حذّر خبراء قانون من تطبيق خطة وزارة العدل بحكومة الانقلاب التى تقضى بحرمان الممتنعين عن أموال النفقة من الحصول على الخدمات الحكومية بزعم تنفيذ الأحكام القضائية .
وشدد الخبراء على أن هذه الخطوة تفتح باباً واسعاً من التساؤلات عن نطاق تطبيقها، وما إذا كانت ستقتصر على قضايا النفقة فقط، أم تمتد لتشمل جميع من صدرت بحقهم أحكام قضائية غير منفذة، سواء فى الجنح أو القضايا الجنائية.
وتساءلوا عن إمكانية التوسع فى تطبيق إجراءات مثل منع السفر أو وقف الخدمات ليكون وسيلة ضغط قانونية، ومدى توافق ذلك مع الضمانات الدستورية وحقوق المواطنين.
وطالب الخبراء بوضع ضوابط دقيقة لضمان عدم التعسف فى التطبيق، خاصة فى الحالات التى يكون فيها المدين غير قادر فعلياً على السداد.
كان وزير العدل بحكومة الانقلاب قد أطلق منظومة الربط الإلكترونى لتعليق الخدمات الحكومية عن الممتنعين عن سداد النفقة، بزعم إنهاء واحدة من أبرز أزمات التقاضى الأسرى، وهى عدم تنفيذ الأحكام رغم صدورها بشكل نهائى.
الدستور والقانون
من جانبه اعتبر محسن السبع، مؤسس حملة «أريد حلاً»، تدشين منظومة الربط الإلكترونى لتعليق الخدمات الحكومية عن الممتنعين عن سداد النفقة، خطوة فى طريق إنصاف الزوجة والأسرة، خاصة فى مواجهة من يتعمدون التهرب من تنفيذ الأحكام القضائية.
وأوضح «السبع» فى تصريحات صحفية، أن أى إجراء يُعزز من تنفيذ أحكام النفقة ويضمن وصول الحقوق لمستحقيها، يستحق الدعم، فى ظل معاناة الكثير من الأسر من ظاهرة «الأحكام غير المنفذة»، رغم صدورها بشكل نهائى.
وأشار إلى أن القانون رقم 6 لسنة 2020، المعدل لبعض أحكام قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، وضع إطاراً قانونياً واضحاً للتعامل مع الممتنعين عن سداد النفقة، حيث نصَّ على معاقبة الزوج القادر الممتنع عن الدفع بالحبس لمدة لا تزيد على سنة، أو غرامة لا تتجاوز 500 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، مع تشديد العقوبة حال تكرار الواقعة ورفع دعوى جديدة.
وأضاف «السبع» أن القانون لم يقتصر على العقوبات الجنائية فقط، بل تضمن أيضاً إجراءات إدارية مؤثرة، من بينها تعليق استفادة المحكوم عليه من بعض الخدمات الحكومية التى تقدمها الجهات الرسمية، مثل استخراج بطاقة الرقم القومى، أو رخصة القيادة، أو جواز السفر، وذلك دون المساس بالحقوق والحريات الأساسية للمواطن.
وفيما يتعلق بآليات التنفيذ، أوضح أن هناك بالفعل ربطاً إلكترونياً قائماً بين الجهات المختلفة، خاصة وزارة داخلية الانقلاب، حيث يتم إجراء كشف أمنى على المواطنين عند طلب خدمات مثل استخراج الأوراق الرسمية أو التعامل مع مصلحة الأحوال المدنية أو الجوازات، بما يتيح التعرف على الموقف القانونى للشخص.
وشدد على أن الدستور والقانون لا يجيزان حرمان أى مواطن من الخدمات لمجرد صدور حكم ضده، خاصة إذا كان حكماً غيابياً أو غير نهائى، محذراً من مخاطر تشابه الأسماء أو استغلال بعض الثغرات للإضرار بأشخاص غير معنيين .
أحكام غيابية
وتابع «السبع» أن تطبيق تعليق الخدمات فى قضايا النفقة يرتبط تحديداً بصدور حكم نهائى بثبوت الامتناع، ويتم تفعيل القرار بناءً على طلب الزوجة، حيث تحدد قائمة بالخدمات التى يُحرم منها الزوج الممتنع، وتتراوح بين 7 و8 خدمات أساسية.
وانتقد الاعتماد على الأحكام الغيابية، معتبراً أنها قد تكون غير منصفة فى بعض الحالات، خاصة مع إمكانية تحرير محاضر ضد أشخاص دون علمهم.
وأكد «السبع» أن الحل يكمن فى تعزيز منظومة الربط الإلكترونى، وربط القضايا بالبيانات الشخصية الدقيقة، مع إخطار المتهمين بكل الإجراءات عبر وسائل حديثة مثل الرسائل النصية، على غرار ما هو مطبق فى العديد من الدول العربية والغربية.
وشدد على أن نجاح هذه المنظومة يتوقف على دقة التطبيق، وضمان تحقيق التوازن بين إنفاذ القانون وحماية حقوق المواطنين، بما يحقق العدالة الناجزة دون الإخلال بالضمانات الدستورية.
منظومة العدالة
وأكدت الدكتورة سلوى جميل، المحامية، أن قانون الأسرة وضع التزاماً واضحاً على الزوج بسداد النفقة وكل المستحقات المرتبطة بها، مشددة على أن الامتناع عن التنفيذ يُعرضه لعقوبات قانونية تبدأ بالحبس مدة شهر، وفى حال تكرار المخالفة تتصاعد العقوبات لتشمل الحبس والغرامة، فضلاً عن الحرمان من عدد من الخدمات الحكومية.
وأوضحت « سلوى جميل » فى تصريحات صحفية، أن هذه الإجراءات قد تمتد إلى وقف خدمات مثل استخراج بطاقة الرقم القومى، أو صحيفة الحالة الجنائية (الفيش والتشبيه)، أو جواز السفر، بل قد تصل إلى المنع من السفر، وذلك من خلال منظومة رقمية تعتمد على ربط البيانات الشخصية للمواطنين بشكل دقيق.
وأشارت إلى أن هذا التوجه لن يقتصر على قضايا الأسرة فقط، بل سيمتد ليشمل منظومة العدالة بشكل أوسع، حيث أخذ قانون الإجراءات الجنائية فى اعتباره أهمية الربط الإلكترونى، خاصة فيما يتعلق بمتابعة المحكوم عليهم ومنع هروبهم خارج البلاد دون تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم.
قيود كبيرة
وقال خبير أمن المعلومات محمود فرج، إن ربط الخدمات الحكومية بالرقم القومى وإنشاء نظام موحد يضم كل بيانات المواطن سيحدث نقلة فى كفاءة تقديم الخدمات واتخاذ القرار، مشيرا إلى أن حكومة الانقلاب تعمل على بناء «ملف رقمى موحد» لكل مواطن، يربط بين مختلف الخدمات والمعاملات، بدءًا من التراخيص والضرائب، وصولاً إلى البيانات البنكية وبعض الجوانب القانونية.
وحول بعض الإجراءات القانونية التى تُقيد حصول الأفراد على الخدمات الحكومية أو السفر فى حال عدم تنفيذ أحكام قضائية، مثل قضايا النفقة، حذّر «فرج» فى تصريحات صحفية من أن هذا الأمر قد يضع قيوداً كبيرة على حياة الأفراد، ويؤثر فى قدرتهم على العمل وتوفير دخل يمكنهم من سداد التزاماتهم.
وأكد أن حرمان الفرد من خدمات أساسية مثل تجديد البطاقة أو الرخصة قد يُفاقم الأزمة بدلاً من حلها، مشيراً إلى ضرورة تحقيق توازن بين تنفيذ الأحكام القضائية وضمان الحد الأدنى من الحقوق الأساسية التى تمكن الأفراد من العمل والإنتاج.
وأوضح «فرج» أن التحول الرقمى، رغم ما يقدمه من مزايا كبيرة، يتطلب مراعاة الأبعاد الاجتماعية والإنسانية عند تطبيقه، حتى لا يتحول إلى أداة تقييد، بل يظل وسيلة لتسهيل الحياة وتعزيز العدالة والكفاءة فى تقديم الخدمات.
وقال إذا كانت منظومة الربط الشامل ستحقق فوائد كبيرة للاقتصاد والمجتمع، لكن يجب التطبيق المتوازن الذى يُراعي حقوق المواطنين وظروفهم المختلفة.