تحرك “نفس” يصعّد ضد قيس سعيّد: اتهامات بالقمع وتضييق الحريات ودعوة لفتح أفق سياسي في تونس

- ‎فيعربي ودولي

صعّد تحرك «نفس»، الذي يضم مجموعة من المنظمات والأحزاب والشخصيات الوطنية التونسية، لهجته تجاه الأوضاع السياسية والحقوقية في البلاد، معربًا عن رفضه لما وصفه بتدهور متسارع في الحريات العامة، وتزايد الاعتقالات والمحاكمات بحق معارضين ونشطاء، إلى جانب ما اعتبره استخدامًا متزايدًا لخطاب التخوين والترهيب في مواجهة الأصوات المنتقدة للسلطة.

وطالب التحرك، في بيان صدر الخميس، بـ«رحيل المنظومة الفاشلة»، وفتح أفق سياسي ديمقراطي يعيد السيادة إلى الشعب، ويحفظ الحقوق والحريات وكرامة التونسيين.

وقال «نفس»: "إن ما تشهده تونس لم يعد، من وجهة نظره، مجرد أخطاء في إدارة الدولة أو سوء تقدير للسياسات، وإنما بات يمثل مسارًا متواصلًا من التضييق على المواطنين ومحاولة دفعهم إلى الخوف والصمت والاستسلام".

"أزمة عميقة في ممارسة السلطة"

واعتبر التحرك أن التطورات السياسية والحقوقية المتلاحقة تعكس، بحسب تقديره، "أزمة عميقة في طريقة ممارسة السلطة وإدارة الدولة"، متهمًا السلطات باللجوء إلى القمع والتخوين لمواجهة الأزمات والانتقادات.

وقال: "إن المواطن لم يعد يُعامل، وفق وصفه، باعتباره صاحب حق، وإنما باعتباره طرفًا ينبغي إخضاعه وإسكاته، منتقدًا ما وصفه بتوظيف خطاب المؤامرة لتبرير الإخفاقات ومواجهة الأصوات المعارضة".

وأضاف أن الأوضاع في البلاد تشهد تدهورًا على مستويات مختلفة، في ظل ما اعتبره "عجزًا" عن إدارة الشأن العام، بالتزامن مع استمرار الإجراءات التي يراها التحرك مقيدة للحريات.

انتقادات للاعتقالات والمحاكمات

وتصدر ملف الاعتقالات والمحاكمات قائمة انتقادات «نفس»، الذي ندد بما وصفه بالاعتقالات التعسفية التي تستهدف نشطاء ومعارضين وأصحاب رأي.

كما انتقد التحرك ما اعتبره استخدام مؤسسات الدولة في ملاحقة المواطنين بدلًا من حمايتهم وضمان حقوقهم، محذرًا من أن استمرار هذا المسار يؤدي إلى توسيع حالة الخوف داخل المجتمع.

وتأتي هذه الانتقادات في ظل استمرار محاكمة عدد من المعارضين والسياسيين ورجال الأعمال والنشطاء منذ عام 2023، في قضايا يقول معارضو الرئيس قيس سعيّد إنها ذات دوافع سياسية، بينما تؤكد السلطات التونسية أن القضاء مستقل وأن الإجراءات تستهدف من تثبت بحقهم مخالفات قانونية.

أوضاع السجون والحريات

ولم يقتصر بيان التحرك على الاعتقالات والمحاكمات، إذ تحدث كذلك عن أوضاع السجون، منتقدًا ما وصفه بوجود ظروف «لاإنسانية» وتواتر حالات وفاة داخل السجون، ومطالبًا بكشف الحقيقة والمساءلة بشأنها.

كما أعرب عن رفضه لما اعتبره تضييقًا على الحريات العامة والفردية، وحرية الصحافة والإعلام والتعبير والتنظيم.

ويرى «نفس» أن تراجع مساحة الحريات يمثل جزءًا من أزمة سياسية أوسع، معتبرًا أن مؤسسات الدولة ينبغي أن تكون ضامنة للحقوق، لا أداة لمعاقبة أصحاب المواقف السياسية المخالفة.

احتجاجات وملاحقة المشاركين

وأدان التحرك كذلك قمع الاحتجاجات السلمية، معتبرًا أن التعامل الأمني والقضائي مع المتظاهرين يهدد الحق في التظاهر والتعبير عن المواقف السياسية.

وجاء البيان في أعقاب اعتقال 16 متظاهرًا شاركوا في مسيرة داعمة لنشطاء «أسطول الصمود»، حيث أُثيرت انتقادات بشأن الشعارات التي رددها المشاركون وانتقدت السلطة.

وكان من المنتظر أن يمثل الموقوفون أمام المحكمة الابتدائية للنظر في وضعهم، سواء بالإفراج عنهم أو اتخاذ قرار بإيداعهم السجن، وفق ما ورد في المعطيات التي رافقت البيان.

كما انتقد «نفس» ما اعتبره تناقضًا بين الخطاب الرسمي الداعم للقضية الفلسطينية وبين الإجراءات التي طالت مشاركين في أنشطة تضامنية مع فلسطين، معتبرًا أن التضامن مع القضية الفلسطينية ينبغي ألا يكون محل تضييق أو ملاحقة.

منظمات وقوى مدنية أمام اختبار التوحد

ودعا التحرك مختلف القوى الوطنية والمدنية والديمقراطية، إلى جانب المنظمات والأحزاب والحركات الشبابية، إلى تجاوز حالة التشتت والالتفاف حول قضايا الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

وأكد أن مواجهة الأوضاع الراهنة تتطلب، بحسب رؤيته، توحيد الجهود السياسية والمدنية والدفاع عن الحقوق والحريات، بدلًا من استمرار حالة الانقسام بين القوى المعارضة.

وقال "نفس" "إن ما وصفه بتفاقم الأزمات الاجتماعية والسياسية يجعل استمرار الصمت غير ممكن، معتبرًا أن الاحتجاج السلمي لا ينبغي التعامل معه باعتباره تهديدًا للدولة".

مسار سياسي منذ 2023

وتأتي هذه الانتقادات في سياق سياسي متوتر منذ الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد في يوليو 2021، والتي شملت تجميد عمل البرلمان ثم حلّه وإعادة تشكيل عدد من مؤسسات الدولة، وصولًا إلى إقرار دستور جديد عام 2022.

ومنذ فبراير 2023، شهدت تونس توقيف عدد من السياسيين المعارضين ورجال الأعمال والنشطاء في قضايا مختلفة، وهو ما أثار انتقادات من قوى سياسية ومنظمات حقوقية، بينما تقول السلطات إن "الموقوفين متهمون بارتكاب مخالفات أو التآمر على أمن الدولة، وتنفي أن تكون الملاحقات قائمة على خلفيات سياسية".

وأصبح ملف الحريات والقضاء أحد أبرز محاور الصراع بين السلطة ومعارضيها، خصوصًا مع استمرار المحاكمات وصدور أحكام بحق عدد من الشخصيات السياسية.

قيس سعيّد: "حرب تحرير وطنية"

في المقابل، يتمسك الرئيس قيس سعيّد بخطابه السياسي القائم على مواجهة ما يصفه بالفساد والتآمر ومحاولات ضرب الدولة، ويؤكد أن تونس تخوض ما يعتبرها «حرب تحرير وطنية».

ويقول سعيّد: "إن مسار المحاسبة سيستمر، وإنه لا عودة إلى الوراء، متعهدًا بمحاسبة من يصفهم بالخونة والفاسدين".

كما يؤكد الرئيس التونسي في خطاباته أنه لا يتدخل في عمل القضاء، في وقت يواجه فيه انتقادات من معارضيه بشأن استقلال المؤسسات القضائية والسياسية.

وهكذا تستمر الأزمة السياسية التونسية بين روايتين متعارضتين: سلطة تقول إنها تخوض معركة ضد الفساد والتآمر وتحاول إعادة بناء الدولة، ومعارضة ترى أن هذا المسار تحول إلى تضييق على المجال العام وملاحقة للخصوم السياسيين.

صراع على مستقبل المجال العام

ويكشف تصعيد «نفس» عن استمرار الصراع حول مستقبل النظام السياسي التونسي وحدود السلطة التنفيذية ودور القضاء والمجتمع المدني وحرية التعبير والاحتجاج.

وبينما تتمسك السلطة بمسارها السياسي وتعتبر إجراءاتها جزءًا من معركة لحماية الدولة ومحاسبة المتهمين بالفساد والتآمر، تطالب قوى معارضة ومدنية بفتح المجال أمام حوار سياسي أوسع، وضمان الحريات والحقوق الأساسية.

وفي ظل استمرار الاعتقالات والمحاكمات والاحتجاجات، يبدو ملف الحريات والمجال العام أحد أبرز ساحات التجاذب السياسي في تونس، في وقت تدعو فيه قوى مدنية إلى إعادة فتح المسار السياسي، بينما تصر السلطة على مواصلة ما تعتبره مسارًا لتطهير مؤسسات الدولة ومحاسبة المسؤولين عن الفساد أو ما تصفه بتهديد أمن البلاد.