أثارت واقعة القبض على دينا عزت وزوجها خلال الأيام الماضية، قبل أن يتم الإفراج عن الزوجة ، أمس الأول، ، موجة واسعة من التفاعل والنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، لتتجاوز القضية في نظر متابعيها حدود الإجراءات القانونية المرتبطة بالواقعة، وتتحول إلى اختبار جديد لقدرة مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة الداخلية، على التواصل مع الجمهور وكسب ثقته.
وفي قراءة للمشهد من زاوية جماهيرية، يرى الكاتب جمال غطاس أن دينا عزت تمكنت خلال فترة قصيرة من الوصول إلى قطاعات واسعة من الجمهور، بعدما نشرت مقاطع مصورة عبر هاتفها المحمول، بينما واجهت وزارة الداخلية صعوبة في إيصال روايتها إلى الجمهور بالقدر نفسه.
ويؤكد غطاس أن الحديث عن "الفوز" و"الخسارة" في هذه الحالة لا يتعلق بالحكم على الموقف القانوني لأي من الطرفين، خاصة أن التحقيقات لم تنتهِ بعد، والقضية لم تصل إلى منصة القضاء التي تفصل في المسئوليات والاتهامات، وإنما يتعلق بصورة كل طرف لدى الرأي العام وقدرته على حشد التعاطف والتأييد.
فيديوهات قصيرة.. وتأثير واسع
بحسب هذه القراءة، فإن المفارقة الأساسية في القضية تتمثل في أن دينا عزت وزوجها لم يحظيا بهذا القدر من الاهتمام الجماهيري خلال الأسابيع التي سبقت نشر الفيديوهات، بينما تمكنت مقاطع محدودة، سجلتها دينا بهاتفها المحمول، من دفع القضية إلى واجهة النقاش العام خلال وقت قصير.
ويرى غطاس أن هذا الانتشار السريع لم يكن مرتبطًا فقط بمحتوى الفيديوهات، وإنما بالسياق الاجتماعي والاقتصادي والنفسي الذي يتفاعل معه الجمهور، إذ وجد كثيرون في القضية مساحة للتعبير عن مشاعر أوسع تتعلق بارتفاع الأسعار، وضغوط المعيشة، والخوف من المستقبل، والشعور بتراجع القدرة على التعبير بحرية.
ومن هذا المنظور، أصبحت دينا، في نظر المتفاعلين مع القضية، أكثر من مجرد مواطنة تواجه واقعة قانونية؛ إذ تحولت إلى طرف يستطيع بعض المواطنين إسقاط تجاربهم اليومية عليه، بما فيها الاحتكاك المتكرر بالمؤسسات الحكومية والإجراءات والرسوم والضغوط المعيشية.
أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسة
في المقابل، يطرح المقال سؤالًا أوسع بشأن طبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة والمواطنين، معتبرًا أن المشكلة لا تتوقف عند كيفية إدارة وزارة الداخلية لهذه القضية تحديدًا، وإنما ترتبط بتراكم طويل من أزمة الثقة بين قطاعات من الجمهور وبعض مؤسسات الدولة.
ويضرب الكاتب أمثلة من التعاملات اليومية للمواطنين مع الأجهزة والمصالح الحكومية، بدءًا من إجراءات المرور واستخراج المستندات الرسمية، وصولًا إلى الخدمات المدنية المختلفة، معتبرًا أن شعور المواطن بارتفاع تكلفة الإجراءات والخدمات، إلى جانب الضغوط الاقتصادية المتزايدة، يمكن أن يؤثر في الطريقة التي يستقبل بها أي خطاب رسمي صادر عن المؤسسة.
وبحسب هذه الرؤية، فإن المواطن الذي يواجه ضغوطًا متراكمة في حياته اليومية قد يكون أكثر استعدادًا للتعاطف مع رواية مواطن آخر يتحدث عن تجربته، حتى قبل اكتمال الصورة القانونية للقضية.
الرواية الرسمية في مواجهة رواية المواطن
تكشف الواقعة كذلك عن تغير مهم في أدوات التأثير في الرأي العام؛ فلم تعد المؤسسات الرسمية وحدها تملك القدرة على تحديد إطار النقاش العام، في ظل انتشار الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي.
فمقطع مصور لا يتجاوز دقائق يمكن أن يصل إلى أعداد كبيرة من المستخدمين، ويعيد تشكيل النقاش حول واقعة ما خلال ساعات، بينما تحتاج البيانات الرسمية إلى وقت أطول للوصول إلى الجمهور وإقناعه، خصوصًا عندما تكون المؤسسة صاحبة الرواية قد راكمت، في نظر قطاعات من المواطنين، تاريخًا من الجدل والشكوك.
ومن هنا يبرز الفارق بين امتلاك أدوات القوة المؤسسية وامتلاك القدرة على التأثير الجماهيري. فقد تكون المؤسسة صاحبة صلاحيات قانونية وموارد وإمكانات أكبر بكثير من المواطن، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تمتلك الثقة نفسها لدى الجمهور.
القضية لم تُحسم قانونيًا
ومع ذلك، يبقى من الضروري الفصل بين التفاعل الجماهيري وبين الموقف القانوني في القضية.
فحتى الآن، لم تنتهِ التحقيقات، ولم يصدر حكم قضائي يفصل بصورة نهائية في الاتهامات أو المسئوليات، وبالتالي فإن حجم التعاطف مع دينا عزت أو الانتقادات الموجهة إلى وزارة الداخلية لا يمثل في حد ذاته حكمًا على الوقائع أو الأدلة.
وهذه النقطة تحديدًا تظل أساسية عند تناول القضية، لأن الرأي العام قد يتشكل بسرعة كبيرة بفعل مقطع مصور أو رواية شخصية، بينما يحتاج المسار القضائي إلى أدلة وتحقيقات وإجراءات قانونية قبل الوصول إلى نتيجة نهائية.
لماذا حظيت دينا بهذا التعاطف؟
يربط غطاس الانتشار الكبير لقضية دينا عزت بسياق اجتماعي أوسع، يرى أنه خلق جمهورًا مستعدًا للتفاعل مع أي قصة يرى فيها تعبيرًا عن معاناته اليومية.
فارتفاع تكاليف المعيشة، وضغوط العمل، وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية، والخوف من المستقبل، إلى جانب القيود التي يشعر بها بعض المواطنين في التعبير عن آرائهم، كلها عوامل تجعل أي واقعة فردية قابلة للتحول إلى نقاش عام يتجاوز أصحابها.
وفي هذه الحالة، لم يعد السؤال بالنسبة إلى كثير من المتابعين متعلقًا فقط بما حدث مع دينا وزوجها، وإنما بما إذا كانت الواقعة تعكس، من وجهة نظرهم، مشكلة أكبر في العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
درس الاتصالات لا يقل أهمية عن الإجراءات
وبغض النظر عن نتيجة التحقيقات والمسار القضائي، تطرح القضية درسًا يتعلق بطريقة إدارة المؤسسات العامة لعلاقتها بالرأي العام.
ففي عصر المنصات الرقمية، لم يعد إصدار بيان رسمي كافيًا بالضرورة لتشكيل الرواية السائدة، كما أن امتلاك المؤسسة لأدوات السلطة لا يضمن تلقائيًا امتلاكها ثقة الجمهور.
وتحتاج المؤسسات، وفق هذه القراءة، إلى خطاب أكثر سرعة ووضوحًا وشفافية، وإلى التعامل مع الأسئلة والمخاوف التي يطرحها المواطنون بدل الاكتفاء بالبيانات الرسمية، خصوصًا في القضايا التي تحظى باهتمام واسع على مواقع التواصل الاجتماعي.
من واقعة فردية إلى سؤال أكبر
في النهاية، تتجاوز قضية دينا عزت حدود الواقعة نفسها لتطرح سؤالًا أوسع حول العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وحول الدور الذي تلعبه الثقة في تحديد اتجاه الرأي العام.
فقد تمتلك وزارة الداخلية إمكانات مؤسسية وقانونية ضخمة، بينما لا يملك المواطن سوى هاتف محمول ورواية شخصية، لكن انتشار الرواية لا يتحدد فقط بحجم الإمكانات، وإنما بمدى استعداد الجمهور للاستماع والتصديق والتفاعل.
ومن هنا، فإن القضية لا تزال مفتوحة قانونيًا، لكن تأثيرها الجماهيري بات قائمًا بالفعل، لتصبح واقعة دينا عزت مثالًا على أن معركة الصورة والثقة في عصر التواصل الرقمي قد تكون، في بعض الأحيان، موازية للمسار القانوني نفسه.
ويبقى السؤال الأوسع الذي تطرحه الواقعة: هل تستطيع مؤسسات الدولة استعادة ثقة المواطن بحيث لا تصبح كل واقعة فردية اختبارًا جديدًا لعلاقتها بالرأي العام؟