على مدى أكثر من ثلاثة عقود، بدت الولايات المتحدة القوة التي لا غنى عنها في الشرق الأوسط، قواعد عسكرية منتشرة في الخليج، تحالفات أمنية مع إسرائيل والدول العربية، أساطيل بحرية تحمي طرق التجارة والطاقة، ومسار دبلوماسي يفترض أن واشنطن قادرة من خلاله على إدارة الصراعات الكبرى في المنطقة.
لكن هذا النظام، الذي بدأ يتشكل بصورة واضحة بعد حرب الخليج عامي 1990 و1991، يبدو اليوم أمام واحدة من أكبر أزماته منذ تأسيسه.
وفي تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، يرى الباحث مارك لينش أن الحرب الإسرائيلية على غزة، والحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، لم تكونا مجرد أزمتين عسكريتين منفصلتين، وإنما شكلتا معًا لحظة كاشفة لأزمة نظام إقليمي قادته واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة.
ولا يعني ذلك أن النفوذ الأمريكي انتهى بصورة فورية، أو أن القواعد والتحالفات الأمريكية ستختفي غدًا، وإنما أن القواعد التي قامت عليها الهيمنة الأمريكية باتت أقل قدرة على إنتاج النتائج التي اعتادت واشنطن وحلفاؤها توقعها.
نظام ولد من حرب الخليج
يعود لينش بجذور النظام الإقليمي الأمريكي إلى حرب الخليج الأولى، عندما قادت الولايات المتحدة تحالفًا دوليًا لإخراج القوات العراقية من الكويت عام 1991.
ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبحت واشنطن القوة الخارجية الأكثر نفوذًا في الشرق الأوسط، ولم يكن هذا النفوذ قائمًا فقط على التفوق العسكري، وإنما على شبكة واسعة من التحالفات والترتيبات الأمنية.
أقامت الولايات المتحدة قواعد عسكرية، وعززت وجودها البحري والجوي، وسعت إلى احتواء العراق وإيران، وحافظت على تحالفاتها مع معظم الأنظمة العربية، في الوقت الذي اعتبرت فيه أمن إسرائيل مصلحة استراتيجية ثابتة.
وفي المقابل، حاولت واشنطن منح نظامها الإقليمي غطاءً سياسيًا عبر رعاية عملية السلام العربية الإسرائيلية.
وبمرور الوقت، تشكل مشهد إقليمي يقوم على محور تقوده واشنطن ويضم إسرائيل ومعظم الدول العربية وتركيا، في مواجهة محور أكثر تفككًا يضم إيران وسوريا وحلفاء غير حكوميين مثل حزب الله وحماس والحوثيين.
ورغم الحروب والانتفاضات والتحولات التي شهدتها المنطقة، استمر هذا النظام بصورة لافتة حتى السنوات الأخيرة، لكن الاستمرار لم يكن يعني بالضرورة الاستقرار.
الاستقرار الأمريكي.. وبأي ثمن؟
بحسب القراءة التي يقدمها لينش، وفرت المظلة الأمريكية مصالح استراتيجية لواشنطن وحلفائها، من حماية طرق الطاقة والتجارة إلى احتواء خصوم الولايات المتحدة ومكافحة التنظيمات المسلحة وضمان أمن إسرائيل، لكن الكلفة الأكبر لهذا النظام تحملها سكان المنطقة.
فالعقود الثلاثة الماضية شهدت حروبًا متكررة، وتدخلات عسكرية، وانهيار دول، وصراعات أهلية، وفشلًا متواصلًا في حل القضية الفلسطينية.
وخاض العراق سنوات طويلة من العقوبات قبل الغزو الأمريكي عام 2003 وما تبعه من احتلال وانهيار مؤسسات الدولة.
كما شهدت دول مثل ليبيا وسوريا واليمن ولبنان مراحل طويلة من الصراع والتدخلات الخارجية.
أما القضية الفلسطينية، التي كان يفترض أن يؤدي حلها إلى توفير أساس أكثر استقرارًا للنظام الإقليمي، فقد تحولت إلى أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار.
ومع مرور الوقت، أصبح واضحًا أن النظام الذي وعد بإدارة الصراعات لم يتمكن من إنهائها.
القوة العسكرية.. من الردع إلى الاستنزاف
يرى لينش أن أحد أهم عناصر الأزمة يتمثل في الإفراط في الثقة بالقوة العسكرية.
فواشنطن وإسرائيل، وفق تحليله، افترضتا في مناسبات متعددة أن التفوق العسكري والتكنولوجي يمكن أن يحسم الصراعات بصورة سريعة.
وكانت حرب العراق عام 2003 المثال الأبرز على هذا التفكير، عندما اعتقدت الإدارة الأمريكية أن إسقاط النظام العراقي سيؤدي إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق شروط أكثر ملاءمة للمصالح الأمريكية، لكن النتائج كانت مختلفة.
وبدلاً من شرق أوسط أكثر استقرارًا، ساهم الغزو في انهيار الدولة العراقية وصعود قوى مسلحة جديدة وتعزيز النفوذ الإيراني.
وتكرر جزء من المنطق نفسه في صراعات لاحقة، عندما جرى التعامل مع القوة العسكرية باعتبارها وسيلة قادرة على القضاء على خصوم أكثر قدرة على التكيف مما افترضته واشنطن وحلفاؤها.
إيران بنت نفوذها في الفراغ
المفارقة التي يبرزها التحليل هي أن السياسات الأمريكية والإسرائيلية ساهمت، في بعض مراحلها، في خلق البيئة التي مكنت إيران من توسيع نفوذها.
فمع انهيار العراق، والحرب السورية، وتفكك دول أخرى، تمكنت طهران من بناء شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المسلحة غير الحكومية.
ولم تعتمد إيران على منافسة الولايات المتحدة في مجال القوة التقليدية، وإنما طورت أدوات أقل تكلفة وأكثر مرونة، بينها الصواريخ والطائرات المسيّرة ودعم حلفائها الإقليميين، وهكذا نشأ نوع من التوازن غير المتكافئ.
فالولايات المتحدة تمتلك طائرات متقدمة وقواعد وأنظمة دفاعية ضخمة، بينما تستطيع إيران وحلفاؤها تهديد المصالح الأمريكية والإسرائيلية باستخدام أسلحة أقل تكلفة وبطرق يصعب منعها بالكامل.
وهنا ظهرت واحدة من أكبر مفارقات النظام الأمريكي: كلما زادت واشنطن اعتمادًا على القوة العسكرية لاحتواء إيران، ازدادت قدرة طهران على تطوير أدوات غير تقليدية لمواجهة هذه القوة.
إسرائيل.. الحليف الذي أصبح أكثر استقلالًا
في الجانب الآخر، استفادت إسرائيل بصورة كبيرة من المظلة الأمنية والسياسية الأمريكية، وقد منح الدعم الأمريكي المتواصل الحكومات الإسرائيلية مساحة واسعة للتحرك عسكريًا، مع بقاء القضية الفلسطينية في الخلفية، وبمرور السنوات، تراجع مسار التسوية السياسية بصورة كبيرة، بينما توسعت المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، ثم جاء هجوم 7 أكتوبر 2023 ليقلب الحسابات.
اختارت إسرائيل الرد بحرب واسعة على قطاع غزة، وتحول الصراع إلى أزمة إنسانية وسياسية دولية كبرى.
وبحسب لينش، أدى الدعم الأمريكي للحرب الإسرائيلية في غزة إلى تآكل ما تبقى من الشرعية السياسية والأخلاقية التي كانت واشنطن تحاول من خلالها تقديم نفسها بوصفها قوة قادرة على إدارة المنطقة.
وأصبح السؤال في عدد من العواصم: كيف يمكن لواشنطن أن تقدم نفسها كوسيط أو ضامن للاستقرار، بينما تبدو في الوقت نفسه طرفًا رئيسيًا في دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية؟
غزة.. لحظة انكشاف سياسي
لم تكن حرب غزة مجرد حرب أخرى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيل،
فقد أحدثت آثارًا واسعة على صورة الولايات المتحدة داخل المنطقة وخارجها.
فالدعم الأمريكي لإسرائيل، خصوصًا في المراحل الأولى من الحرب، عمق الفجوة بين واشنطن والرأي العام العربي، وأثار انتقادات دولية واسعة.
كما كشفت الحرب عن محدودية قدرة الولايات المتحدة على إجبار حليفها الإسرائيلي على تغيير مساره، رغم امتلاك واشنطن أوراقًا سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة.
وهنا برزت مشكلة أساسية في النظام الأمريكي: التحالف الذي كان يفترض أن يمنح واشنطن نفوذًا على إسرائيل أصبح في بعض الملفات قيدًا على قدرتها على المناورة.
ثم جاءت إيران
إذا كانت غزة قد ضربت الجانب السياسي والأخلاقي من النظام الأمريكي، فإن الحرب مع إيران، بحسب تحليل لينش، ضربت الجانب الأمني والعسكري.
فالولايات المتحدة بنت جزءًا أساسيًا من وجودها العسكري في الخليج على فكرة توفير الحماية لحلفائها وردع الخصوم وضمان استمرار حركة الطاقة والتجارة، لكن الحرب كشفت حدود هذه المظلة.
ويشير التحليل إلى أن واشنطن لم تتمكن من منع إيران من تهديد حلفائها أو التأثير في حركة الملاحة والطاقة، كما لم تتمكن من تحقيق الحسم الذي كان متوقعًا من حملة عسكرية ضخمة.
وهنا ظهرت الفجوة بين القدرة على شن الحرب والقدرة على التحكم في نتائجها.
فالولايات المتحدة تستطيع توجيه ضربات شديدة، لكنها لا تستطيع بالضرورة التحكم في ردود الخصم، أو منع التصعيد، أو ضمان حماية كل حلفائها، أو إعادة المنطقة إلى الوضع الذي كانت عليه قبل الحرب.
الخليج أمام معادلة جديدة
أخطر ما كشفته الأزمة، وفق التحليل، هو أن دول الخليج لم تعد تنظر إلى المظلة الأمريكية باعتبارها ضمانة مطلقة.
فالحرب على إيران وضعت هذه الدول أمام خطر أن تتحول أراضيها وقواعدها إلى ساحات للرد الإيراني، دون أن تكون هي من اتخذ قرار الحرب، وهذه معضلة استراتيجية كبيرة.
فالدولة التي تستضيف قواعد أمريكية قد تحصل على حماية، لكنها في الوقت نفسه تصبح هدفًا محتملًا في أي مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران.
ومن هنا يمكن فهم ميل بعض دول الخليج خلال السنوات الأخيرة إلى تنويع علاقاتها الخارجية، وفتح قنوات مباشرة مع إيران، وعدم الاعتماد على واشنطن وحدها في إدارة أمنها.
السعودية والإمارات.. مصالح متباعدة
لم يعد الخليج كتلة سياسية واحدة كما كان يُنظر إليه في بعض المراحل.
فالسعودية والإمارات، رغم استمرار علاقاتهما الوثيقة بالولايات المتحدة، لديهما حسابات ومصالح متباينة في عدد من الملفات الإقليمية.
ويشير تحليل لينش إلى أن الحرب مع إيران زادت من هذه التعقيدات.
فأبو ظبي اتبعت خلال السنوات الماضية مسارًا أكثر انفتاحًا على إسرائيل، بينما تبنت الرياض حسابات أكثر حذرًا في ملفات الحرب والتطبيع والأمن الإقليمي.
كما ظهرت خلافات بين البلدين في ملفات مثل اليمن وسوريا.
وهذا يعني أن واشنطن لم تعد قادرة بسهولة على التعامل مع حلفائها الخليجيين ككتلة واحدة يمكن تعبئتها خلف استراتيجية أمريكية موحدة.
نهاية "الشيك على بياض"
يقدم لينش تفسيرًا مهمًا لطبيعة العلاقة بين واشنطن وحلفائها.
فالحماية الأمريكية الطويلة، بحسب تحليله، منحت بعض الحكومات شعورًا بأن تكلفة سياساتها الإقليمية ستكون محدودة.
ويشير إلى مثال الأزمة الخليجية عام 2017، عندما فرضت السعودية والإمارات وحلفاؤهما حصارًا على قطر، رغم أن إدارة ترامب كانت بحاجة إلى جبهة خليجية أكثر تماسكًا في مواجهة إيران.
وهنا ظهر تناقض جوهري: المظلة الأمريكية التي يفترض أن توحد الحلفاء سمحت لهم أحيانًا باتخاذ خطوات تتعارض مع المصالح الأمريكية نفسها.
وبمرور الوقت، أصبح لكل دولة حساباتها الخاصة، ولم تعد واشنطن قادرة على ضمان أن يتحرك الحلفاء وفق الأجندة الأمريكية.
ثورات الربيع العربي 2011.. نقطة تحول أخرى
شكلت ثورات العالم العربي عام 2011 محطة مهمة في انهيار الثقة المتبادلة.
فقد شاهدت الأنظمة العربية سقوط الرئيس المصري حسني مبارك بعد عقود من التحالف مع الولايات المتحدة.
وبالنسبة إلى عدد من الحكومات العربية، كانت الرسالة واضحة: واشنطن قد لا تكون مستعدة للدفاع عنها إذا واجهت احتجاجات شعبية واسعة.
وردًا على ذلك، أصبحت بعض الأنظمة أكثر استعدادًا للتدخل المباشر في الصراعات الإقليمية، أو دعم قوى مسلحة، أو اتخاذ إجراءات منفردة لحماية مصالحها.
وفي مصر، انتهت المرحلة الانتقالية بانقلاب عسكري في يوليو 2013، بينما دخلت دول أخرى في حروب أهلية أو صراعات إقليمية طويلة.
وبدل أن تؤدي السياسة الأمريكية إلى بناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا، ساهمت التحولات في دفع المنطقة إلى مزيد من الاستقطاب.
هل نحن أمام "لحظة السويس"؟
يستدعي تحليل لينش أزمة السويس عام 1956، عندما حاولت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل إسقاط قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس.
وانتهت الأزمة بانسحاب بريطانيا وفرنسا تحت ضغط الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وأصبحت لحظة السويس رمزًا تاريخيًا لبداية أفول الإمبراطوريات الأوروبية في الشرق الأوسط، لكن التشبيه، بحسب لينش، يجب التعامل معه بحذر.
فالإمبراطورية البريطانية لم تختف في اليوم التالي لأزمة السويس.
استمرت بريطانيا في الخليج سنوات طويلة، وواصلت فرنسا حربها في الجزائر حتى عام 1962، قبل أن يتضح بصورة كاملة أن العصر الإمبراطوري الأوروبي دخل مرحلة الانحسار النهائي.
وبالمثل، فإن تراجع النظام الأمريكي لن يكون قرارًا واحدًا أو حدثًا واحدًا.
فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك أكبر حضور عسكري خارجي في المنطقة، وتحالفاتها لا تزال واسعة، واقتصادها وقوتها العسكرية والدبلوماسية تمنحها قدرة هائلة على التأثير.
لكن الفرق بين النفوذ والهيمنة أصبح أكثر وضوحًا.
شرق أوسط متعدد الأقطاب
إذا تراجع النظام الأمريكي، فما البديل؟
لا يبدو أن هناك قوة واحدة مستعدة أو قادرة على وراثة واشنطن.
الأرجح أن المنطقة تتجه إلى نظام أكثر تعددًا للأقطاب، تتحرك فيه السعودية والإمارات وتركيا وإيران وإسرائيل وقطر ومصر، إلى جانب قوى دولية مثل الصين وروسيا، وفق حساباتها الخاصة.
وفي هذا النظام، قد تبرم الدول صفقات منفصلة مع خصومها السابقين، بدل الانضمام إلى تحالفات صلبة تقودها واشنطن.
وقد تكون المصالح الاقتصادية والتجارية والطاقة أهم من الاصطفافات الأيديولوجية التقليدية.
وهذا يعني أن الشرق الأوسط القادم قد يكون أقل قابلية للتنبؤ، لكنه في الوقت نفسه قد يكون أقل خضوعًا لقوة خارجية واحدة.
إيران وإسرائيل.. هل يستمر الصراع؟
لا يتوقع التحليل نهاية سريعة للصراع بين إيران وإسرائيل.
بل على العكس، قد يدفع تراجع الهيمنة الأمريكية الطرفين إلى مزيد من الاعتماد على القوة الذاتية.
إسرائيل قد تواصل توسيع نطاق عملياتها العسكرية وتعزيز سيطرتها على الأراضي الفلسطينية، بينما قد ترى إيران في استمرار الصراع وسيلة لتعزيز خطاب "المقاومة" والحفاظ على نفوذها الإقليمي.
وفي الحالتين، هناك خطر أن يؤدي ضعف النظام القديم إلى زيادة الفوضى بدل تحقيق الاستقرار إذا لم يظهر إطار إقليمي بديل قادر على إدارة الصراعات.
مصر.. الحلقة الأكثر هشاشة؟
يربط التحليل بين التحولات الإقليمية والأوضاع الاقتصادية في الدول العربية، ويطرح مصر مثالًا على دولة تواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة.
فتراجع عائدات قناة السويس بسبب اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، وارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة، وتراكم الضغوط المالية، كلها عوامل تجعل القاهرة أكثر حساسية لأي تحول في البيئة الإقليمية.
وفي حال تراجع الدعم أو الضمانات الأمريكية التقليدية، ستجد مصر نفسها أمام ضرورة إعادة ترتيب علاقاتها الدولية والإقليمية وفق مصالحها الاقتصادية والأمنية.
لكن الأزمة لا تتعلق بمصر وحدها.
فإذا تزامن التراجع الأمريكي مع أزمات اقتصادية داخلية، فقد تعود قضية الاستقرار الاجتماعي والاحتجاجات الشعبية إلى واجهة المشهد، خصوصًا في الدول التي تعاني من ارتفاع الدين والتضخم وتراجع القوة الشرائية.
ما بعد الهيمنة.. هل تتغير السياسة الأمريكية؟
لا يرى لينش أن الحل يكمن في انسحاب أمريكي كامل من الشرق الأوسط، بل يدعو إلى إعادة تعريف الدور الأمريكي.
بدل الاعتماد على القواعد العسكرية والهجمات الجوية كأداة أساسية لإدارة المنطقة، يقترح مقاربة أكثر دفاعية تقوم على التعاون الاستخباراتي، والدفاع الصاروخي، وحماية الملاحة، والدبلوماسية.
كما يدعو إلى إعادة التفكير في العلاقة مع إيران، والانتقال من سياسة تقوم على محاولة عزلها وإسقاط نظامها إلى إدماجها في ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.
وبالنسبة إلى إسرائيل، يطرح التحليل ضرورة استخدام النفوذ الأمريكي للضغط من أجل وقف التوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية وإنهاء التدخلات العسكرية التي تزيد من عدم الاستقرار الإقليمي، أما القضية الأكثر صعوبة فتتمثل في العلاقة مع الأنظمة العربية.
فالتحالف مع الأنظمة الاستبدادية باسم "الاستقرار" أنتج، بحسب هذا المنظور، استقرارًا مؤقتًا لكنه ترك أسباب الانفجار قائمة تحت السطح.
نهاية الهيمنة لا تعني نهاية الفوضى
ربما تكون أهم نتيجة يمكن استخلاصها من تحليل لينش أن سقوط النظام الإقليمي القديم لا يعني تلقائيًا ولادة نظام أفضل، فالفراغات الجيوسياسية لا تبقى فارغة.
إذا تراجعت واشنطن دون أن تتشكل ترتيبات إقليمية جديدة، فقد تتنافس القوى المحلية والإقليمية والدولية على ملء الفراغ.
وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من الصراعات، بدل الانتقال السلس إلى مرحلة أكثر استقرارًا.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل ينتهي «الشرق الأوسط الأمريكي»؟
بل: ما الذي سيأتي بعده؟
هل يكون شرق أوسط متعدد الأقطاب تستطيع دوله إدارة خلافاتها عبر التفاوض والتوازنات الإقليمية؟
أم منطقة أكثر اضطرابًا تتنافس فيها القوى الإقليمية على النفوذ، بينما تواصل الولايات المتحدة حضورها من خلف المشهد؟
الشرق الأوسط أمام لحظة تاريخية
استمرت الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط أكثر من ثلاثة عقود لأنها لم تعتمد على القوة العسكرية وحدها، وإنما على شبكة من التحالفات والمصالح والاتفاقات والاعتماد الاقتصادي والأمني المتبادل، ولهذا لن تنتهي ببساطة.
لكن حرب غزة كشفت أزمة الشرعية السياسية والأخلاقية لهذا النظام، بينما كشفت الحرب مع إيران حدود قدرته العسكرية.
وفي الوقت نفسه، أصبحت دول المنطقة أكثر استعدادًا لتنويع علاقاتها مع القوى الدولية، وإقامة قنوات مباشرة مع خصوم واشنطن، وحماية مصالحها بعيدًا عن الاصطفاف الكامل خلف الاستراتيجية الأمريكية.
قد لا تكون هذه نهاية النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، لكنها قد تكون نهاية الاعتقاد بأن واشنطن تستطيع وحدها تحديد قواعد اللعبة الإقليمية.
وكما لم تنته الإمبراطوريات الأوروبية في اليوم التالي لأزمة السويس، فإن «الشرق الأوسط الأمريكي» لن يختفي بضربة واحدة.
لكن إذا كان تحليل «فورين أفيرز» صحيحًا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان النظام القديم يتعرض للتآكل، وإنما كيف ستبدو المنطقة عندما يصبح هذا التآكل واقعًا سياسيًا كاملًا؟
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية على شكل الشرق الأوسط في العقود المقبلة.