136 قطعة على النيل.. السيسي يُعيد أراضي طرح البحر للبيع

- ‎فيتقارير

بدعوى الاستثمار، أعلنت حكومة السيسي عن 136 قطعة أرض على كورنيش النيل يمثل حتى الآن مرحلة حصر وتجهيز وترويج استثماري، وليس إعلانًا عن بيع جميع هذه الأراضي، وتؤكد التصريحات الرسمية أن ملكيتها موزعة بين جهات حكومية مختلفة، وأن لجنة تشكلت للتفاوض مع المستثمرين لصالح هذه الجهات.

 

في المقابل، فإن التوسع في «ممشى أهل مصر» يرتبط في بعض المناطق بإجراءات نزع ملكية صريحة، كما حدث في منيل شيحة وأبو النمرس وجزيرة الدهب، حيث حدد قرار رسمي صفة المنفعة العامة للمشروع وقدّر التعويضات المبدئية بنحو 70 مليون جنيه.

وتتحرك حكومة السيسي لإعادة صياغة أجزاء واسعة من الواجهة النيلية للقاهرة الكبرى، عبر مسارين متوازيين: الأول اقتصادي يستهدف حصر الأراضي والمباني المطلة على النيل وطرحها أمام المستثمرين، والثاني عمراني يتضمن استكمال مشروعات تطوير الكورنيش و"ممشى أهل مصر"، وما يرتبط بها من إجراءات لنزع ملكية بعض الأراضي والعقارات.

 

وفي أحدث مؤشرات المسار الاستثماري، أعلن المهندس خالد صديق، رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الحضرية، حصر نحو 136 قطعة أرض في القاهرة والجيزة تمهيدًا لاستغلالها كفرص استثمارية، على أن يبدأ الترويج للأراضي والمباني المطلة على كورنيش النيل خلال شهرين، كما أُنشئت لجنة برئاسة صندوق التنمية الحضرية لدراسة فرص الاستثمار والتفاوض مع المستثمرين لصالح الجهات المالكة للأراضي، إذ لا تعود ملكية جميع القطع إلى الصندوق.

 

وبحسب تصريحات صديق المنشورة في سبتمبر 2026، تقدمت شركات ومستثمرون من قطر والإمارات والسعودية بطلبات للاستحواذ على بعض الأراضي المطلة على كورنيش النيل، وتأتي هذه التحركات في وقت يستهدف فيه صندوق التنمية الحضرية رفع مبيعاته التعاقدية إلى 15 مليار جنيه خلال 2027، مقابل 9 مليارات جنيه مستهدفة في 2026.

الملكية موزعة بين جهات حكومية

 

اللافت في الخطة أن الـ136 قطعة ليست محفظة مملوكة بالكامل لصندوق التنمية الحضرية؛ إذ أوضح صديق أن الأراضي تتبع جهات حكومية مختلفة، وهو ما دفع إلى تشكيل لجنة تتولى دراسة فرص الاستثمار والتفاوض مع المستثمرين نيابة عن الجهات المالكة.

 

وبالتالي، فإن الإعلان عن طرح 136 قطعة: لا يعني، في مرحلته الحالية، إتمام بيع هذه الأراضي أو توقيع عقود نهائية عليها، وإنما يشير إلى مرحلة الحصر والإعداد والترويج الاستثماري.

 

وتشير البيانات المنشورة إلى أن بعض الأراضي دخلت بالفعل في مسار التفاوض، من بينها أرض تابعة لمؤسسة أخبار اليوم تقدمت شركات بطلبات للشراكة عليها، بينما يستمر حصر الأراضي في مناطق أخرى، بينها القليوبية.

الاستثمار الخليجي يعود إلى الواجهة

 

يحضر المستثمر الخليجي في قلب التحرك الجديد، بعدما كشف رئيس صندوق التنمية الحضرية عن تلقي طلبات من مستثمرين من دول خليجية للاستحواذ على أراضٍ في منطقة كورنيش النيل.

 

وتأتي هذه التحركات في سياق أوسع تسعى خلاله الحكومة إلى تعظيم العائد من أصول الدولة، خصوصًا الأراضي ذات المواقع المتميزة، عبر الشراكة مع القطاع الخاص أو إتاحة فرص استثمارية مباشرة.

 

لكن الإعلان الحالي لا يحدد بصورة نهائية طبيعة الاستخدامات الاستثمارية لكل قطعة، ولا أسعار الطرح أو مساحات القطع أو أسماء المستثمرين الذين تقدموا بالطلبات، وهي تفاصيل ستكون حاسمة لتقييم حجم الاستثمار الفعلي الذي يمكن أن تنتجه هذه الخطة.

أراضي طرح النهر

وفي 2024، تلقت جهات حكومية وتعليمية وثقافية خطابات بشأن إلغاء أو عدم تجديد عقود حق الانتفاع بأراضي طرح النهر الممتدة من شبرا إلى حلوان.

 

وتضمنت القائمة منشآت معروفة على ضفاف النيل، بينها المسرح العائم، نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة، حديقة أم كلثوم، نادي النيابة الإدارية، ونادي قضاة مجلس الدولة، إلى جانب منشآت وأراضٍ تابعة لجهات أخرى.

 

وكانت كلية السياحة والفنادق بجامعة حلوان من الجهات التي أعلنت تلقيها إخطارًا يتعلق بأراضي طرح النهر، بينما أشارت تقارير صحفية إلى ارتباط الإجراءات بإدارة مشروعات أراضي القوات المسلحة.

ونزع الملكية يعني انتقال ملكية العقار وفق إجراءات قانونية محددة مقابل تعويض، بينما إنهاء أو عدم تجديد حق الانتفاع يتعلق بالحق في استخدام أرض مملوكة للدولة دون أن يعني بالضرورة انتقال ملكية المنشأة نفسها إلى جهة أخرى.

 

لكن النتيجة العملية في عدد من الحالات كانت واحدة: إخلاء منشآت كانت قائمة وتعمل على ضفاف النيل منذ سنوات طويلة، تمهيدًا لإعادة استخدام الأراضي.

المسرح العائم.. الثقافة في مواجهة إعادة تخطيط النيل

فالمسرح، الذي يمثل أحد المواقع المعروفة للحركة المسرحية المصرية، وجد نفسه ضمن المنشآت التي طالها إخطار الإخلاء المرتبط بأراضي طرح النهر.

مسار "ممشى أهل مصر"

بالتوازي مع التحرك الاستثماري، تتوسع الدولة في تنفيذ مشروع «ممشى أهل مصر» جنوب القاهرة الكبرى.

 

ففي مايو 2026 نُشر القرار رقم 940 لسنة 2026 في الجريدة الرسمية، باعتبار مشروع نزع ملكية الأراضي والعقارات اللازمة لاستكمال مسار «متنزهات وممشى أهل مصر» في مناطق منيل شيحة وأبو النمرس وجزيرة الدهب بمحافظة الجيزة من أعمال المنفعة العامة.

 

ونص القرار على الاستيلاء بطريق التنفيذ المباشر على الأراضي والعقارات المحددة في الخرائط والكشوف المرفقة بالقرار، وتضمنت مذكرة وزارة العدل تقديرًا مبدئيًا للتعويضات بنحو 70 مليون جنيه.

 

وبحسب المذكرة الرسمية، فإن سبب نزع الملكية هو وجود أراضٍ وعقارات مملوكة ملكية خاصة تتعارض مع المسار المخطط للمشروع، وليس الإعلان عن طرح هذه العقارات للاستثمار بحد ذاته. وهذه نقطة مهمة عند الربط بين المسارين: هناك مشروعات نزع ملكية مرتبطة بمسار «ممشى أهل مصر»، وفي الوقت نفسه خطة منفصلة لحصر أراضٍ على الكورنيش لأغراض استثمارية.

من تطوير الكورنيش إلى ملف السكان.

 

التوسع في مشروعات الواجهة النيلية يعيد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول مصير السكان القاطنين في المناطق المستهدفة بالتطوير، خصوصًا في المناطق التي تتقاطع فيها مشروعات البنية التحتية والتطوير العمراني مع ملكيات خاصة.

 

وفي طرة، تتحدث روايات منسوبة إلى الأهالي عن قيام لجان بحصر بعض الممتلكات تمهيدًا لإجراءات نزع ملكية، وعن مخاوف من إخلاء السكان وعدم وضوح طبيعة المشروع أو مستقبل المنطقة.

 

وتتضمن المادة المرفقة اتهامات منسوبة إلى الأهالي وإلى مصادر حقوقية بشأن عدم كفاية المعلومات المتاحة لهم حول مخطط التطوير، فضلًا عن اعتراضات على قيمة التعويضات وآليات تقديرها. ولم يتسنّ من المصادر التي جرى التحقق منها تأكيد جميع التفاصيل الواردة في هذه الروايات، ولذلك تبقى هذه النقاط في إطار رواية الأهالي والجهات الناقدة للمشروع إلى حين صدور بيانات رسمية أو مستندات تفصيلية بشأنها.

 

كما تتداول المادة ادعاءات بشأن أداء شركة «المعادي للتعمير» وملاحظات منسوبة إلى الجهاز المركزي للمحاسبات على بعض أصولها العقارية، وهذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى الرجوع إلى تقرير الجهاز الأصلي قبل نسبتها بصورة قاطعة إلى جهة رقابية رسمية.

الوراق، التطوير في مواجهة تمسك السكان بالبقاء.

 

جزيرة الوراق والمناطق النيلية

فبحسب تقرير حديث لـ«مدى مصر» في سبتمبر 2026، تصاعدت التوترات بين سكان الجزيرة والأجهزة الأمنية بالتزامن مع اعتراض الأهالي على إجراءات مرتبطة بمشروع التطوير، بينما طالب سكان بمعرفة مصير منازلهم وأراضيهم وبضمانات واضحة بشأن بقائهم أو تعويضهم.

 

وكانت الجزيرة قد شهدت خلال الأشهر السابقة مواجهات واحتجاجات مرتبطة، من بين أمور أخرى، بقيود على إدخال مواد البناء، بحسب شهادات سكان نقلتها وسائل إعلام مستقلة.

 

وتكشف الوراق عن جانب مختلف من ملف التطوير: فالقضية لا تتعلق فقط بتحويل الأرض إلى أصل اقتصادي أكثر قيمة، وإنما أيضًا بكيفية إدارة انتقال السكان وحقوق الملكية وآليات التعويض وضمانات البقاء لمن تشملهم خطط الإخلاء أو إعادة التوطين.

مثلث ماسبيرو..

أما مثلث ماسبيرو فيقدم النموذج الأبرز لما يمكن أن تؤول إليه عمليات إعادة تخطيط المناطق النيلية ذات القيمة العقارية المرتفعة.

 

وتقول محافظة القاهرة: "إن مشروع تطوير مثلث ماسبيرو يستهدف إعادة تطوير المنطقة، مع توفير بدائل للسكان؛ وتشير بيانات المحافظة إلى أن الخيارات التي طُرحت على السكان شملت الحصول على وحدات بديلة أو مقابل مالي أو العودة إلى المنطقة بعد التطوير".

 

وفي الوقت نفسه، تتواصل أعمال إنشاء أبراج سكنية وتجارية وفندقية في المنطقة المطلة مباشرة على النيل، ووفق بيانات رسمية، يتضمن مشروع «أبراج النيل ماسبيرو» أبراجًا سكنية مطلة على كورنيش النيل، إلى جانب استخدامات تجارية وترفيهية وخدمية.

 

وفي المقابل، تناولت تقارير صحفية في 2025 اعتراضات من بعض سكان العقارات المحيطة بالمشروع على خطط الإخلاء وقيمة التعويضات، وهي روايات تختلف عن التصور الرسمي للمشروع وتحتاج إلى عرضها في سياقها باعتبارها مواقف وشهادات للسكان.

مشروع واحد أم خريطة جديدة للنيل؟

 

عند وضع هذه التطورات جنبًا إلى جنب، تظهر ملامح تحول أوسع في طريقة التعامل مع ضفاف النيل داخل القاهرة الكبرى.

 

فمن جهة، تتحرك الحكومة لحصر الأراضي والمباني المملوكة لجهات عامة وتهيئتها للاستثمار، مع وجود اهتمام خليجي معلن بهذه المواقع.

 

ومن جهة أخرى، يجري توسيع مشروعات الكورنيش والمتنزهات والمماشي العامة، ومنها الامتداد الجديد لمشروع «ممشى أهل مصر» في جنوب الجيزة، والذي أصبح له أساس قانوني واضح لنزع ملكية العقارات المتعارضة مع مساره بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 940 لسنة 2026.

 

وبين المسارين يقف ملف السكان والملكيات الخاصة، باعتباره الحلقة الأكثر حساسية في إعادة تشكيل الواجهة النيلية: من يملك الأرض؟ وما الغرض المحدد من نزع ملكيتها؟ وكيف تُقدّر التعويضات؟ وما الخيارات المتاحة للسكان؟

 

هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية مع انتقال خطة تطوير الواجهة النيلية من مشروعات منفردة، مثل ماسبيرو وممشى أهل مصر، إلى عملية أوسع لحصر واستثمار عشرات المواقع على امتداد القاهرة والجيزة.