في زيارته للمجر، عمل الدكتاتور عبدالفتاح السيسي على ابتزاز الغرب بملف الهجرة غير الشرعية متباهيا بالدور الذي يقوم به نظامه وأجهزته الأمنية في منع أفواج المصريين والأفارقة من الهجرة إلى أوروبا. لكن اللافت أنه راح يهذي بشأن حقوق الإنسان محاولا فرض تصوراته المشوهة عن معنى وجوهر حقوق الإنسان.

وفي 12 مارس 2021م أصدرت 31 دولة بيانا مشتركا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أعربت فيه عن قلقها من وضع حقوق الإنسان في مصر، وطالبوا في بيان مشترك "بإنهاء استخدام تهم الإرهاب لإبقاء المدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء المجتمع المدني في الحبس الاحتياطي!".

مباهاة السيسي بمنع أي هجرة شرعية من مصر يأتي في سياق ابتزاز الأوروبيين مقابل سكوتهم عن انتقاد جرائم نظامه بشأن ملف حقوق الإنسان. وخلال كلمته بمناسبة مشاركته في قمة دول تجمع "فيشجراد مع مصر" التي استضافتها العاصمة المجرية بودابست، قبل أيام، رفض السيسي الانتقادات التي توجه إلى نظامه في ملف حقوق الإنسان، زاعما: "نحن قيادة تحترم شعبها وتحبه وتسعى من أجل تقدمه ومش محتاجين أبدا إن حد يقولنا إن معايير حقوق الإنسان عندكم فيها تجاوز".

وفي 18 مايو 2021م، صوت مندوب النظام العسكري في مصر ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي يلزم الدول بحماية المواطنين  ومنع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية. كان الموقف المصري صادما وكاشفا، لكنه أثار تساؤلات كثيرة؛ فلماذا يرفض نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي حماية المصريين من التعرض لأي جرائم وحشية أو جرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية، وإدراج هذه الجرائم ضمن ولاية مجلس حقوق الإنسان؟  معنى ذلك أن النظام لا يتمتع بأي مسحة أخلاقية أو دينية أو حتى دستورية؛ ذلك أن حماية الشعب من الجرائم والإبادة والعدوان هي أصول دينية ومبادئ أخلاقية إنسانية  واستحقاقات دستورية، وتصويت النظام برفض القيام بهذه المهام الدستورية الأصيلة هي بمثابة اعتراف رسمي بأن النظام يتخلى عن أبرز مهمه ووظائفه الأساسية،وأنه هو من يمارس هذه  الجرائم والوحشية بحق الشعب، ورفضه هو شي من الدفاع عن النفس لأنه يخشى العواقب. معنى ذلك أيضا أن رفض نظام السيسي للقرار الأممي يعني أنه لا يريد أي التزام قانوني أو تعاقدي دولي بحماية الشعب المصري من أي جرائم وحشية أو جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية"، رغم أن هذه الحماية هي من المهام الأساسية لأي نظام حكم في العالم. كما أن هذا الرفض يبرهن على أن النظام لا يملك الإراد أو الرغبة في تحسين حالة حقوق الإنسان أو حماية المصريين من جرائم الإبادة والتطهير العرقي.

 

تلاعب بالأرقام

وأشار السيسي في زيارته الأخيرة للمجر إلى دور بلاده في منع الهجرات غير الشرعية إلى جنوب أوروبا، وقال خلال مؤتمر صحفي مع رئيس وزراء المجر، "إن مصر منعت الهجرة غير الشرعية من منطلق إنساني"، مطالبا الدول الأوروبية بمساعدة دول المنطقة لتحسين أوضاعها السياسية والاقتصادية. وادعى السيسي أن بمصر 6 ملايين مهاجر غير شرعي يقيمون فيها، ولا يعيشون في معسكرات اللاجئين، لكن بحسب موقع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بمصر، فإن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لديها حتى ديسمبر 2019 بلغ 254 ألف شخص فقط".

وبحسب مراقبين فإن السيسي يستخدم أوراق الهجرة غير الشرعية والحرب على الإرهاب والعلاقات مع "إسرائيل" وصفقات السلاح المليارية كأوارق ضغط ومساومة وابتزاز من أجل تحقيق بعض المكاسب لنظامه العسكري الذي اغتصب الحكم بانقلاب  عسكري أجهض المسار الديمقراطي والذي كان حلما لعشرات الملايين من شباب مصر، ويمارس انتهاكات حقوقية جسيمة.

 

العداء للإنسانية

ويتبنى نظام السيسي موقفا عدائيا من حقوق الإنسان، يقوم على تصورات مشوهة ومشوشة وبالغة التناقض والتصادم مع جوهر حقوق الإنسان كما وردت في الدستور والبيان العالمي لحقوق الإنسان الذي تتبناه الأمم المتحدة حتى اليوم.

وكان نظام السيسي قد أطلق في 11 سبتمبر 2021م ما تسمى بالإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والتي كشفت تقارير إعلامية نقلا عن مصادر مطلعة بحكومة الانقلاب أنها فكرة طرحتها دوائر أمريكية قريبة من البيت الأبيض  من أجل تحسين صورة النظام القمعي في مصر ولو شكليا؛  لعدم توريط الرئيس الأمريكي جوبايدن في علاقات مع نظام دموي استبدادي  كان رئيسه عبدالفتاح السيسي دكتاتور ترامب المفضل. وهو ما تلاه توجهات أمريكية بفك التجميد عن 130 مليون  دولار كانت واشنطن قد جمدت تسليمها لنظام السيسي بسبب الانتهاكات الحقوقية. لكن البيت الأبيض في طريقه لفك هذا التجميد لأن مصالح واشنطن أهم  من المبادئ والقيم الإنسانية والحقوقية والديمقراطية.

وكان السيسي قد أفصح في لقاءات سابقة مع قادة أوروبين عن تصوراته المشوهة عن حقوق الإنسان ومنا قوله للرئيس الفرنسي في زيارته للقاهرة في فبراير 2019م، إنه ينبغي على الأوروبيين ألا يطبقوا معاييرهم لحقوق الإنسان على المواطن المصري .. وهو ما يتصادم مع  المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنصّ على ما يلي: "يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق". فيما تشدّد المادة الثانية على عدم التمييز، والذي هو، بحسب الأمم المتحدة، مبدأ شامل في القانون الدولي لحقوق الإنسان. وتنصّ عليه جميع المعاهدات الأساسية لحقوق الإنسان.

وكان الجنرال في لقائه المذكور مع الرئيس الفرنسي قال نصا:«لن تعلمونا إنسانيتنا.. فهي غير إنسانيتكم»!. وهي عبارة تجسد وافر احتقاره الإنسان المصري، والعربي، وتصنيفه له في درجة أدنى على سلم الإنسانية، بقوله وهي تساوي بالضبط أن إنساننا يختلف عن إنسانكم.. الإنسان عندنا أرخص من الإنسان عندكم، فلا تحدّثونا عن معايير وقيم إنسانية واحدة.

السيسي يتبنى فكرة أن حقوق الإنسان ليست جوهرية وأصيلة تنطلق من معايير ومبادئ مستقرة ومتفق عليها أمميًا، ولكنها مفهوم خاص بكل دولة يمكن أن يتغير حسب طبيعة المجتمع. وأن الأولوية هي لما تسمى بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية أما الحقوق المدنية والسياسية مثل الحريات والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحق التجمع والتعبير عن الرأي  والمساواة أمام القانون واختيار الحكام والمشاركة في صنع القرار فهي قيم لا تحظى بأي قيمة عند السيسي وأمثاله.

Facebook Comments