قراءة في مئوية سايكس بيكو

- ‎فيمقالات

 

بقلم: أحمد عبد الحافظ محمد
باحث ماجستير في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية

 

مائة عام مضت على أخطر مؤامرة صهيوصليبية على الإسلام والمسلمين، ففي 14 من رجب 1334هـ/17 مايو عام 1916م جلس البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا بيكو بمباركة روسيا القيصرية؛ لتقسيم تركة الخلافة العثمانية، بمساعدة بعض خونة العرب وعلى رأسهم الخائن الشريف حسين أمير الحجاز وبعض أجزاء من الشام.

 

وأسفرت هذه المفاوضات عن اتفاقية ثلاثية سميت باتفاقية "سايكس بيكو"، لتحديد مناطق نفوذ كل دولة، وتم تقسيم منطقة الهلال الخصيب بموجب الاتفاق، وحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال (سوريا ولبنان) ومنطقة الموصل في العراق. أما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعة بالاتجاه شرقًا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا. كما تقرر أن تقع فلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا. ولكن الاتفاق نص على منح بريطانيا مينائي حيفا وعكا على أن يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا، ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل استخدام ميناء الاسكندرونة الذي كان سيقع في حوزتها.

 

وبموجب ذلك أصبحت فلسطين والأردن والعراق من نصيب إنجلترا، وسوريا الكبرى وجزء كبير من جنوب الأناضول من نصيب فرنسا، على أن تكون القسطنطينية مع أراضي واسعة على جانبي البوسفور وشرق الأناضول من نصيب روسيا.

 

جرى الاتفاق بمدينة بطرسبرج الروسية وصادق على الاتفاق وزير الخارجية الروسي سازونوف، والجدير بالذكر أن هذه المعاهدة ظلّت سرًا لا يدري به العرب حتى تم فضح المخطط عقب انقلاب الشيوعيين في روسيا في نوفمبر 1917م، حيث انسحبت روسيا من الاتفاق.

 

وعلى الرغم من الحرج الشديد الذي وقعت فيه فرنسا وبريطانيا عقب فضح المخطط الذي سماه الزعيم الشيوعي  نيلين بــ "اتفاقية اللصوص الاستعماريين"، إلا أنهما عملا على قدم وساق في تنفيذ مخططهما في مقابل إطلاق يد المطرقة الشيوعية تعبث في بلاد المسلمين قتلا وحرقا وتدميرا.

 

ولقد كان لهذه الاتفاقية  انعكاساتها السلبية على العالم الإسلامي دينيا وسياسيا وعسكريا واجتماعيا واقتصاديا وفكريا، ولعل أخطر إفرازات سايكس بيكو فيما أرى:

إلغاء الخلافة العثمانية الإسلامية

  وعد بلفور، والذي بموجبه يتم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

إثارة النعرات القومية بين بلدان العالم العربي والإسلامي ونسيان اللحمة الإسلامية.

اعتماد سياسة الاحتلال بالإنابة أو بالوكالة أو ما سمي بالانتداب، من خلال زرع عملاء وخونة من بني جلدتنا من العرب والمسلمين.

ينفذون ما تعجز عنه جيوش المحتل الأجنبي، فقمعت الحريات وتخلفت المجتمعات وتراجع التقدم المادي والعلمي وبقيت الأمة إلى الآن في حالة من الضعف والخور.

إذكاء نار الصراع في دول العرب والمسلمين على أسس طائفية ومذهبية وعرقية؛ ليبقى المسلمون مغلوبين على أمرهم محتاجين ليد المحتل الأجنبي دوما.

تغيير عقائد المسلمين من خلال الغزو الفكري وتغييب فريضة الجهاد الإسلامي وترويج الفصل بين الدين والسياسة ومناحي الحياة.

فنتج عن ذلك شعوب مستكينة ذليلة خانعة، تؤثر الحياة على الموت، متناحرة فيما بينها، جاهلة تؤثر الراحة والبلادة.

هدم الوعي الجمعي لدى عموم المسلمين من خلال الحملات الإعلامية المزيفة المزورة، سواء ما كان منها في كتب التاريخ أو المناهج الدراسية، ولعل أوضح صوره الآن مؤيدو السيسي وبشار وكارهو الحركات الإسلامية على الجملة.

 

إلا أن الله تعالى غالب، ودينه منصور ولو كره الكافرون، ولا يزال الله يغرس لهذا الدين غرسا يستعمله بطاعته إلى يوم الدين، فما هي إلا سنوات قليلة على إلغاء الخلافة وإعلان دولة الكيان الصهيوني حتى تفتحت ازهار المصلحين للأمة من جديد وبرز على رأسهم الإخوان المسلمون، الذين قدموا الشهداء في حرب 48 وحرب القناة وإذكاء روح الجهاد ضد المحتل على اختلاف مذاهبه في فلسطين البوسنة والهرسك وكوسوفا وكشمير وأفغانستان والعراق وغيرها.

 

وبرز من بين السنوات العجاف تلك أعلام ومفكرون حملوا على عاتقهم تبصرة المسلمين بمؤامرات الصهاينة والصليبيين، وقادوهم في ميادين الجهاد المختلفة، وعلى رأسهم محمد رشيد رضا وحسن البنا ومحمد جلال كشك ومحمد فريد وجدي وأنور الجندي ومالك بن نبي وسيد قطب ومصطفى السباعي وسعيد حوى ومحمد قطب وعبد الحميد بن باديس ومحمد متولي الشعراوي ورفاعي سرور وغيرهم الكثير.

 

ثم ما لبثت الأمة أن خلعت ثوب الذلة والخنوع في ثوراتها المتتالية فيما يعرف بالربيع العربي، وهي والله نعمة ولو كره المثبطون والخانعون.

 

وقد ظن الصهاينة والأمريكان أن قضوا عليه بالانقلاب العسكري في مصر بقيادة العسكري الخائن عبد الفتاح السيسي، وقد خاب ظنهم وحبط كيدهم، فقد نتج عن هذا الانقلاب أن فُضحت الأبواق الكاذبة (من الداخل والخارج) الداعمة لما يسمونه بالحريات، وبان للجميع مقدار ما تعجُّ فيه الجيوش العريبة من خيانة وعمالة وحرب على كل ما يمس الإسلام أو أي حركة تحيي التوجه الإسلامي في البلدان العربية، هذا إضافة إلى إحياء روح الجهاد بأشكاله المختلفة من جديد، نتج عن ذلك شباب طامح للحرية والكرامة محب لدينه وأمته ووطنه.

 

إن سايكس بيكو في مئويتها يجب أن تحيي في نفوس الأمة حقيقة المعركة القائمة، وأنها صراع حضارات قائم بين غرب استعماري وشرق إسلامي، إن هذه الحقيقة يجب أن تعود للوعي الجمعي للأمة كلها، وإن اختلفت سبل المواجهة الاستعمارية أو خطط التقسيم أو تغيرت أسماء المستعمرين، فبالأمس كانت بريطانيا وفرنسا، واليوم أمريكا وروسيا، فضلا عن المشروع الصفوي الذي تتزعمه إيران وتدعمه بقوة وتثير نعراته الطائفية في العراق وسوريا ودول الخليج العربي.

 

إن سايكس بيكو في مئويتها حاضرة وبقوة في بلدان العالم العربي والإسلامي، فها هي دعوات تفتيت السودان بعد تقسيمه، وتقسيم العراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن.

 

إن سايكس بيكو في مئويتها لتفرض على الحركات الإسلامية العاملة على الساحة وفي مقدمتها الإخوان المسلمين أن تعيد النظر في حساباتها وخططها مرة أخرى، في سبيل مواجهة المؤامرة الصهيوصليبية على العالم الإسلامي، وأن تعي الدرس جيدا، فلسنا اليوم كالأمس، هناك جذوة مشتعلة داخل صدور الآلاف من الشباب المسلم الواعي المجاهد يجب أن تستثمر جيدا وإلا انفرط العقد، فما ربحت الأمة في معركتها، وما ربح الشباب بقوته ووعيه!.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها