حادث أبنوب يكرر حوادث القتل الجماعي من سيارة السفارة الأمريكية وصولا لرابعة وسيناء.. لماذا صفّت الداخلية الجاني؟

- ‎فيتقارير

شهدت مدينة أبنوب بمحافظة أسيوط حادث إطلاق نار عشوائي قام به شخص يُدعى عاطف (48 عاماً)، حيث أطلق وابلاً من الرصاص على المارة في عدة شوارع، خصوصاً شارع السنترال ومحيط الموقف.

أسفر الهجوم عن سقوط الضحايا المذكورين، قبل أن تتمكن قوات الأمن من ملاحقة الجاني وتصفيته خلال تبادل لإطلاق النار.

وقالت دوائر: إن "الجاني ليس مضطربا نفسيا وغير مصاب ب"انفصام شخصية" كما يروج إعلام المتحدة بل الجاني؛ أمين مساعد حزب الشعب الجمهوري لمركز أبنوب وعضو بلجنة مصالحات أبنوب ومن عائلة مرموقة في بني محمد بأبنوب أسيوط.

https://x.com/sadamisr25/status/2056765577071399422

وفي رأي محللين، تبدو حوادث العنف الجماعي في مصر، سواء تلك التي يرتكبها أفراد أو التي تقع في سياق سياسي وأمني، وكأنها حلقات في سلسلة واحدة تتكرر عبر الزمن، تحمل الملامح ذاتها وإن اختلفت التفاصيل. فحادث أبنوب في أسيوط قبل ساعات من 18 مايو 2026، حين أطلق مسلح النار على المارة بلا تمييز فسقط ثمانية قتلى وعدد من المصابين، أعاد إلى الذاكرة المصرية مشاهد قديمة من القتل الغادر الذي لا يفرّق بين ضحية وأخرى، ولا يقوم على صراع مباشر أو مواجهة متكافئة، بل على مباغتة المدنيين في لحظة عجز تام.

وهذا النمط من العنف لم يعد جديداً على المجال العام؛ فقد شهدت البلاد في 28 يناير 2011 واحدة من أكثر الوقائع صدمة، حين دهست سيارة تابعة للسفارة الأمريكية 14 مصرياً في شارع القصر العيني أثناء أحداث “جمعة الغضب”.

ورغم اختلاف السياق السياسي بين الحادثين، فإن الرابط بينهما يكمن في طبيعة الموت نفسه: موت يأتي فجأة، بلا مقدمات، وبلا قدرة للضحايا على الدفاع عن أنفسهم، وبلا مساءلة واضحة أو رواية رسمية شفافة.

في الحادثين، كان العنصر المشترك هو أن الضحايا لم يكونوا طرفاً في صراع مباشر، ولم يكونوا مستهدفين لذواتهم، بل وجدوا أنفسهم في مواجهة قوة مميتة لا يمكن التنبؤ بها ولا الهروب منها.

وفي الحالتين، لعب الغموض الرسمي دوراً مركزياً؛ ففي حادث السفارة الأمريكية لم تُعلن الدولة حتى اليوم رواية مكتملة أو نتائج تحقيقات واضحة، بينما في حادث أبنوب جاءت البيانات الأولية مقتضبة، وقتل الجاني (عاطف 48 عاما) تاركة مساحة واسعة للتساؤلات حول الدوافع والملابسات.

حادث دموي

وشهدت مدينة أبنوب بمحافظة أسيوط واحدة من أكثر الحوادث دموية في صعيد مصر خلال السنوات الأخيرة، بعدما أقدم أحد الأشخاص على إطلاق نار عشوائي في شوارع المدينة، خصوصاً في محيط شارع السنترال والموقف. وقد تسبّب هذا الهجوم في حالة من الذعر بين الأهالي، بعدما بدأ الجاني في استهداف المارة دون تمييز، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا خلال دقائق قليلة.

وبحسب آخر التحديثات الصادرة عن مواقع محلية، استقر عدد القتلى عند ثمانية أشخاص، وهو الرقم الذي اتفقت عليه معظم وسائل الإعلام المحلية. أما عدد المصابين فقد تراوح بين 5 و9 مصابين، وذلك بسبب اختلاف البيانات الواردة من المستشفيات في الساعات الأولى بعد الحادث.

وأعلن داخلية السيسي تمكنها من ملاحقة الجاني بعد فترة قصيرة من بدء الهجوم، وانتهت العملية بتصفيته خلال تبادل لإطلاق النار، حيث أشارت التقارير إلى أن الجاني كان في حالة غير مستقرة نفسياً؟!، لكن لم تصدر حتى الآن تفاصيل رسمية كاملة حول دوافعه أو حالته الصحية. ومع ذلك، فإن الحادث أعاد إلى الواجهة النقاش حول انتشار السلاح غير المرخص في بعض المناطق الريفية، وحول غياب الرقابة الكافية التي قد تمنع وقوع مثل هذه المآسي.

التصفيات خارج نطاق القانون

شهدت مصر منذ عام 2013 تصاعداً ملحوظاً في عمليات التصفية الجسدية التي تنفذها وزارة الداخلية ضد معارضين سياسيين أو مطلوبين جنائياً، وغالباً ما تُعلن الوزارة أن القتلى “قُتلوا في تبادل لإطلاق النار”، بينما تشير شهادات الأهالي والمنظمات الحقوقية إلى أن معظم هذه الوقائع كانت عمليات قتل ميداني متعمد، مع إخفاء أسماء الضحايا أو الإعلان عنهم بصيغة "عناصر إرهابية مجهولة".

في 13 سبتمبر 2025، وثّقت منظمات حقوقية مقتل المواطن عادل عون الله فرج سعيد في قرية بني شعران بأسيوط، بعد اقتحام منزله فجراً وإطلاق النار عليه من مسافة قريبة. ورغم أن الداخلية أعلنت أنه “قاوم السلطات”، فإن الشهادات أكدت أن الواقعة كانت تصفية مباشرة، وأن الشرطة حرّرت محضراً صورياً لإثبات “اشتباك” لم يحدث. كما جرى التحفظ على ابنه واتهامه زوراً بمقاومة السلطات للضغط على الأسرة.

وقبل هذا الحادث بأسابيع، وتحديداً في 23 أغسطس 2025، قُتل المواطن محمد عادل عبد العزيز في القوصية بأسيوط، ورغم إعلان الداخلية أنه “مجرم خطير قُتل في تبادل لإطلاق النار”، فإن شهادات الشهود وأفراد أسرته أكدت أن أربعة ضباط كانوا في انتظاره في طريقه المعتاد للعمل، وأنهم أطلقوا النار عليه مباشرة دون محاولة القبض عليه. كما اعترضت الأسرة على دفن الجثمان دون إخطار النيابة، وهو ما اعتبرته المنظمات الحقوقية محاولة لإخفاء الأدلة.

وفي 9 أبريل 2025، شهدت مدينة النجيلة في مرسى مطروح واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل، حيث لاحقت الشرطة مطلوباً للعدالة، وأسفرت العملية عن مقتل ثلاثة من أفراد الشرطة. وفي مساء اليوم نفسه، اعتقلت قوات الأمن 23 سيدة من أقارب المطلوبين، في خطوة وصفتها المنظمات الحقوقية بأنها احتجاز رهائن لإجبار المطلوبين على تسليم أنفسهم. وبعد يوم واحد، سلّم الأهالي شابين من أقارب المطلوبين، هما يوسف سرحاني وفرج الفرازي، مقابل الإفراج عن النساء، لكن الداخلية أعلنت في 11 أبريل 2025 مقتلهما بزعم "تبادل إطلاق النار"، رغم أن الشهادات أكدت أنهما كانا مجردين من السلاح وتمت تصفيتهما وهما في حوزة الداخلية بعد تسليمهما رسميا.

وتشير المنظمات الحقوقية إلى أن هذه الوقائع ليست حوادث فردية، بل جزء من نمط ممنهج بدأ منذ 2013، حيث مُنحت الأجهزة الأمنية “ضوءاً أخضر” لتنفيذ عمليات قتل خارج القانون، مع تعتيم إعلامي وغياب كامل للمحاسبة. وتؤكد لجنة العدالة أن هذه السياسة امتدت إلى عمليات مثل “سيرلي” عام 2021، التي استُخدمت كغطاء لتصفية خصوم سياسيين أو أفراد من قبائل معينة تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.

مقتل 40 مصريا في ديسمبر 2018

واقعة حدثت في 29 ديسمبر 2018 عندما أعلنت وزارة الداخلية بحكومة السيسي مقتل أربعين شخصاً في ثلاث مداهمات متزامنة بمحافظتي الجيزة وشمال سيناء، هذا الإعلان جاء بعد يوم واحد فقط من تفجير حافلة المريوطية الذي أسفر عن مقتل ثلاثة سياح فيتناميين ومرشد سياحي مصري. وقد ربطت الداخلية بين المداهمات وبين “مخططات إرهابية” قالت إن القتلى كانوا يخططون لتنفيذها، لكنها لم تقدّم أدلة واضحة أو أسماء الضحايا، وهو ما أثار موجة واسعة من الانتقادات.

ولم تُظهر داخلية السيسي أية أدلة على وقوع اشتباكات حقيقية، كما أن توقيت العملية بعد التفجير بيوم واحد فقط أثار شكوكاً حول كونها عملية انتقامية سريعة أكثر من كونها نتيجة تحقيقات موسعة، بعض التقارير الإعلامية أشارت أيضاً إلى أن البيان لم يصدر من الداخلية مباشرة، بل من جهة سيادية أخرى، مما زاد من حالة الغموض.

القتل الجماعي في سيناء

وعلى مدى ما يقرب من عشر سنوات، بين عامي 2013 و2022، شهدت شبه جزيرة سيناء واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخها الحديث، حيث وثّقت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان سلسلة طويلة من عمليات القتل خارج نطاق القانون التي طالت مدنيين وسكاناً محليين، إضافة إلى معتقلين تم احتجازهم ثم تصفيتهم لاحقاً. وقد أكدت المؤسسة أن هذه الانتهاكات لم تكن حوادث فردية، بل جزءاً من ممارسات منهجية ارتبطت بالحرب بين قوات الجيش وتنظيم “ولاية سيناء” بحسب المعلن في شبه جزيرة سيناء التي كانت وما زالت خارج التغطية.

 

وتشير التقارير إلى أن قوات الجيش والشرطة نفّذت عمليات قتل ميداني بحق محتجزين، بينهم أطفال، ثم أعلنت لاحقاً أنهم قُتلوا في “اشتباكات مسلحة”، رغم أن الأدلة الميدانية وشهادات الشهود وصور الأقمار الصناعية أظهرت عكس ذلك. وقد وثّقت مؤسسة سيناء حالات عديدة جرى فيها إخفاء أشخاص قسرياً ثم العثور عليهم لاحقاً ضمن قتلى “اشتباكات” لم تحدث في الواقع، وفق تحليل الأدلة البصرية والميدانية.

وفي سبتمبر 2025، كشفت مؤسسة سيناء بالتعاون مع منظمة Forensic Architecture عن مقبرة جماعية في شمال سيناء تضم رفات 300 شخص على الأقل، قالت المؤسسة إنهم قُتلوا خارج نطاق القانون ودُفنوا سراً بإشراف قوات الجيش. وقد مثّل هذا الكشف أكبر دليل موثق على حجم القتل العشوائي الذي جرى في المنطقة، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية تغييرات في الموقع تمتد بين 2005 و2023، مع دلائل على نشاط عسكري وعمليات دفن متكررة.

كما وثّقت المؤسسة شهادات من عناصر في “الميليشيات القبلية” الموالية للجيش، تحدثوا عن نقل معتقلين إلى مواقع معزولة حيث جرى إعدامهم ميدانياً قبل دفنهم في المقابر الجماعية. وقد أكدت هذه الشهادات أن بعض الضحايا كانوا محتجزين لسنوات قبل تصفيتهم، ما يعكس نمطاً من الاحتجاز التعسفي يعقبه قتل خارج القانون.

وتشير تقارير المؤسسة إلى أن هذه الانتهاكات ترافقت مع تهجير قسري واسع النطاق، حيث جرى اقتلاع أكثر من 150 ألف سيناوي من منازلهم خلال حملات “مكافحة الإرهاب”، إضافة إلى آلاف حالات الاعتقال والاختفاء القسري، وقد خلصت المؤسسة إلى أن ما جرى في سيناء خلال هذه السنوات يرقى إلى جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية، في ظل غياب كامل للمحاسبة أو التحقيقات الرسمية.
 

مجزرة رابعة بالأرقام والبيانات

وما أشبه هذه المجازر بمجزرتي رابعة والنهضة بالقسوة في القتل العشوائي، حيث وقعت مجزرة رابعة العدوية في 14 أغسطس 2013 أثناء فض اعتصام معارضي الانقلاب العسكري في مصر، وتُعدّ واحدة من أكبر عمليات القتل الجماعي في يوم واحد في تاريخ مصر الحديث.

ووفق تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، الذي يُعدّ أكثر المصادر تفصيلاً، قُتل ما لا يقل عن 817 شخصاً، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد تجاوز 1000 قتيل. لم تُعلن "الدولة" رقماً رسمياً شاملاً، واكتفت ببيانات متفرقة تحدثت عن أعداد أقل بكثير، وهو ما خلق فجوة كبيرة بين الرواية الرسمية والتقارير الحقوقية المستقلة.

لم تقتصر الخسائر على القتلى فقط، بل شملت أيضاً آلاف الجرحى الذين لم يُحصَ عددهم بدقة بسبب الفوضى التي صاحبت عملية الفض، إضافة إلى اعتقال المئات في ذلك اليوم وما تلاه، كما أُحرقت خيام وممتلكات المعتصمين، وتضررت مبانٍ محيطة بالميدان، بما في ذلك مسجد رابعة نفسه الذي تحوّل لاحقاً إلى رمز للمجزرة، وقد وثّقت منظمات حقوقية استخدام قوات الأمن لأسلحة نارية بكثافة، بما في ذلك القناصة، في مواجهة اعتصام كان يضم مدنيين بينهم نساء وأطفال.

ورغم مرور سنوات على الحادثة، لم تُجرَ أي تحقيقات مستقلة أو محاسبة رسمية للجهات المسؤولة، والتي باتت اليوم في الحكم رأس الانقلاب السيسي وزبانيته مساعدوه، وهو ما دفع منظمات دولية إلى وصف ما حدث بأنه أكبر عملية قتل جماعي في تاريخ مصر الحديث، وأنه قد يرقى إلى “جريمة ضد الإنسانية” وفق المعايير الدولية، هذا الغياب للمحاسبة جعل رابعة حدثاً مركزياً في الذاكرة السياسية المصرية، ومصدراً دائماً للمقارنات مع أحداث مشابهة في العالم.

القتل الجماعي في ميادين مصر

لم تكن مجزرة رابعة حدثاً معزولاً، بل جاءت ضمن سلسلة من المواجهات الدامية التي شهدتها مصر في صيف 2013، حيث استخدمت قوات الأمن القوة المفرطة في عدة مواقع، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في أحداث متفرقة. في ميدان النهضة، الذي فُضّ اعتصامه في اليوم نفسه الذي فُضّ فيه اعتصام رابعة، قُتل وفق تقديرات هيومن رايتس ووتش ما بين 87 إلى 120 شخصاً، بينما تحدثت مصادر أخرى عن أعداد أكبر. وقد تكرر المشهد نفسه من إطلاق النار الكثيف، وحرق الخيام، وغياب المسارات الآمنة لخروج المعتصمين.

 

أما في ميدان رمسيس، فقد شهدت المنطقة واحدة من أكثر المواجهات دموية بعد فض الاعتصامين، وتحديداً في أحداث 16 أغسطس 2013 التي عُرفت إعلامياً بـ“جمعة الغضب الثانية”. في ذلك اليوم، قُتل ما لا يقل عن 120 شخصاً وفق تقديرات حقوقية، بينما أشارت مصادر أخرى إلى أن العدد قد تجاوز 150 قتيلاً. وقد وثّقت منظمات حقوقية استخدام الذخيرة الحية بكثافة، ووجود قناصة فوق مبانٍ حكومية، إضافة إلى اعتقالات واسعة طالت مئات المتظاهرين.

 

وفي أحداث الحرس الجمهوري التي وقعت في 8 يوليو 2013 أمام نادي الحرس الجمهوري، قُتل وفق الأرقام التي وثّقتها منظمات مستقلة 51 شخصاً على الأقل، بينما أصيب أكثر من 400. وقد اتهمت أسر الضحايا ومنظمات حقوقية قوات الجيش بإطلاق النار على متظاهرين كانوا يعتصمون للمطالبة بعودة الرئيس د.محمد مرسي، الرواية الرسمية قالت إن “مسلحين” حاولوا اقتحام المبنى، لكن المنظمات الحقوقية أكدت أن معظم القتلى أصيبوا في الرأس والصدر، ما يشير إلى إطلاق نار مباشر.

 

أما أحداث النصب التذكاري في 27 يوليو 2013، فقد كانت من أكثر الأحداث دموية قبل رابعة، حيث قُتل وفق تقديرات هيومن رايتس ووتش ما لا يقل عن 95 شخصاً، بينما تحدثت مصادر أخرى عن أكثر من 120 قتيلاً. وقد وثّقت مقاطع الفيديو وشهادات الناجين إطلاق نار كثيفاً على المتظاهرين في محيط المنصة بمدينة نصر، دون وجود تهديد مسلح واضح يبرر هذا المستوى من القوة.

هذه الأحداث مجتمعة تُظهر نمطاً واحداً: استخدام القوة المميتة ضد تجمعات مدنية، وغياب التحقيقات المستقلة، وغياب المحاسبة. وهي الخلفية التي تجعل كثيرين يرون تشابهاً بين ما حدث في مصر عام 2013 وبين ما يحدث في مناطق أخرى من العالم عندما تُستخدم القوة العسكرية ضد المدنيين كما في رابعة.