تتسع خريطة الاستثمارات الخليجية في الأراضي الساحلية المصرية، مع استعداد شركة "الديار القطرية"، الذراع العقارية لجهاز قطر للاستثمار، لتسلم قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو 29 مليون متر مربع، أي ما يقارب 7 آلاف فدان بمدينة الغردقة، لتنفيذ مشروع سياحي ضخم على طريق الغردقة–سفاجا الممتد على ساحل البحر الأحمر.
ويأتي المشروع في وقت يتزايد فيه حضور رؤوس الأموال الخليجية، خصوصًا الإماراتية والقطرية، في قطاعي التطوير العقاري والسياحة بمصر، بينما يثير اقتصاديون تساؤلات بشأن مدى استفادة الاقتصاد المصري من هذه الصفقات، في ظل استمرار حاجة البلاد إلى النقد الأجنبي وارتفاع أعباء الدين، مقابل تراجع نسبي في تدفقات الاستثمار إلى قطاعات إنتاجية مثل الصناعة والطاقة.
وبحسب تقارير متداولة، تعود بداية تعاقد «الديار القطرية» على الأرض إلى عام 2006، خلال عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، قبل أن يجري خلال العام الحالي توقيع عقد التخصيص النهائي، مع تحديد مدة تنفيذ المشروع بنحو 20 عامًا.
وتستعد الشركة، وفق المعلومات المتداولة، لطرح المرحلة الأولى من المشروع خلال العام الحالي، وسط حديث عن تلقيها عروضًا من مطورين مصريين وخليجيين للمشاركة في تنفيذ المدينة السياحية.
مشروع جديد بعد "علم الروم"
ولا يمثل مشروع الغردقة الظهور الأول للديار القطرية في قطاع التطوير العقاري والسياحي المصري خلال الفترة الأخيرة.
ففي أبريل 2025، تعاقدت الشركة على تطوير منطقة استثمارية في سملا وعلم الروم بمحافظة مطروح، على مساحة تقارب 4,900 فدان، أو نحو 20.6 مليون متر مربع، في مشروع قدرت الاستثمارات المرتبطة به بنحو 29.7 مليار دولار، بحسب البيانات المتداولة حول الصفقة.
وتقع المنطقة إلى الغرب من مشروع «رأس الحكمة» الذي تطوره استثمارات إماراتية، بما يضع الاستثمارات القطرية والإماراتية على امتداد أجزاء واسعة من الساحل الشمالي الغربي والبحر الأحمر.
وبذلك، يتشكل تدريجيًا حضور خليجي مزدوج في أحد أكثر القطاعات جذبًا لرؤوس الأموال الأجنبية في مصر، وهو قطاع الأراضي الساحلية والتطوير السياحي والعقاري.
ويرى محللون أن هذا التوسع يعكس تحسن العلاقات الاقتصادية بين القاهرة والدوحة بعد سنوات من القطيعة التي بدأت مع أزمة المقاطعة الخليجية لقطر عام 2017، لكنه يفتح في الوقت نفسه بابًا لمنافسة محتملة بين الاستثمارات القطرية والإماراتية على سوق العقارات والمنتجعات السياحية المصرية.
البحر الأحمر.. موقع يتجاوز السياحة
ولا تقتصر أهمية مشروع الغردقة على طبيعته السياحية، إذ يرى محللون أن موقعه على البحر الأحمر، وبالقرب من طريق الغردقة–سفاجا، يمنح الاستثمار القطري حضورًا في منطقة ترتبط بحركة التجارة والملاحة الدولية.
ويمنح هذا الموقع «الديار القطرية» فرصة لتنويع استثماراتها الساحلية بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، بما يسمح بالجمع بين السياحة الموسمية في الساحل الشمالي والسياحة التي يمكن أن تمتد على مدار العام في مدن البحر الأحمر.
كما تأتي أهمية المنطقة في ظل الموقع الاستراتيجي للبحر الأحمر بالنسبة إلى قناة السويس وحركة التجارة العالمية، وهو ما يجعل التوسع العقاري والسياحي على سواحله مرتبطًا، بصورة غير مباشرة، بحسابات أوسع تتجاوز النشاط السياحي وحده.
قطر.. من الطاقة إلى العقار
ويثير التحول المتزايد نحو العقارات والسياحة سؤالًا آخر يتعلق بطبيعة الاستثمارات القطرية في مصر.
فقطر كانت حاضرة خلال السنوات الماضية في قطاعات إنتاجية واستراتيجية، خصوصًا الطاقة، عبر "قطر للطاقة" التي دخلت السوق المصرية في أنشطة التنقيب والاستكشاف عن النفط والغاز، بالشراكة مع شركات عالمية ومحلية.
وتشمل محفظة الشركة حصصًا في عدد من مناطق الاستكشاف البحرية المصرية، من بينها مناطق في البحر الأحمر والبحر المتوسط وشرق بورسعيد، إلى جانب مشاركتها في أنشطة مرتبطة بالغاز والبترول.
وفي القطاع المصرفي، يمثل بنك قطر الوطني الأهلي – QNB مصر أحد أكبر الاستثمارات القطرية في السوق المصرية، إذ بلغ إجمالي أصوله نحو 1.06 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2026، وفق الأرقام الواردة في البيانات المتعلقة بالبنك.
وبحسب تصريحات لوزارة الاستثمار المصرية، بلغ حجم الاستثمارات القطرية في مصر بنهاية 2025 نحو 3.2 مليار دولار موزعة على أكثر من 266 شركة، مقارنة بنحو 618.5 مليون دولار في 2024.
لكن التوسع الأخير في المشروعات العقارية والسياحية يطرح تساؤلات بشأن ما إذا كان ثقل الاستثمارات الخليجية يتحول تدريجيًا من الأنشطة الإنتاجية إلى القطاعات العقارية والساحلية ذات العوائد السريعة.
"رأس المال يذهب حيث توجد المزايا"
ويرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن طبيعة الاستثمار لا تتحدد فقط برغبة المستثمر، وإنما أيضًا بما تقدمه الدول من حوافز ومزايا للقطاعات المختلفة.
ويقول عبد المطلب إن الحكومة المصرية تقدم مزايا استثمارية أكبر لبعض القطاعات، وهو ما يدفع رؤوس الأموال إلى الاتجاه إليها، بينما تراجع الاهتمام النسبي بقطاعات إنتاجية مثل الغاز والبترول، باستثناء الشركات المتخصصة في هذه المجالات.
وبحسب تقديره، فإن رأس المال غير المتخصص يبحث عن المجالات التي توفر دورة أسرع للعائد، ولذلك قد يتجه إلى البورصة أو العقارات أو المشروعات السياحية بدلًا من الاستثمارات الصناعية التي تحتاج إلى فترات أطول لاسترداد رأس المال.
ومن هذه الزاوية، فإن تزايد الاستثمارات العقارية لا يمثل بالضرورة مشكلة في حد ذاته، وإنما تكمن القضية في تركيبة الاستثمار الأجنبي ككل ومدى قدرتها على دعم القطاعات التي تزيد الإنتاج والصادرات وتوفر فرص العمل المستدامة.
هل تبدأ منافسة قطرية إماراتية؟
ومع توسع الحضور القطري على البحر الأحمر والساحل الشمالي، مقابل الانتشار الإماراتي الواسع في عدد من المشروعات الساحلية، تبرز احتمالات المنافسة بين الطرفين على السوق العقارية والسياحية المصرية.
وتتصدر الاستثمارات الإماراتية مشروع رأس الحكمة على الساحل الشمالي الغربي، الذي ارتبط باستثمارات معلنة تبلغ 35 مليار دولار، إلى جانب مشروعات أخرى مثل «جيفيرا»، فضلًا عن توسع شركات إماراتية في مشروعات البحر الأحمر.
ويأتي ذلك بالتزامن مع دخول الاستثمارات القطرية إلى مناطق ساحلية جديدة، خصوصًا مشروع علم الروم في مطروح ومشروع الغردقة–سفاجا.
ويقول عبد المطلب إن المنافسة موجودة بالفعل بين الاستثمارات الإماراتية والقطرية وغيرها من المستثمرين الراغبين في الحصول على حصة أكبر من سوق العقارات والمنشآت السياحية المصرية، لكنه يرى أن طبيعة هذه المنافسة ستتحدد من خلال الممارسات الفعلية للشركات والمستثمرين.
وبذلك لا تقتصر المسألة على حجم الاستثمارات الخليجية، وإنما تمتد إلى السؤال حول من يملك الحصة الأكبر من السوق الساحلية المصرية، وكيف تتوزع الأراضي والعوائد والأدوار بين الدولة والمستثمرين الأجانب والمطورين المحليين.
"استثمار جيد" أم توسع في الاقتصاد الريعي؟
وتختلف التقييمات الاقتصادية بشأن جدوى هذا النوع من الاستثمارات.
فبينما ترى الحكومة أن بيع أو تخصيص الأراضي للمستثمرين الأجانب يوفر تدفقات دولارية ويساعد في تمويل احتياجات الدولة وخدمة التزاماتها الخارجية، يرى منتقدون أن الاعتماد المفرط على العقارات والسياحة يجعل الاقتصاد أكثر تعرضًا للصدمات.
ويعتبر عبد المطلب أن توجيه الاستثمارات بصورة واسعة إلى المنتجعات والمشروعات الساحلية لا يمثل، في حد ذاته، أفضل خيار للاقتصاد المصري، لأن الطلب على هذه المشروعات يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الفئات المستهدفة على الإنفاق وبالاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي.
ويستشهد الخبير الاقتصادي بما تعرض له القطاع السياحي المصري في أزمات سابقة، معتبرًا أن أي اضطراب محلي أو إقليمي واسع يمكن أن يؤثر سريعًا في العوائد المتوقعة من المشروعات السياحية.
قناة السويس نموذج للتحذير
وتكشف تجربة قناة السويس خلال السنوات الأخيرة عن جانب من المخاطر التي يمكن أن تواجه الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الأنشطة المرتبطة بالحركة الإقليمية والدولية.
فاضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، التي ارتبطت بهجمات جماعة الحوثي على السفن، أدت إلى تراجع كبير في حركة المرور عبر القناة، وانعكس ذلك على إيراداتها.
ويرى اقتصاديون أن هذه التجربة تقدم درسًا بشأن ضرورة تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد بصورة مفرطة على القطاعات التي يمكن أن تتأثر سريعًا بالأزمات الجيوسياسية.
وبالنسبة إلى الاستثمارات السياحية الساحلية، فإن المخاطر لا تتعلق فقط بإغلاق الممرات البحرية، وإنما تمتد إلى انخفاض أعداد السياح، واضطراب حركة الطيران، وتراجع الطلب العقاري، وارتفاع تكلفة التمويل في أوقات الأزمات.
ومن ثم، فإن الاقتصاد الذي يجمع بين الصناعة والزراعة والطاقة والخدمات القابلة للتصدير والسياحة يكون، وفق هذا المنظور، أكثر قدرة على امتصاص الصدمات من اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على العقار والأنشطة الريعية.
ماذا تخسر الصناعة؟
ولا يقتصر الجدل على حجم العوائد التي تحصل عليها مصر من بيع أو تخصيص الأراضي، وإنما يتعلق كذلك بتكلفة الفرصة البديلة.
فالأرض ورأس المال والتمويل موارد محدودة، وكلما اتجهت نسبة أكبر منها إلى العقارات والمشروعات السياحية، تثار تساؤلات بشأن حجم الموارد المتاحة للصناعة والزراعة والتكنولوجيا والقطاعات القابلة للتصدير.
ويحتاج قياس الخسارة الفعلية الناتجة عن هذا التوجه إلى دراسات اقتصادية قياسية تقارن بين العائد المتوقع من الاستثمارات العقارية وبين العائد الممكن تحقيقه من توجيه الموارد نفسها إلى القطاعات الإنتاجية.
لكن القاعدة الاقتصادية العامة، وفق ما يراه خبراء، أن زيادة الاعتماد على الأنشطة الريعية تجعل الاقتصاد أكثر تعرضًا لتقلبات الطلب والأسعار والأزمات السياسية والجيوسياسية.
وفي المقابل، فإن تطوير السياحة وزيادة الطاقة الاستيعابية للقطاع يمكن أن يكون ذا أثر اقتصادي إيجابي إذا ارتبط بزيادة أعداد السائحين والإيرادات السياحية وتوسيع قاعدة العمالة والصادرات الخدمية.
هل تتحول الشركات المصرية إلى مقاول من الباطن؟
وتبرز مشكلة أخرى مع توسع الشركات والصناديق الخليجية في المشروعات الكبرى، تتعلق بوضع شركات التطوير العقاري المصرية.
فالشركات المحلية تواجه، بحسب عبد المطلب، صعوبات في الحصول على التمويل اللازم لتنفيذ مشروعات ضخمة، في ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض ومزاحمة الحكومة للقطاع الخاص على السيولة المصرفية، إضافة إلى ارتفاع أعباء خدمة الدين.
ويخشى منتقدون من أن يؤدي ذلك إلى تحول بعض الشركات المصرية من مطورين مستقلين إلى مجرد مقاولين أو منفذين لمشروعات تمتلكها صناديق وشركات خليجية، وهو ما قد يحد من القيمة المضافة المحلية إذا لم تتضمن المشروعات نسبًا مرتفعة من المكونات المحلية ونقل الخبرات والتكنولوجيا.
لكن في المقابل، يرى آخرون أن دخول المستثمر الأجنبي يمكن أن يفتح فرصًا أمام الشركات المصرية للمشاركة في التنفيذ، ويوفر أعمالًا وفرصًا تمويلية في ظل صعوبة قيام القطاع الخاص المحلي وحده بتمويل مشروعات ضخمة.
مخاوف من فقدان السيطرة على الشواطئ
ومع اتساع نطاق المشروعات الساحلية، يتزايد الجدل الشعبي حول مصير الأراضي والشواطئ المصرية، وما إذا كان التوسع في تخصيص الأراضي لمستثمرين أجانب يمكن أن يؤدي إلى تضييق نطاق الوصول العام إلى بعض المناطق الساحلية.
ويرى عبد المطلب أن الحديث عن نفاد الشواطئ المصرية أو فقدانها بالكامل لا يزال سابقًا لأوانه، بالنظر إلى امتداد السواحل المصرية لمسافات طويلة وعدم استغلال جميع المناطق الساحلية حتى الآن.
لكن جوهر المخاوف، بالنسبة إلى منتقدي هذه السياسة، لا يتعلق فقط بمسألة "امتلاك الشاطئ" وإنما بشروط التخصيص وحقوق الانتفاع، ونسب الملكية، وآليات الرقابة، ومدى استفادة الاقتصاد المحلي من المشروعات، وقدرة الدولة على ضمان استمرار المصلحة العامة.
الرهان على الدولار.. وماذا بعده؟
في النهاية، تكشف صفقة "الديار القطرية" الجديدة في الغردقة عن اتجاه أوسع في الاقتصاد المصري، يتمثل في الاعتماد المتزايد على الاستثمارات الخليجية الضخمة في العقارات والسياحة لتوفير النقد الأجنبي وتمويل مشروعات كبرى.
وبالنسبة لحكومة الانقلاب ، توفر هذه الصفقات تدفقات دولارية وفرصًا لتنفيذ مشروعات سياحية وعمرانية ضخمة، فضلًا عن توفير أعمال لشركات المقاولات والخدمات المحلية.
لكن بالنسبة إلى المنتقدين، فإن المشكلة تبدأ عندما تتحول الاستثمارات العقارية والساحلية إلى بديل عن الاستثمار في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والطاقة الإنتاجية، أو عندما تصبح الأراضي المصرية موردًا رئيسيًا لسد الاحتياجات الدولارية قصيرة ومتوسطة الأجل.
وبينما تتنافس رؤوس الأموال الخليجية على مواقع استراتيجية في البحر المتوسط والبحر الأحمر، يبقى السؤال الاقتصادي الأوسع: هل تستطيع مصر تحويل هذه الاستثمارات من مجرد صفقات لتوفير الدولار إلى قاعدة لإنتاج مستدام وزيادة الصادرات ونقل التكنولوجيا وتوسيع قاعدة الاقتصاد، أم يظل العقار والسياحة هو المسار الأسهل لجذب رأس المال على حساب القطاعات الإنتاجية؟