أكثر من 13 عامًا قضاها ؤ، منذ اعتقاله في 14 أغسطس 2013، يوم فض اعتصام رابعة، بعدما أُلقي القبض عليه من داخل المستشفى الميداني الذي كان يعمل فيه طبيبًا لعلاج المصابين.
القصة رواها المعتقل السابق فوزي فرحات، الذي قال: "إنه التقى الجندي خلال فترة احتجازهما في أحد السجون، مؤكدًا أن معرفته به بدأت داخل الزنزانة، بعدما كانا يقضيان فترة من الاحتجاز في ظروف قاسية".
ويقول فرحات: "إن الجندي كان طبيبًا متخصصًا في الجراحة والتجميل، ويعمل في مستشفى المنصورة الدولي ومستشفى المحلة، مشيرًا إلى أنه كان من بين الأشخاص الذين ساعدوه عندما أصيب بجلطة أثرت على الجانب الأيمن من جسده عقب وفاة والده أثناء وجوده في السجن".
ويضيف أن الجندي أجرى له عمليتين لعلاج ظفر غائر، واصفًا إياه بأنه من أمهر الأطباء الذين تعامل معهم، ومتذكرًا فترة جمعتهما مع شابين آخرين داخل زنزانة واحدة، قائلًا: "إن الطبيب كان يتعامل معهم بأدب وأخلاق، رغم ما وصفه بشقاوة الشباب وتصرفاتهم داخل الزنزانة".
طبيب من المستشفى الميداني إلى سلسلة من سجون العسكر
بحسب شهادة فرحات، تنقل هاني الجندي خلال سنوات احتجازه بين عدد من السجون، من بينها أبو زعبل، واستقبال طرة، وتحقيق طرة، ودمنهور، ووادي النطرون 440 ووادي النطرون 430، إلى جانب أماكن احتجاز أخرى، وفقًا لتحركات القضية والترحيلات.
ويشير فرحات إلى أن هذا التنقل لم يكن عبئًا على الطبيب وحده، وإنما امتد أثره إلى أسرته وأطفاله، الذين اضطروا إلى التعامل مع سنوات طويلة من الغياب، وزيارات السجون والتنقل بينها، دون أن يعرفوا متى تنتهي هذه المعاناة.
وكان الجندي قد شارك في ثورة يناير 2011 بصفته طبيبًا يعالج المصابين، وذكر فرحات أن صحيفة "الجمهورية" نشرت آنذاك مادة أشادت بدوره في علاج المصابين.
لكن بعد عامين فقط، وجد الطبيب نفسه معتقلًا من داخل مستشفى ميداني خلال أحداث فض اعتصام رابعة.
ثلاثة أطفال كبروا بعيدًا عن أبيهم
لم تتوقف آثار الاعتقال عند الطبيب، بل امتدت إلى أبنائه الثلاثة الذين كبروا خلال سنوات غيابه.
يقول فرحات: "إن ابنة الجندي الكبرى كانت في الصف الرابع الابتدائي وقت اعتقال والدها، بينما أصبحت الآن في السنة الرابعة بكلية الطب، دون أن يكون والدها حاضرًا إلى جوارها طوال سنوات دراستها".
أما ابنه الأوسط، فكان في مرحلة رياض الأطفال "KG2" عند اعتقال والده، وأصبح الآن في السنة الأولى بكلية طب الأسنان، بينما كان أصغر أبنائه رضيعًا يبلغ من العمر خمسة أشهر فقط، وأصبح اليوم في الصف الثالث الإعدادي.
وبذلك، مرت مراحل الطفولة والتعليم الأساسية لأبناء الطبيب في غياب الأب، بينما تحولت سنوات كان يفترض أن تجمع الأسرة إلى سنوات من الزيارات خلف القضبان وانتظار الأخبار.
فقد والده ووالدته وحماه خلف القضبان
ويحمل غياب الطبيب عن أسرته جانبًا أكثر قسوة، بحسب شهادة فرحات، الذي قال إن هاني الجندي فقد والده ووالدته وحماه أثناء وجوده في السجن، ولم يتمكن من رؤيتهم أو توديعهم.
فقدان ثلاثة من أقرب الأشخاص إليه دون فرصة لإلقاء نظرة الوداع، وفق الرواية، يمثل جانبًا آخر من الكلفة الإنسانية التي تحملها الطبيب خلال سنوات احتجازه.
ويطرح فرحات سؤالًا حول جدوى استمرار احتجاز طبيب أمضى أكثر من 13 عامًا خلف القضبان، مشيرًا إلى أن الجندي كان طبيبًا متخصصًا كان يمكن أن يواصل عمله وعلاج مرضاه بدلًا من قضاء سنوات طويلة بعيدًا عن مهنته وأسرته.
ويقول: "إن الجندي اعتُقل داخل مستشفى ميداني كان يؤدي فيه عمله الطبي، معتبرًا أن وجوده في ذلك المكان كان مرتبطًا بمهمته كطبيب في علاج المصابين".
سنوات السجن في مواجهة حياة كاملة ضاعت
لا تتعلق قصة هاني الجندي، وفق شهادة فرحات، بعدد سنوات السجن فقط، وإنما بما فُقد خلالها من تفاصيل الحياة اليومية.
فالأب الذي اعتُقل وأطفاله في مراحل الطفولة الأولى، وجد أبناءه يكبرون ويدخلون مراحل تعليمية جديدة بينما ظل هو خلف الأسوار، والزوج الذي فقد والديه وحماه، لم يتمكن من حضور جنازاتهم أو توديعهم، أما الطبيب، فقد ابتعد عن مهنته ومرضاه طوال هذه السنوات.
ويختتم فرحات شهادته بالدعوة إلى إنهاء ما يصفه بالظلم الواقع على المعتقلين، قائلًا: "إن الخلاف في الرأي أو الموقف السياسي لا ينبغي أن يحرم الأبناء من آبائهم، ولا المجتمع من أطباء وأصحاب مهن يمكنهم خدمة الناس، وإن سنوات طويلة من عمر الطبيب وأطفاله مضت خلف القضبان، داعيًا إلى فتح باب الإفراج أمام هاني الجندي وغيره ممن يصفهم بالمظلومين والمحتجزين دون مبرر".
وتبقى قصة الطبيب، كما رواها المعتقل السابق، شهادة على الوجه الإنساني لسنوات السجن الطويلة؛ سنوات لم تتوقف آثارها عند جدران الزنزانة، وإنما امتدت إلى أسر كاملة، وأطفال كبروا بعيدًا عن آبائهم، وأحزان لم تتح لهم حتى فرصة الوداع.