب وأن المنقلب عبدالفتاح السيسي المجرم المستبد يستولي على مناطق حيوية ومباني تاريخية في قلب القاهرة لبيعها للأجانب من الأبواب الخلفية لصندوقه المسمى سيادي، والذي أحكم الغطاء على ما يدور داخله من عمليات فساد وبيع مشبوهة لأصول البلد".
وقال: "يوما ما بات قريبا سيتحول المصريين لرعايا في بلادهم، يبيع مباني الوزارات التاريخية وينقلها لمباني مستأجرة في الصحراء في عاصمته الإدارية التي جلبت النحس والإفلاس لمصر، ويوما ما سيقال للمصريين عندما تحتل بلادهم أنتم من بعتم ارضكم".
وأضاف، "الأراضي والمباني تباع لأطراف مشبوهة لا نعرف أين سينتهي ملاكها وذلك وفقا لاتفاقات محمية دوليا والاختصاص في أي نزاع حولها يتحول لتحكيم دولي.. كل هذا ليسدد بعض ديونه التي أغرق فيها البلاد أملا في إنقاذ نفسه لسنوات وفقا لمبدأ أحييني اليوم!!.. " معتبرا أن "وقف هذا المجرم المفسد واجب وطني تتحمله في المقام الأول الأجهزة التي لاتزال ترضى بالذل رغم كل ما يجري أمامها…".