“إذلال جديد” بعد سد النهضة.. إثيوبيا تطالب مصر بتعويضات عن مياه النيل

- ‎فيتقارير

عاد ملف سد النهضة ومياه النيل إلى الواجهة بين القاهرة وأديس أبابا، بعدما دعا وزير المياه الإثيوبي السابق شيفيراو جارسو حكومته إلى مطالبة مصر بتعويض عن استخدامها موارد نهر أباي، وهو الاسم الذي تطلقه إثيوبيا على النيل الأزرق.

 

وقال جارسو، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية «إينا» في 28 أغسطس، "إن إثيوبيا تسهم بنحو 86% من تدفق مياه النهر، داعيًا إلى ترتيبات تعترف بالقيمة الاقتصادية للمياه وتضمن، بحسب طرحه، تعويضًا عادلًا وتقاسمًا للمنافع"، كما أكد أن بلاده ماضية في خططها لبناء سدود إضافية على النيل الأزرق.

ويكتسب الطرح الإثيوبي حساسية خاصة بالنسبة إلى القاهرة، لأنه ينقل النقاش من مسألة تنظيم استخدام مياه نهر دولي إلى الحديث عن القيمة الاقتصادية للمياه وإمكانية حصول دول المنبع على مقابل من دول المصب.

تسعير مياه النيل

في المقابل، رفض وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق د.محمد نصر الدين علام الطرح الإثيوبي، واعتبره محاولة لنقل قضية النيل إلى منطلق جديد يقوم على «تسعير المياه الدولية وبيعها رسميًا».

 

ويرى علام عبر فيسبوك أن مياه النيل مورد مشترك تحكمه قواعد القانون الدولي للأنهار، وليس سلعة تملك دولة المنبع حق بيعها إلى دول المصب، كما دعا إلى تحرك دبلوماسي مصري داخل الاتحاد الأفريقي بشأن القضية.

ومن جانبه رفض أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي فكرة شراء مصر للمياه، مشيرًا إلى أن تشغيل سد النهضة لا يعني أن إثيوبيا تستطيع احتجاز المياه إلى ما لا نهاية، إذ يتعين تمرير المياه عبر التوربينات أو بوابات التصريف والمفيض.

 

كما شكك شراقي في إمكانية تنفيذ خطط إثيوبية طموحة لبناء ثلاثة سدود ضخمة متزامنة على نهر أباي، بالنظر إلى ما تفرضه هذه المشروعات من تحديات هندسية واقتصادية.

وزير خارجية السيسي بدر عبد العاطي زعم أن سد النهضة يمثل قضية «وجودية وحيوية» بالنسبة إلى مصر، مشددًا في الوقت نفسه على أن الخلاف ليس مع الشعب الإثيوبي، وإنما مع الإجراءات الأحادية في إدارة السد.

 

وقال عبد العاطي: "إن مصر خاضت مفاوضات استمرت نحو 13 عامًا بهدف الوصول إلى اتفاق يحفظ مصالح الأطراف، لكنها لم تفضِ إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل".

وأضاف أن مصر تتمسك بحقها في الدفاع عن نفسها إذا وقع ضرر يعطل تدفق مياه النيل، مستندًا إلى ما وصفه بالحق في الدفاع عن النفس وفق القانون الدولي.

 

ماذا حدث منذ 2015؟

 

التطورات الأخيرة أعادت أيضًا إلى الواجهة الجدل المصري الداخلي حول إعلان مبادئ سد النهضة الموقع في مارس 2015 بين مصر وإثيوبيا والسودان.

 

الكاتب والباحث أحمد هلال يرى أن توقيع إعلان المبادئ مثّل نقطة تحول أساسية في التعامل المصري مع المشروع، معتبرًا أن القاهرة قبلت رسميًا بوجود السد دون الحصول، بحسب قراءته، على ضمانات فنية ملزمة بشأن قواعد الملء والتشغيل.

 

ويطرح هلال أسئلة سياسية حول نتائج السنوات التالية، قائلًا إن مصر باتت أمام سد اكتمل وأصبح واقعًا مائيًا وسياسيًا، بينما لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي ملزم بشأن إدارته.

من جهته، شن السياسي والحقوقي المصري أسامة رشدي @OsamaRushdi هجومًا حادًا على الإدارة المصرية للملف، منتقدًا حديث المسؤولين المصريين حاليًا عن عدم شرعية سد النهضة بعد مرور أكثر من عقد على بدء المشروع.

 

ويتمحور موقف رشدي حول سؤال المسؤولية السياسية: لماذا لم تتمكن مصر خلال سنوات التفاوض من منع اكتمال السد أو الوصول إلى اتفاق ملزم قبل أن يتحول المشروع إلى أمر واقع؟

 

ويقول رشدي في منشوره: "إن السد بُني أمام أعينكم، والمشكلة لا تتعلق فقط بالوضع القانوني الحالي للسد، وإنما بالقرارات التي اتخذتها السلطات المصرية منذ توقيع إعلان المبادئ".

 

أما عبدالحميد قطب، فاستعاد في منشور له حديثًا منسوبًا إلى القيادي السابق في جبهة الإنقاذ محمد أبو الغار خلال لقاء مع قناة الجزيرة قبل 30 يونيو 2013، بشأن موقف الرئيس الأسبق حسني مبارك من تمويل سد النهضة.

 

ويستخدم قطب هذا الطرح للمقارنة بين سياسة مبارك تجاه المشروع وسياسة السيسي الحالية، معتبرًا أن توقيع إعلان المبادئ في 2015 مثّل تحولًا جوهريًا في الموقف المصري.

 

اللافت في التصريحات الإثيوبية الأخيرة ليس مجرد الحديث عن التعويضات، وإنما استخدام مفردات مثل القيمة الاقتصادية للمياه وتقاسم المنافع.

 

ومن وجهة نظر أديس أبابا، فإن مساهمة الهضبة الإثيوبية في تدفقات النيل تمنحها مبررًا للمطالبة بمنافع اقتصادية أكبر من المورد المائي، بالتوازي مع تأكيد حقها في بناء مشروعات جديدة لتوليد الطاقة الكهرومائية.

أما القاهرة، فترى أن النيل نهر دولي مشترك، وأن التعامل معه باعتباره موردًا يمكن تسعيره بين دول المنبع والمصب يفتح الباب أمام تغيير طبيعة النزاع بالكامل.

 

وهنا تكمن حساسية المصطلح: فالتعويض عن استخدام المياه ليس مجرد خلاف على سعر، وإنما يتعلق أولًا بالسؤال القانوني والسياسي حول طبيعة حقوق دول حوض النيل في مورد مائي عابر للحدود.

وحتى الآن، فإن المطالبة التي أثارت الجدل صدرت عن وزير مياه إثيوبي سابق، وليست إعلانًا موثقًا عن قرار رسمي للحكومة الإثيوبية بفرض رسوم على مصر أو السودان مقابل مياه النيل.

 

وهذه نقطة مهمة عند تناول القضية صحفيًا؛ إذ يجب التمييز بين تصريح مسؤول سابق يدعو إلى تبني سياسة معينة وبين قرار حكومي إثيوبي رسمي.

 

لكن أهمية التصريح تأتي من ارتباطه بملف أوسع: تأكيد أديس أبابا استمرار خططها المائية، بما في ذلك إنشاء سدود إضافية على النيل الأزرق.

سدود المستقبل

تبدو المعركة المقبلة، وفق المعطيات الحالية، مرتبطة ليس فقط بتشغيل سد النهضة، وإنما بما يمكن أن تفعله إثيوبيا مستقبلًا على النيل الأزرق، فالجانب الإثيوبي يقول "إن مشروعات الطاقة الكهرومائية المتتالية لا تعني بالضرورة استهلاك مياه إضافية، لأن المياه نفسها يمكن أن تمر من سد إلى آخر لإنتاج الكهرباء".

 

بينما تخشى القاهرة من أن يؤدي غياب قواعد ملزمة لتبادل البيانات والتنسيق أثناء فترات الجفاف والفيضانات إلى زيادة المخاطر على أمنها المائي.

 

ماذا تقول الأرقام؟

 

تستند التصريحات الإثيوبية إلى أن الجزء الأكبر من مياه النيل يأتي من المرتفعات الإثيوبية، وهي حقيقة جغرافية وهيدرولوجية معروفة، لكن تحويل هذه الحقيقة إلى أساس لمطالبة دول المصب بدفع مقابل مالي يحتاج إلى أساس قانوني وسياسي مختلف، وليس مجرد إثبات مصدر المياه.

 

وفي المقابل، تواجه مصر وضعًا مائيًا شديد الحساسية؛ إذ أشار وزير الري الأسبق محمد نصر الدين علام إلى أن نصيب الفرد المصري من المياه يدور حول 500 متر مكعب سنويًا، وهو أقل من عتبة الفقر المائي المتداولة عالميًا عند 1000 متر مكعب سنويًا.

وبعد سنوات من الخلاف حول مشروعية بناء السد وقواعد ملئه وتشغيله، يظهر الآن خطاب إثيوبي يتحدث عن القيمة الاقتصادية لمياه النيل وعن إمكانية المطالبة بتعويضات من دول المصب.

 

وفي مصر، يتصاعد الخطاب الرافض لأي محاولة لتحويل النيل إلى سلعة، بالتوازي مع انتقادات داخلية لإدارة الملف منذ توقيع إعلان المبادئ عام 2015.

 

وبينما يصف أنصار هذا الطرح الإثيوبي القضية بأنها محاولة لتحقيق تقاسم عادل للمنافع، يرى منتقدوه أن إدخال مفهوم ثمن المياه، قد يفتح بابًا بالغ الخطورة في العلاقات بين دول حوض النيل.