الخطاب الديني تجديد أم تطبيع وتطويع؟!

- ‎فيمقالات

جلال أكبر نموذجا [1]

بقلم: الشيخ محمد المصري
الأمين العام لرابطة علماء ودعاة الإسكندرية

أطرح سؤالا في بداية هذه المقالة، ونفكر سويا في إجابته

س: أيهما أشهر بين المسلمين بشكل عام صلاح الدين الأيوبي أم يوسف بن تاشفين؟!!

ستكون الإجابة في صالح صلاح الدين الأيوبي؛ فهو قاهر الصليبين، الذي انتصر في معركة حطين، وحرر بيت المقدس، والمسجد الأقصى بعد احتلال دام تسعين عاما، أو يزيد.

هذا صحيح، أيضا يوسف بن تاشفين، هو أمير المؤمنين، قائد المرابطين، منقذ الأندلس، ومحررها من هجمة صليبية؛ كادت أن تطيح بها، وسلطان الإسلام فيها؛ فجدد الدين فيها بعدما دحر جيشا؛ قوامه ثلاثمائة آلاف مقاتل؛ قدم بهم مهاجما الأندلس صليبي، متعصب: ألفونسو السادس؛ تتقدمه الصلبان قائلا: “أحارب بهذا الجيش الجن، والإنس، وملائكة السماء”.

ليس له رغبة إلا طرد الإسلام كدين، والمسلمين كأمة من الأندلس؛ فواجهه مجابها، ومدافعا عن بيضة الإسلام، وحرمة أمته يوسف بن تاشفين على رأس عشرات آلاف من المجاهدين، ومتطوعة المغرب، والأندلس في ملحمة جهادية رائعة؛ سنة أربعمائة وتسع وسبعين بمعركة الزلاقة، وهي معركة لا تقل أهمية ولا روعة في تاريخنا عن حطين؛ حيث أخرت سقوط الأندلس عدة قرون.

فلنطرح سؤالا آخر:

س: من أكثر شهرة عمر المختار أم عبد الكريم الخطابي؟!

إنك إذا أجبت؛ ستقول عمر المختار؛ فهو الشيخ المربي، المجدد، المجاهد الذي دوخ الطليان، المستخربين في صحراء ليبيا، وجبالها حتى ختمت مسيرته الجهادية بشهادته.

وهل الشيخ المجاهد محمد عبد الكريم الخطابي قاضي قضاة مليلية، والفقيه المالكي الذي أذاق قوى الاستخراب الإسباني ويلات الجهاد الإسلامي، والمقاومة المؤسسة على عقيدة دينية صحيحة بقوة؛ عددها ثلاثة آلاف؛ عدتهم البنادق البدائية؛ فيواجهون جيش إسبانيا يقوده صليبي مستخرب موتور القائد سلفستسري على رأس ستين ألف مقاتل؛ فيكون شرفه الحربي تحت قدمي الشيخ المجاهد عبد الكريم الخطابي؛ إذ يبلغ عدد الأسرى والجرحى بعد هزيمته في حرب عصابات عشرات الآلاف؛ فيقصفون مواقعه بالطائرات، وينفى عشرون سنة في جزيرة بمجاهل المحيط الهندي؛ حتى ينزله الأحرار المصريون من فوق ظهر السفينة المارة به من قناة السويس؛ ليعيش بقية حياته بالشام معلما المجاهدين، وقادة التحرر الوطني في العالم من فيتنام شرقا إلى أمريكا الجنوبية غربا حرب العصابات.

ما السر وراء شهرة هذا وغمرة ذاك؟!

إنها الدراما، الأفلام، والمسلسلات، الأعمال الفنية، التي تقوم على الصورة، ومؤثراتها، والحوار قوته، والخداع البصري بما في العمل من ديكور فخم، وحركات حماسية، أو عاطفية؛ تغرس العقائد في خلسة، وتصوغ الخلق في هدوء، وتزرع المبدأ علي مهل دون ضوضاء أو ضجيج، فإن فيلما واحدا ينسف ما كتب حول موضوعه من عشرات، بل مئات الكتب، مسلسل واحد كفيل ببناء عقائد، ومبادئ، وأخلاق، ولا يهم بالضرورة تقييمها الآن صالحة أو فاسدة.

فتح المسلمون الهند بواكير التاريخ الإسلامي، وصال بين ربوعه وجال رجالات وقادة وعلماء أمثال محمد بن القاسم الثقفي، وقتيبة بن مسلم الباهلي، والشيخ أحمد السرهندي، فمن من هؤلاء يعرف المسلمون في عمومهم اليوم، خاصة نساءنا وشبابنا كما يعرفون جلال الدين أكبر إمبراطور مملكة المغول بالهند؟!

تلك الشخصية التي روجت لها الأعمال الفنية عن عمد وقصد، فتقدمه باعتباره فارس أحلام كل فتاة؛ يقهر الصعاب كي يظفر بمحبوبته محطما كل العقبات حتى وإن كانت العقيدة والدين تعرضه للسذج نموذجا للتعايش السلمي والانفتاح الحضاري والتسامح الديني، هكذا يصفه عمرو خالد في إحدى حلقات برنامجه “بسمة أمل” على اليوتيوب في غش وتدليس للشباب والناشئة من جمهوره، فيقول عنه إنه ما قام بأعماله الحضارية إلا حبا في النبي صلي الله عليه وسلم، وإن كان يدري فتلك مصيبة، وإن كان لا يدري فالمؤامرة أعظم.

تبدأ قصة هذا الرجل معنا بفيلم سينمائي، تكلف إنتاجه ما يقرب من عشرة ملايين دولار أمريكي، وقد حشد له أفضل وأشهر الممثلين الهنود، فقد قام بالبطولة هريتيك روشان وآيشو رياراي، ويروي بعض الأحداث أميتاب باتشان، بلغت عدد مرات مشاهدته على إحدى قنوات اليوتيوب أربعة ملايين مشاهدة، كماعرض في دور السينما بمختلف أنحاء العالم محققا إيرادات ثمانية عشر مليون دولار، شارك به صناعة في العديد من المهرجانات السينمائية الدولية، وحصد العديد من الجوائز العالمية أفضل ممثل وأفضل مخرج وأفضل إنتاج، استخدم في الفيلم مائة حصان وثمانين فيلا وخمسة وخمسين جملا وكميات ضخمة من الذهب والمجوهرات، إذ وزن غمد السيف الذي يحمله بطل الفيلم اثنين كيلوجرام.

كل هذه الفخامة وهذا الاهتمام لشخصية اشتهرت بين شبابنا ونسائنا زورا وبهتانا، ينتج عن نفس الشخصية مسلسل من من خمسمائمة وست وستين حلقة، مدة الحلقة خمسون دقيقة؛ فتبدلج بالفصحى وتذاع على قنوات عربية.. لماذا؟!!!

هل هناك علاقة بين هذه الشخصية وبين شخصية المفكر الإسلامي الذي يغازل دولة الكيان المحتل لفلسطين، وتغازله علنا على صفحات “فيس بوك”؟!!!!! فتشكره سفارتها على تصريحاته التي ينفي فيها وجود الأقصى وبيت المقدس بفلسطين.. فيرد قائلا على صفحته “رسالتي وصلت”.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها