ذخائر غير منفجرة وجثثت تحت الركام ومعدات متهالكة…إزالة مخلفات حرب الإبادة بقطاع غزة “حفر فى الصخر”

- ‎فيتقارير

أزمة مخلفات حرب الإبادة فى قطاع غزة غير مسبوقة فى تاريخ الحروب العالمية، ولذلك فهى تتجاوز كل القدرات التى يمكن أن تُتاح من المؤسسات والفرق الدولية للتعامل مع هذه الأزمة .

هذه المخلفات لا تنطوى فقط على الركام بل هناك أبعاد إنسانية حساسة حيث تقول بعض المؤسسات الدولية إن هناك نحو 10 آلاف جثة قد تكون مدفونة تحت الركام بالإضافة إلى الذخائر غير المتفجرة التى تمثل خطورة على العاملين فى إزالة هذا الركام وعلى أهالى القطاع بصفة عامة .

يُشار إلى أن إجمالي كمية الركام في غزة يقدر بنحو 61 مليون طن، وهي كمية تعادل نحو 20 ضعف الركام الناتج عن جميع الحروب خلال الثمانية عشر عاما الآخيرة .

 

إزالة الحواجز

حول هذه المأساة كشف أحمد عليان، المهندس في الأمم المتحدة جانبا من الصعوبات التى تواجههم فى رفع هذه المخلفات، مشيرا إلى أن تنظيف جزء من أحد الطرق في حي تل الهوى بمدينة غزة استغرق يومًا كاملًا، وفى النهاية وجد نفسه محاطًا بأكوام هائلة من الركام رغم ساعات العمل الطويلة التي قضاها فريقه في الموقع.

وقال عليان فى تصريحات صحفية إن المهمة بدت له كما لو أنهم «يمسكون بملعقة ويحاولون إفراغ البحر»، في وصف لحجم الأنقاض التي تراكمت في شوارع المدينة، بينما تواصل فرق برنامج الأغذية العالمي العمل على فتح الطرق وإزالة الحواجز التي تعيق حركة السكان وشاحنات الإغاثة.

وأشار إلى أنه عمل ضمن فريق تابع لبرنامج الأغذية العالمي في شارع بيروت، الذي كان قبل الحرب من الطرق الرئيسية المزدحمة بالمحال التجارية والمكاتب والمنازل والسيارات، قبل أن يتحول إلى مساحة شبه مهجورة تتناثر فيها بقايا المنشآت المدمرة.

وأكد عليان أن أكوام الحجارة والركام أغلقت الطرق في أجزاء واسعة من المنطقة، بينما ظهر أحد الأبراج مائلًا بعد تعرض أساساته الخرسانية لأضرار، في وقت واصلت فيه عائلات نازحة الإقامة داخل المبنى رغم حالته المتضررة.

وأوضح أن مياه الصرف الصحي تتدفق من الأرض في أجزاء أخرى من الطريق، بعدما تضرر نظام الصرف وانسد، لتضيف مشكلة بيئية وصحية جديدة إلى التحديات التي تواجه السكان وفرق الإغاثة في المنطقة.

 

مليارات الدولارات

وتقدّر الأمم المتحدة أن إزالة الجزء الأكبر من الركام في قطاع غزة قد تحتاج إلى ما بين سبع وعشر سنوات على الأقل، فضلًا عن تكاليف تصل إلى مليارات الدولارات، ما يضع عملية إزالة مخلفات الحرب ضمن أكبر عمليات إزالة الأنقاض في التاريخ الحديث.

وقال جاكو سيلييرز، الممثل الخاص لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في فلسطين، إن إجمالي كمية الركام في غزة يقدر بنحو 61 مليون طن، وهي كمية تعادل نحو 20 ضعف الركام الناتج عن جميع الحروب حول العالم خلال السنوات الـ18 الماضية.

وأشار إلى أن فرق إزالة الأنقاض حققت تقدمًا محدودًا مقارنة بحجم المهمة، إذ أزيل بعد أكثر من عامين من العمل نحو 907 آلاف طن من الركام، بينما جرى تدوير وإعادة استخدام أكثر من 300 ألف طن، بما يمثل نحو 1.5% فقط من الكمية الإجمالية المقدرة.

 

إزالة الأنقاض  

وأضاف سيلييرز أن إزالة الركام من أمام بعض المتاجر والمنشآت المتضررة ساعدت على استعادة جزء من الحركة الاقتصادية المحلية، مؤكدا أن عددًا من أصحاب المتاجر أعادوا فتح أنشطتهم خلال نحو 20 يومًا من إزالة الأنقاض من أمام منشآتهم.

ولفت إلى أن هذه الخطوات أتاحت للسكان مساحة أوسع للحركة، وساعدت على إعادة فتح الطرق والوصول إلى الخدمات، بينما ظل حجم المهمة أكبر بكثير من الإمكانات المتاحة حاليًا. 

وشدد سيلييرز على أن عمليات إزالة الركام في غزة تتواصل وسط ظروف معقدة، بينما بقي الوصول إلى معدات البناء وخدمات الصيانة محدودًا، وهو ما جعل جهود التعافي الأولى تسير ببطء مقارنة بحجم الدمار والاحتياجات المتراكمة، وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

 

فتح الطرق

ونجحت جهود إزالة الركام حتى الآن في تطهير نحو 580 كيلومترًا من الطرق، وهو ما ساعد على تحسين حركة شاحنات المساعدات وفرق الإنقاذ والسكان، رغم أن المساحات التي تحتاج إلى تدخل ما زالت شاسعة.

وقال إبراهيم دارادونا، وهو نازح من جباليا يقيم في منطقة تل الهوى، إن إزالة الأنقاض وسعت الطريق وقللت انتشار القوارض والحشرات، كما جعلت مرور السيارات أسهل وخففت من المخاطر التي كانت تهدد الأطفال أثناء لعبهم في المنطقة.

 

برنامج الأغذية العالمي

وتواجه فرق الإغاثة صعوبات إضافية بسبب القيود المفروضة على إدخال المعدات اللازمة إلى القطاع، وفى هذا السياق قالت صحيفة «الجارديان» البريطانية إن سلطات الاحتلال تمنع دخول معدات تعتبرها ذات «استخدام مزدوج»، بحجة إمكانية استفادة حركة حماس منها.

وأشارت الصحيفة إلى أن عمل برنامج الأغذية العالمي اقتصر في البداية على إزاحة الأنقاض من الطرق ودفعها إلى الجانبين لفتح ممرات أمام الشاحنات، إلا أن ضخامة الركام واستمرار الأضرار خلال فترة وقف إطلاق النار أجبر الفرق على إعادة فتح بعض الطرق أكثر من مرة.

 

إعادة تدوير الركام

وبدأ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشغيل خمسة مواقع لتكسير الركام في أنحاء غزة، حيث تجمع الأنقاض الناتجة عن الطرق والبنية التحتية المتضررة، ثم تخضع للفرز لإزالة المعادن وقضبان الحديد والمواد غير الخرسانية قبل تكسير الخرسانة إلى أحجام أصغر يمكن إعادة استخدامها.

واعتمد البرنامج على سبع كسارات كانت موجودة داخل القطاع قبل الحرب، بينما أعاد مهندسون فلسطينيون بناء اثنتين منها خلال العام الماضي اعتمادًا على نماذج كانت متاحة لديهم، بسبب عدم القدرة على إدخال معدات جديدة إلى غزة.

وتجمعت أكوام الركام في أحد مواقع التكسير التي كانت تضم سابقًا مستودعات تابعة للأمم المتحدة، بينما توقفت الشاحنات المحملة بالحطام على ميزان قبل تفريغ حمولاتها، وسط عمل متواصل للآلات التي تحول الخرسانة إلى قطع يمكن استخدامها مجددًا.

 

معدات متهالكة

وتعرضت الآلات المستخدمة في عمليات إزالة الركام لأعطال متكررة، بعدما أصبحت غالبية المعدات المتاحة داخل غزة شديدة القدم، في ظل نقص حاد في قطع الغيار وزيوت المحركات والمواد اللازمة للصيانة والتشغيل.

واستخدم المهندسون الركام المعاد تكسيره في إصلاح الطرق وردم الحفر، كما وضعوا جزءًا منه أسفل الخيام والملاجئ لرفعها عن مياه الأمطار والصرف الصحي، في محاولة للاستفادة من المواد المتاحة بدلًا من انتظار وصول مواد بناء جديدة.

 

رفات بشرية

وأكدت نهال أبو حسن، عضو فريق برنامج الأغذية العالمي، أن جودة هذه المواد أقل من المواد الطبيعية المستخدمة عادةً في إنشاء الطرق، لكنها أصبحت حلًا فرضته الظروف القائمة وغياب البدائل.

وقالت نهال أبو حسن فى تصريحات صحفية إن الأنقاض في كثير من المناطق تحمل بعدًا إنسانيًا يتجاوز كونها مخلفات مبانٍ مدمرة، مشيرة إلى أن بعض الأكوام قد تخفي حياة الناس وذكرياتهم، فضلًا عن احتمال وجود جثث لا تزال مدفونة أسفلها، وهو ما يجعل إزالتها عملية شديدة الحساسية بالنسبة للعائلات.

وقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن ما بين 8 آلاف و10 آلاف جثة قد تكون مدفونة تحت الركام، مؤكدا أنه يعمل بالتعاون مع جهات من بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر على تحديد المناطق التي يُحتمل وجود رفات بشرية فيها، ووضعها ضمن أولويات عمليات الإزالة والانتشال.

وأشار البرنامج إلى أنه بدأ العمل على مسار للطب الشرعي لتحديد هوية الرفات والتعامل معها بصورة مناسبة، مع احترام حقوق الدفن الدينية وتوفير الوثائق والشهادات اللازمة للعائلات التي تبحث عن مصير ذويها.

 

ذخائر غير منفجرة

وتواجه الفرق العاملة خطرًا آخر يتمثل في الذخائر غير المنفجرة الموجودة داخل الركام وعلى الطرق، ما دفع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبرنامج الأغذية العالمي إلى التنسيق مع دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام «أونماس» و«هالو ترست» ومنظمات أخرى قبل بدء أعمال الإزالة.

وعملت الجهات المختصة على تحديد المناطق التي قد تحتوي على ذخائر غير منفجرة ووضع علامات تحذيرية عليها، رغم محدودية القدرة على إزالة هذه المواد أو تفكيكها بالكامل، وهو ما يبقي خطرها قائمًا أمام العمال والعائلات التي تعود إلى المناطق المتضررة.

وأظهرت عمليات الفحص وجود مواد خطرة أخرى بين الركام، من بينها الأسبستوس الذي قد يمثل خطرًا صحيًا عند استنشاق أليافه، إلى جانب مبانٍ متضررة لا تزال أجزاء منها قائمة وقد تنهار بصورة مفاجئة.

وأجبرت المعطيات الميدانية فرق الإغاثة على تقييم سلامة المباني قبل السماح للسكان بالعودة إليها، بعدما أصبحت بعض المنشآت التي تبدو قائمة من الخارج مصدر خطر إضافي نتيجة ضعف هياكلها بفعل الأضرار السابقة.