ختامها رقص وطبل وزمر.. امتحانات الثانوية تكشف انهيار للمنظومة التعليمية

- ‎فيتقارير

 

كشفت امتحانات الثانوية العامة التي انتهت الخميس الماضي عن الانهيار الكبير للمنظومة التعليمية في زمن الانقلاب الدموي، حيث احتفل الطلاب بانتهاء ماراثون الامتحانات، في مختلف المحافظات، بالرقص أمام المدارس على المزمار البلدي والأغاني الشعبية، مستخدمين الشماريخ ورشاش الثلج، مع توزيع هدايا باهظة الثمن من الأهالي، بالإضافة إلى "تمزيق الكتب والملازم" وهو ما آثار انتقادات بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر البعض أنها تعبير عن الخلاص من "بعبع الثانوية" وتفريغ كبت سنة دراسية، فيما اعتبر البعض تمزيق الكتب، ورقص الفتيات المنبوذ مجتمعيًا، وكذلك الهدايا الباهظة التي تندرج ضمن الاستعراض دليلًا على فشل المنظومة التعليمية.

 

زفة الفرح

 

في هذا السياق قال الخبير التربوي، الدكتور مجدي حمزة: "إن تلك الظاهرة بدأت تنتشر منذ ثلاث سنوات في امتحانات الشهادتين الثانوية والإعدادية لافتًا إلى أنها أصبحت تمتد أيضًا إلى سنوات النقل، إذ يرقص الطلاب ويغنون فيما يشبه "زفة الفرح"، وكأن الامتحانات كانت بالنسبة لهم "نارًا" لم يصدقوا الخلاص منها".

وأضاف حمزة في تصريحات صحفية أن تلك الاحتفالات مؤشر على أن التعليم بالنسبة للطلبة لم يعد هدفًا، بل فقد قيمته وأصبح مجرد شهادة يسعون للحصول عليها من أجل أهاليهم، وحتى لا يكونوا جاهلين، مؤكدًا أن الطالب أضحى غير محدد هدفه، عكس الماضي، حيث كان يحلم وهو طالب في المرحلة الابتدائية بأن يكون ضابطًا أو طبيبًا أو مدرسًا وغيرها من المهن الأخرى، أما الآن فلا يعرف الطالب الجامعي ماذا يريد من دراسته.

وأشار إلى أن طلاب الثانوية العامة أصبحوا مهتمين بأشياء بعيدة تمامًا عن التعليم، مثل "كرة القدم"، و"الغناء"، والاهتمام بالسوشيال ميديا، مؤكدا أن الموبايل أصبح الشيطان الأعظم اللي يلهي الناس عن كل حاجة .

 

المناهج صعبة

 

ولفت حمزة إلى أن المناهج صعبة، وتحتاج إلى تطوير، لذلك يشعر الطلاب بأن هناك نوعًا من العداء والجفاء بينهم وبين المواد الدراسية والمدرسة والمدرسين، متصورين أن كل ذلك ضدهم، بما في ذلك وزارة تعليم الانقلاب، وما غذّى ذلك الشعور مدرسو الدروس الخصوصية والمراكز الذين يثبتون أن الطلبة أصبحوا ضحايا الوزارة، وليس عدم المذاكرة والإهمال وعدم الاهتمام بمستقبلهم.

وفيما يخص الغناء والطبل والفتيات اللواتي يرقصن بطريقة هيستيرية أمام المدارس، والأولاد الذين يشعلون الشماريخ، أوضح أنها دليل على الضغط النفسي، ومع ذلك يرى أنه "مبالغ فيه"؛ لأن كثيرًا من الطلبة لا يذاكرون.

وتابع حمزة أن الرقص ليس مجرد تفريغ لطاقة الامتحانات فحسب، بل دليل على فجوة نفسية رهيبة بين الطالب وبين الدراسة، وأن الدراسة بالنسبة له أصبحت عبئًا نفسيًا خطيرًا يمنعه من الاستمتاع بحياته.

 

ضغط نفسي

 

وكشف أن : "ده بيعمل ضغوطًا نفسية صعبة جدًا على الولاد في الثانوية العامة، وبقى هناك فجوة نفسية صعب إنها تلتئم بين يوم وليلة، وتحتاج فترات طويلة، وخاصة أن بعد فترة الامتحانات تأتي فترة انتظار النتيجة، وما أدراك ما النتيجة والضغط النفسي الرهيب الذي يكون على الطلبة وأولياء الأمور، وما بيكونوش عارفين يتصرفوا".

وأكد حمزة أنه من المفترض أن يحتوي الأهالي أولادهم في الفترة التي بين الامتحانات والنتيجة، ويؤكدوا لهم أنهم أهم من أي نتيجة، ولا يضعوهم تحت ضغط نفسي ومقارنات مع الزملاء أو الأقارب، لأن كل ذلك يضع ضغوطًا نفسية يصعب أن تلتئم بسهولة بعد امتحانات الثانوية العامة.

وبالنسبة لكيفية إعادة صياغة العلاقة بين الطالب والكتب، لفت إلى أن هذا يتمثل في بعض الأمور، من بينها: أن تكون المناهج على مستوى قدرات الطلاب، وأن تأتي الامتحانات جيدة، وأن تعود المدرسة إلى دورها التربوي، مع عدم صدور تصريحات مستفزة من الوزارة لأولياء الأمور، فضلًا عن إحساس الطلاب بقيمة التعليم وأهمية المدرسة، وأن تكون المدرسة هي المكان الأول والأخير للتعليم، وبها أنشطة جاذبة للطلاب وليست منفرة.

 

حدث استثنائي

 

وأوضحت الدكتورة ابتسام مرسي محمد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر، أن هذه المشاهد لا يمكن تفسيرها من زاوية واحدة، فالثانوية العامة في المجتمع المصري لم تعد مجرد عام دراسي، بل تحولت إلى حدث استثنائي تعيشه الأسرة بأكملها.

وقالت ابتسام محمد في تصريحات صحفية : "الأسر تعيش أشهرًا طويلة من الدروس والقلق والتوتر والانتظار، تجعل انتهاء كل امتحان بمثابة لحظة تحرر نفسي، فيندفع بعض الطلاب للتعبير عن فرحتهم بصورة عفوية قد تبدو مبالغًا فيها".

وأضافت قائلة: "المشهد اليوم لم يعد مجرد تعبير عن الفرح، فقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في تغيير شكل الاحتفال، فالكثير من الطلاب لا يحتفلون فقط لأنهم سعداء، ولكن لأنهم يدركون أن هناك كاميرات توثق كل لحظة، وأن مقطعًا قصيرًا قد يحصد آلاف المشاهدات خلال ساعات ".

وأشارت ابتسام محمد إلى أن الاحتفال أصبح جزءًا من محتوى رقمي يسعى إلى الانتشار، وأصبحت بعض التصرفات أكثر ارتباطًا بجذب الانتباه منها بالتعبير الحقيقي عن المشاعر، موضحة أن من الظواهر التي تستحق التأمل أيضًا، اتجاه بعض الأسر إلى استقبال أبنائها أمام المدارس بهدايا باهظة الثمن، مثل أحدث الهواتف المحمولة أو المشغولات الذهبية، وكأن النجاح لا يكتمل إلا بمشهد استعراضي أمام الكاميرات.

وتابعت قائلة: "من حق كل أسرة أن تفرح بابنها بالطريقة التي تراها مناسبة، لكن عندما تتحول الفرحة إلى منافسة اجتماعية ورسائل غير مباشرة للمحيطين، فإنها تخلق ضغوطًا كبيرة على الأسر الأخرى، وتدفع بعض الشباب إلى مقارنة أنفسهم بما يشاهدونه، بدلًا من الاكتفاء بقيمة الإنجاز نفسه" .

ولفتت ابتسام محمد إلى أنه يمكن تفسير ذلك من منظور علم الاجتماع بما يُعرف بـ"العدوى الاجتماعية"، حيث تنتقل أنماط السلوك بسرعة بين الشباب، فالشيء الذي يبدأ بتصرف فردي يتحول مع الوقت إلى تقليد جماعي.

واعتبرت أن مشهد إلقاء الكتب والدفاتر في الهواء، يحمل دلالة مختلفة، فهو لا يعبر بالضرورة عن كراهية العلم، وإنما يعكس رغبة كثير من الطلاب في التخلص من مرحلة ارتبطت في أذهانهم بالإرهاق والضغوط النفسية.